«الأهرام» في عامها الجديد

لقد كان الفرق محسومًا بين الصحافة والأدب وسواه من الفروع الثقافية، فكانت وظيفة الصحافة قائمة على نقل الأخبار المحلية والحوادث العالمية، أما الموضوعات الأدبية والاجتماعية والعلمية وغيرها فغايتها إفادة القارئ وتوسيع معلوماته وطبع فكره على غرار فكر الكاتب؛ لذلك تفرد لها الكتب وما إليها، فيعكف عليها القارئ المتفرغ أو القارئ الآخَر في ساعات فراغه.

أما اليوم فقد أصبحت الصحافة كتابًا يوميًّا يحمل على صفحاته الأخبار والحوادث وشتى المعلومات والدعايات في عديد الموضوعات، وأمام الصحافة تطوُّر خطير لا يستطيع أن يتكهن به أحدٌ غير أن الجميع يشعرون بأنه واقع لا محالة، ربما في القريب العاجل بفعل تقدُّم العلم، وستتأثر به الصحافة في جميع الأقطار.

ولئن اقتضى الأمر أن يكون في كل بلد صحافة حزبية، تنطق بلسان جماعة وتنشر دعايتهم بخطبهم وبيانهم، فلا بد أن توجد كذلك صحافة غير حزبية وغير مقيَّدة تفتح أعمدتها لمختلف النزعات والآراء، وتترك لكل كاتب أن يُعرِب فيها عن وجهة نظره، كما تترك لكل قارئ أن يتخيَّر من الأقوال والآراء ما يتوافق واستعداده.

نقول هذا بمناسبة الخطوة الجديدة التي تخطوها اليوم «الأهرام» في ثوبها الجديد، ولئن كانت خطوتها هذه معلِنة فضل القائمين بأمرها في جهادهم وذكائهم وثباتهم، فهي تعلن أيضا فضل المجتمع المصري وذكاءه وتشوُّقه إلى الاستنارة والتقدم، وليس ابتكارًا القول بأن الفضل مشترَك بين الحبة الصالحة والأرض الصالحة التي تتعهدها بالتغذية والنمو، لا سبيل إلى الابتكار والتنميق في بعض الحقائق الأولية، التي يجب تقريرها كل مرة بالألفاظ نفسها دون زيادة ولا نقصان.

وبتحية «الأهرام» وتهنئتها والثناء عليها إنما نحيِّي الصحافة المصرية بأسرها؛ لأنها كلها بيان جميل في مظهرها وفي مضمونها لما وصلت إليه مصر من التقدم «والحياة الحية»، وكلها ماضية في القيام بمهمتها النبيلة في شحذ الأفكار، وإثارة الجمهور، وإحكام الاتصال بين القارئ وبين الحركات العالمية، وإيقاظه بما ينبهه من هجوعه الدهري، لينهض مطالبًا بنصيبه من الإرث الإنساني الكبير.

لقد نَمَت الحبة الصغيرة في التربة التاريخية العظيمة، فإذا «بالأهرام» شجرة راسخة الأصول، متفرعة الأفنان، وارفة الظلال، تسري في شرايينها تيارات الحياة، كما تنبعث منها التيارات الحيوية مرة في تعجُّل ومرة في تريُّث، وإنها لعامل قدير في تطوُّر الحياة المصرية، ومَن استطاع أن يكتب بحثًا منصفًا خالصًا في تاريخ «الأهرام»، استطاع أن يؤلف تاريخًا للتطور المصري من بعض نواحيه.

العمَّال العاطلون في خطاب موسوليني

خاطَبَ السنيور موسوليني في مطلع العام الشعبَ الأمريكاني بواسطة الراديوفون باللغة الإنجليزية، وقد أخذت هذه الخطبة تثير أصداء متنافرة من الموافقة والاعتراض والتعليق، ولكنها تلفتنا إلى أمرين: أحدهما أن معرفة عدة لغات أصبحت ضرورية لرؤساء الحكومات الذين يقومون لبلادهم بدعاية خاصة، فذلك يمكِّنهم من الاطِّلاع بنفسهم على أفكار الشعوب الأخرى كما تُنشَر في لغاتهم دون ترجمة، «والمترجم الخائن» عندما لا يحسن الترجمة كما يقول المثل الإيطالي (Traduttore fraditore) كما أنه يتسنى لهم مخاطبة الآخرين مباشرة بلا وسيط.

معلوم أن الزعيم الفاشيستي الكبير يجيد الفرنسية، وبالأمس عندما زارته في روما جماعةُ «الخوذة الفولاذية» الألمانية استطاع أن يخاطبهم بلغتهم، وها هو اليوم يخاطب أمريكا ومَن يريد أن يصغي معها، باللغة الإنجليزية. لقد فات الوقت الذي كان فيه يتحصن المرء في لغة واحدة ويرى فيها الكفاية.

أما الأمر الآخر فهو إلماع السنيور موسوليني إلى أن بلاده لم تنجُ من الداء الضارب في سائر بلدان الغرب؛ إذ إن في إيطاليا نصف مليون من العمال العاطلين، ويعلن بهذه المناسبة أنه يعارض لتعهد الحكومة بالإنفاق على العمال العاطلين مجانًا؛ لأن هذه الطريقة تجعل العامل يألف حالة البطالة، وخير منها إيجاد الأعمال العامة التي تفيد العامل وتعود على البلاد بنتيجة محسوسة نافعة.

لهذا الرأي شأن عند الذين يعجبون كيف أن بلاد الغرب الموفورة الذكاء، السحرية الإبداع، لم تتفوق إلى حل مشكلة البطالة بغير نقد العامل أجره وهو لا يؤدي عملًا، إن هذا الواجب نحو الطفل والشيخ والعاجز والمريض، ولكنه الظلم كل الظلم نحو السليم القوي الجسد الذي يتمتع بجهود غيره وهو لا يقوم بمجهود، ويستهلك دون أن ينتج، ويستغل دون أن يخدم. ولقد هاج دائمًا نفوري الشديد وشعوري العنيف بالجور مرأى رجل واحد يمرر حياته العمل المتواصل والعناء دون مهادنة، ليقوم بنفقات نساء لا هَمَّ لهن غير الثرثرة الفارغة وخلق المشاكل السخيفة والمشاغبات؛ إذ إن الحياة لا تحتمل الفراغ، فإن لم تشغلها فكرةٌ جادةٌ ومسئوليةٌ كريمةٌ عمدت إلى سفاسف الأمور لتتلهى، ولو لم يكن لعمل المرأة غير هذا الأثر الفعال في تكوين شخصيتها وتنظيم عقليتها، لكفى به حافزًا يحمل القائمين بأمرها على تربيتها التربية التي تحبب إليها العمل وتدلها على وسائله. والبطالة بعدُ مفسدة للقوي الحيوي، مفسدة للكرامة، مفسدة للعقل، مفسدة للخُلُق، مفسدة النظرة إلى الحياة، مشوِّهة موقف الفرد من المجموع، والمنطق يقضي بأن تعمل دول الغرب في إيجاد مشروعات وأعمال عمومية تنفق عليها تلك المبالغ أو مبالغ أضخم، ينال منها العامل قسطه من المال والعمل معًا، وتكون نافعة في خدمة البلاد، ولكن يظهر أن هذا بعيد المنال؛ إذ إن كل فروع العمل والاستنباط قد عُولِجت بمهارة ودقة حتى تعذَّر خَلْق الأعمال الجديدة، وبخاصة لأن الآلات الميكانيكية في تقدُّم سريع، وكلما تقدمت الوسائل العلمية والميكانيكية تناقصت الحاجة إلى اليد العاملة، وزادت كمية الإنتاج على كمية الاستهلاك، وهذه المشكلة في مقدمة ما يثير الأزمات الحادة في كل بلد من البلدان.

فهل يهتدون يومًا إلى حل ما؟ إن شأن الحضارة اليوم شأن ذلك الجبار الميثولوجي الذي كان يصيغ سبائك الذهب، فيتكون منها طبقة فوق طبقة، حتى يُدفَن هو تحتها وتزهق فيما بينها روحه.

العلم قوة، يقول الشيخ المحترم

لست أدري ما الذي حدا بالشيخ المحترم الذي تفضَّل فخاطبني بالأمس في «الأهرام» على الضن بكل توقيعه؟

في المقال الذي رد فضيلته عليه أمنت على خطاب السيدة المصرية وشاركتها في حكمها على حكم القضاء، غير أني أردت أن أنصف الواقع فقلت — وأكرر — إن الأم هي التي تربي الأمة، وإن ما لا يرضي مما نراه راجع إلى نقص في تربية الأم، وإنه إذا أريد التغيير بمعنى الإصلاح في الخُلُق العام والسلوك العام، فخير وسيلة لذلك هي تربية المرأة التي ستصير في الغد أمًّا؛ لأن ابن العبدة عبدٌ بطبيعته، وابن الحرَّة حرٌّ، هذا إلا الشواذ الذي لا يقاس عليه.

والعبودية والحرية في نظري شعور أدبي أكثر منه معدات حسية، فالحر حرٌّ ولو قيَّدَتْه السلاسل وأرهقته الأغلال، والعبد عبدٌ ولو أحاطت به مظاهر الحرية والاستقلال، ألم يكن أفلاطون عظيمًا في عبوديته عظمته بعد أن افتداه من الأسر أحد أصدقائه فأصبح حرًّا طليقًا.

أَجَلْ، القوة سيدة العالم، ولكن القوة الحقة ليست هذه المعروضات من القوى الحربية والعسكرية وغيرها، بل هي الفكرة الأدبية القائمة وراءها، الفكرة التي تتعرف الحق وتخلقه في النفوس وتغذي به الأمة وتنميه جيلًا، حتى ننتهي إلى إيجاد القوى الحسية الموازية له.

وفكرة هذه «القوة الأدبية» من أي نوع كانت لا بد أن تكون وديعة في نفس الأم، وفي خُلُقها، وفي مثلها، وفي لبسها، فإذا كان «العلم» الذي يذكر الأستاذ المحترم أنه «قوة» وأن المرأة يجب أن تأخذ به — إذا كان هذا «العلم» ما أعنيه أنا «بالتربية»، فنحن إذن على وفاق، وليثق فضيلته أن المرأة لا تشكو قوة الرجل بل سوء تفسيره للقوة، فإن القوة الرصينة المنصفة لَمِنْ أحبِّ ما تحبُّه المرأة وتعجب به، أما مسألة الزينة والتبرُّج التي يلومنا الأستاذ عليها، فأقول بضرورتها للمرأة من حيث هي تلمُّس للجمال، وتلمُّس الجمال لا يقف عند زركشة القوى وكحل العيون، ولا هو معناه الاستهتار في التجمل والفوضى في السلوك، والثقافة والتربية لا تتعارضان وفكرة الجمال، بل على النقيض تقربان منها وتتواحدان وإياها، والبيت الذي لم تتثقف في سيدته حاسة الجمال حريٌّ بأن يرثى له؛ لأنه لا يعرف السرور والابتهاج، ولكن هذا موضوع من الأهمية والاتساع بحيث يتطلب سلسلة مقالات.

مات العام، فليحيا العام!

أَجَلْ، لقد قامت صحافة العالم بشبه تصفية عامة للمشاكل الكبرى والصغرى بمناسبة العام الجديد، وتكلَّم على مقربة من أعضاء «صاحبة الجلالة» أولئك الذين يحلو لهم أن يروا قلوب الخلق منخلعة عامًا بعد عام، أولئك الذين لا بد أن ينذرونا بأن العالم على وشك الانقضاء، متسلحين بتفسير كلمات مما ورد في بعض الكتب الدينية ليثبتوا صحة نظريتهم غير السارة.

أرجو ألا يتأثر بهذه النذر رجال البورصة الحساسون جدًّا؛ لئلا نرى هبوطًا آخَر في الأسواق لم يشهده أحد من قبل، وإذا كان الموت مفروضًا على رقاب العباد، فَلْنَمُتْ في وسط الجمال كما يقولون، ولنعتبر بإرشاد الحكيم من وجوب الاعتصام بالصبر، ومواجهة الصعاب بجَنان ثابت وثغر باسم إذا أمكن، لا سيما وأن هذه النذر فشلت عدة مرات، وكلما حانت الساعة (المعيَّنة من المتكهنين) لسماع أبواق الأبدية، رأينا شيئًا من إعادة النظر في «نظام الحفلة»، وتعديلًا في برنامج الخراب المزعوم، فإذا بالفزع منهزم، وإذا بالرجاء ينمو ويزدهر، وإذا بالإنسان يمضي في استئناف خلق مشاكله الهائلة، ليتلذذ بتسليكها قليلًا وبتعقيدها كثيرًا.

ولكن لو فرضنا أنْ سيتم هذه المرة ما لم يتم في المرات السابقة، فهل من غضاضة في الطمع في ولوج فُلْك نوح الجديد؟

أود أن يكون لي في الفُلْك مكان، ليس بصفتي البشرية بل بصورة نباتية مثلًا؛ لأُبْعَث بعدئذٍ وقد احتفظت بعقليتي الحاضرة، فأرى إذا كان ما نسميه الآن ارتباكًا واضطرابًا هو حالة ملازمة للحياة، أم يتيسر إيجاد طراز آخَر من هذا العالم الذي قال فيه مرة فولتر الساخر: «إن الباري جلَّ وعلا قد يُؤثِر بَعْث عالَم جديد من العدم، على ترقيع هذا العالم العتيق في عديد ثُلماته».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.