وقد تكلم صدقي باشا آخر الأمر بعد أنْ آثر الصمت وتعلق به وألح فيه، وكان الذي أخرجه عن هذا الصمت كلام نشرته المقطم مساء أمس، وظن صدقي باشا أنه أوحي به إلى المقطم، بل قال صدقي باشا: إنه سمع منذ أيام أنَّ الوحي سيهبط على المقطم بهذا الكلام.

فلما هبط الوحي على المقطم — إنْ صح ما قاله صدقي باشا — لم يجد محب الصمت بدًّا من أنْ يخرج عن الصمت، ولم يجد الدكتاتور العظيم مندوحة عن أنْ يقبل هذا التحدي، وأنْ يرد على كلام بكلام، ولا ينبغي أنْ تنخدع بما قاله صدقي باشا، فإن صدقي باشا لم يقل في حقيقة الأمر شيئًا، إنما أحس أنَّ وحيًا هبط على المقطم، فأنزل هو وحيًا على الأهرام، واستحال الأمر إلى خصومة بالوحي، وحرب بالكلام بين شخص مستتر يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يوحي إلى الأهرام.

فأما مصر ومصالحها، فأما العدل والحق وكرامتهما، فأما حقيقة الأمر فيما يتصل بصدقي باشا من قصة الكورنيش، فأما رأى الناس في رجل أشرف على أمور الدولة أكثر من ثلاثة أعوام، وكثرت حوله الأنباء والإشاعات، وأثار خصومه حوله الشكوك والريب والظنون، فكل هذه أمور لا قيمة لها ولا خطر، ما دام شخص مستتر يستطيع أنْ يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يستطيع أن يوحي إلى الأهرام، وما دام القُرَّاء يستطيعون أنْ يقرءوا ما يوحي به هذا وذاك، وأن يلاحظوا أنَّ موحي المقطم كان لبقًا، وأنَّ موحي الأهرام كان رشيقًا مداورًا، وما دام الأمر كله يستطيع أنْ يستحيل إلى خصومة كلامية تعتمد على التصريح والتلميح، ويقضي القُرَّاء فيها بالمهارة لهذا الموحي أو ذاك.

إنَّ من المؤلم حقًّا أنْ تستحيل أمور مصر إلى هذا اللغو، وأنْ يراد بالمصريين أنْ يقنعوا بهذا الفن من فنون المزاح في أشد المسائل بعدًا عن اللغو والمزاح. إنَّ الفرنسيين لم يكتفوا بالغمز واللمز تنشرهما صحف المساء والصباح حين ظهرت في بيئتهم تلك الفضائح المالية، وإنما تجاوز الأمر عندهم صحف الصباح والمساء إلى الوزارة، ثم إلى البرلمان، ثم إلى القضاء، ثم إلى الشارع … وانتهى الأمر عندهم إلى ما هو معروف من سقوط وزارتين، ومن حركة عنيفة قمعت بالحديد والنار في باريس وغير باريس، ومن تعرض النظام السياسي كله للخطر، ولم ينته الأمر في فرنسا بعد … والله يعلم متى ينتهي، وإلام ينتهي، وكيف ينتهي.

ونحن — والحمد لله — متواضعون، نقدر ما بيننا وبين فرنسا من الفروق، ونعلم حق العلم أننا نطلب المحال إنْ أردنا أنْ تستقيل وزارة لقصة الكورنيش كما استقالت وزارة لقصة استافسكي، ونحن أبعد الناس عن أنْ نطلب مثل ما فعله الفرنسيون، إنما نطلب شيئًا يسيرًا جدًّا … شيئًا من أيسر حقوقنا أنْ نطلبه، ومن الغريب ألا نُجاب إليه … نطلب أنْ يُسأل الذين يحتملون التبعات عما يحملون من التبعات، نطلب أنْ يُسأل الذين ينفقون الأموال العامة عما ينفقون من هذه الأموال، نطلب أنْ تمحى الشكوك والظنون عن الذين ينهضون بأمور الدولة، ويتشرفون برياسة الوزارة.

نطلب ألَّا تسوء آراء الناس في رؤساء الوزارات والوزراء، وألَّا يقول بعضهم لبعض: لقد كثرت الأحاديث والإشاعات حول فلان فلم يستطع — أو لم يرد — أنْ يثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات، ولم تستطع الدولة — أو لم ترد — أنْ تثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات … نطلب آخر الأمر ألا يمتاز صدقي باشا من بقية المصريين، وأن يُسأل صدقي باشا عما يُضاف إليه، كما يُسأل المصريون عما يضاف إليهم، وأن يثبت آخر الأمر في وضوح وجلاء أنَّ صدقي باشا رجل سياسي لا غبار عليه، وأنَّ الذين يقولون في صدقي ما يقولون إنما يتجنون عليه، ويتهمونه بما هو بريء منه؛ كيدًا له، وإغراء به، وتأليبًا عليه.

هذا هو الذي نطلبه، وهو — كما ترى — شيء يسير لا خطر له بالقياس إلى ما طلبه الفرنسيون، وما يزالون يطلبونه، ومع ذلك فنحن لا نُجاب إلى هذا الذي نطلبه، لا تُجيبنا إليه الدولة لأمر يعلمه الله، وتعلمه هي، ولا يُجيبنا إليه صدقي باشا لأمر يعلمه الله، ويعلمه هو … والظريف مع ذلك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت» فيذكر الديمقراطية الصحيحة، ويذكر التنفيذ الصحيح للدستور، وهو يعلم حق العلم أنه قادر — إنْ أراد — على أنْ يحقق الديمقراطية الصحيحة حين يُسوِّي بين نفسه وبين المصريين، وحين يقدم إلى اللجنة ما تنتظر أنْ يقدم إليها من البيان، أو حين يطلب إلى البرلمان أنْ يؤلف لجنة تسأله وتسمع منه، فصدقي باشا يفسد الديمقراطية حين لا يُمكِّنها من نفسه، وهو مع ذلك يدعو إلى هذه الديمقراطية، ويعلن أنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية إنْ كان المصريون يريدون الاستقلال.

والدولة تعلم من ذلك ما يعلمه صدقي باشا، ولكنها تقف من ذلك موقف صدقي باشا نفسه … تريد أنْ تعرف الحق، وأن تعرِّفه للناس، ولكنها لا تسعى إلى معرفة هذا الحق، ولا إلى تعريفه للناس، ونحن بعد هذا وذاك نعيش في بلد ديمقراطي فيه دستور يجعل الناس سواء أمام القانون، ويجعل الوزراء مسئولين عن أعمالهم أمام البرلمان.

وأغرب من هذا وذاك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت»، فيعلن أنه قد أراد بتغيير النظام تقوية الأمة، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة فيها، وتمكينها من كسب الاستقلال، وهو يقف موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف المحارب للديمقراطية، الخارج عليها، المُضْعِف للأمة، المباعد بينها وبين الاستقلال، المباعد بينها وبين احترام الإنجليز وغير الإنجليز.

أعلن صدقي باشا في الصحف أنه مستعد لأن يقدم إلى لجنة الكورنيش من البيانات ما تحتاج إليه؛ ليثبت أنَّ الصلة بينه وبين مقاول الكورنيش صلة نقية لا غبار عليها، ثم ظهر أنَّ لجنة الكورنيش لا تستطيع سؤاله، فطلبنا إليه نحن أنْ يقدم إليها ما وعد بتقديمه من البيان، وألححنا عليه في هذا الطلب، ثم خيرناه بين هذا وبين الالتجاء إلى البرلمان؛ ليؤلف لجنة تنظر فيما عنده من بيان، ولكن صدقي باشا لم يصنع شيئًا، ولم يختر شيئًا، بل آثر الصمت، ونسى الوعد الذي كان قد وعد به حين كان يصول ويجول في الصحف، وطلبنا إلى الحكومة أن تهيئ لسؤال صدقي باشا في البرلمان، فلم تصنع الحكومة شيئًا، وطلبنا إلى البرلمان أن يسأل صدقي باشا، فلم يصنع البرلمان شيئًا، وسجلنا بعد ذلك أنَّ صدقي باشا رجل ممتاز، وأن امتيازه هذا مخالف للدستور والقانون، وأن الذين يطلبون إلغاء امتيازات الأجانب خليقون أن يطلبوا قبل ذلك إلغاء امتيازات المصريين؛ فلم يصنع أحد شيئًا.

ثم نشرت أمس تلك الأسطر التي نشرت في المقطم، فتحرك صدقي باشا، وليته لم يتحرك، وكتب صدقي باشا، وليته لم يكتب؛ لأنه لم يزد على أنْ أثبت أنه رجل ممتاز تميزه الظروف، أو يميز نفسه من المصريين جميعًا، ويتحدى الحكومة القائمة، ويتحدى معها البرلمان فيما يظهر، ويتحدى الدولة كلها هادئًا مطمئنًا، مزينًا ثغره بابتسامته الساحرة التي يكثر عنها حديث الناس.

نشرت المقطم أنَّ اللجنة تنتظر أنْ يرسل إليها صدقي باشا ما وعد بإرساله من بيان، فقال صدقي باشا: إنَّ مركزه لا يسمح له بأن يرسل إلى اللجنة بيانًا ما. ومعنى ذلك أنَّ صدقي باشا قد استكشف في آخر الأمر كما استكشفت الدولة في آخر الأمر أيضًا أن ليس للجنة سبيل عليه. وكان صدقي باشا في أول الأمر يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فوعد بأن يقدم إليها كل ما تحتاج إليه من البيان، فلما ظهرت له جلية الأمر في مركزه ابتلع وعده ابتلاعًا، وأعلن أنه لا يستطيع أنْ يقدم إلى اللجنة بيانًا ما، وكانت الدولة في أول الأمر تظن — فيما يظهر — أنَّ للجنة سبيلًا على صدقي باشا، فلما ظهرت لها جلية الأمر اكتفت بهذه الأسطر التي نشرت في المقطم أمس، ورد عليها صدقي باشا بهذا الرد الذي نُشِرَ في الأهرام صباح اليوم.

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فصدقي باشا رجل متفضل على اللجنة لا يريد أنْ يتركها حائرة هائمة، ومن حقه أنْ يفعل إنْ أراد، فليس للجنة سبيل عليه، ولكنه يتفضل عليها وعلى الحكومة، وعلى رئيسها الرجل الطيب، فيطلع صديقًا من أصدقائه الذين لهم مكانة في الحكم، والذين ترجع إليهم اللجنة فيما عنده من المستندات، ويكتفي بذلك، ويريد أنْ تكتفي اللجنة منه بذلك، فأي فضل يشبه هذا الفضل؟ وأي طول يشبه هذا الطول؟ إنَّ صدقي باشا لرفيق باللجنة شفيق على الحكومة؛ كان يستطيع ألَّا يحفل باللجنة ولا بالحكومة، ولكنه مع ذلك تفضل فأظهر ما عنده من المستندات لصديق في الحكومة ترجع اللجنة إليه.

أرأيت جراءة تشبه هذه الجراءة؟! أرأيت تحديًا يشبه هذا التحدي؟! أرأيت استخفافًا بالوزارة واللجنة والمصالح العامة يشبه هذا الاستخفاف؟ مئات الألوف من الجنيهات تُنْفق، ويشك الناس، وتشك الحكومة في طريقة إنفاقها، وتؤلف لتحقيق ذلك لجنة، ولكن صدقي باشا يكتفي بأن يظهر ما عنده من المستندات لرجل من الأصدقاء؛ ليتحدث عنها إلى الحكومة أو إلى اللجنة. مسألة يُطلب فيها التحقيق الرسمي، فيعالجها صدقي باشا بالطريقة العرفية. وهو في هذا العلاج متفضل متبرع لا سلطان لأحد عليه، بل هو ينتظر أن تشكره اللجنة، وأنْ تشكره الحكومة؛ لأنه أظهر ما عنده من المستندات لبعض الأصدقاء.

وقل بعد ذلك: إننا نعيش في بلد ديمقراطي يخضع لأحكام الدستور، ويجعل الناس سواء أمام القانون، ويُسأل فيه الوزراء أمام البرلمان، وتحاط فيه الأموال العامة بما شئت وما لم تشأ من ألوان الحماية والرعاية. قُلْ هذا كله ولا تخف أنْ يضحك منك الناس، ولا تخف أنْ يضحك منك الأجانب بنوع خاص، ولا تخف أنْ يضحك منك الفرنسيون، ولا تشك في أنَّ حياتنا الحاضرة تضمن لنا احترام الإنجليز وإقناعهم بأننا قوم أحرار، وبأننا أهل لمفاوضتهم، وأهل لكسب الاستقلال.

ويقرأ الرجل الطيب هذا الكلام الذي يكتبه صدقي باشا في الأهرام، فيبلع ريقه، وينظر في المرآة، ويذهب إلى المحطة ليأخذ القطار إلى الإسكندرية. ومن يدري؟! لعله يؤخر سفر القطار دقائق في هذا اليوم كما أخَّره دقائق منذ أيام.

ونشرت المقطم أنَّ صدقي باشا كان قد وعد بتقديم البيان إلى اللجنة في الصحف، وكان قد أفهم بعض أعضاء اللجنة أنه مستعد لتقديم هذا البيان، فينشر صدقي باشا في الأهرام أنه لم «يتشرف» بلقاء أحد من أعضاء اللجنة، ولم يعده بتقديم هذا البيان. وما رأي صدقي باشا في وعده الذي سجله على نفسه في الصحف، والذي لا يستطيع محوه ولا إنكاره؟ لماذا عدل عن هذا الوعد وأعرض عن تقديم البيان؟ لأنه كان يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فلما ظهر له أنه محمي من سؤال اللجنة صال وجال، واسترد وعده الذي كان سبق بتقديمه في الصحف.

وما رأى صدقي باشا في أننا نؤكد له ونحن واثقون بما نقول، أنه قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة وأفهمه أنه مستعد لتقديم البيان، ولسنا نزعم أنه لقي أحدًا من أعضاء اللجنة، ولكننا نزعم أنه اتصل ببعض أعضاء اللجنة، ونظن صدقي باشا يوافقنا على أنَّ من الممكن أنْ يتصل بعض الناس ببعض دون أنْ يلقى بعض الناس بعضًا، ومن الممكن أنْ يتحدث بعضهم إلى بعض دون أنْ يرى بعضهم وجوه بعض.

فنحن — إذن — نؤكد أنَّ صدقي باشا قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة، وقد وعد بتقديم البيان إذا لم يقدمه المقاول، فما بال صدقي باشا يعدل الآن عن هذا الوعد الشفهي كما عدل عن ذلك الوعد الكتابي؟ ليس في الأمر شيء غريب، فصدقي باشا واثق بأن اللجنة لا تستطيع أنْ تسأله، وصدقي باشا لهذا لا يقدم إلى اللجنة بيانًا، وحسبه أنْ يتفضل، فيظهر ما عنده من المستندات لصديق يسعى بينه وبين اللجنة سعيًا عرفيًّا، قوامه المودة وحب الإصلاح.

ولا يشير صدقي باشا إلى اللجنة البرلمانية … ولم يُشِر إليها، ولم يفكر أحد فيها، وليس لأحد عليه أنْ يحمله على أنْ يقدم نفسه إلى التحقيق ما دامت الدولة لا تدعوه إلى التحقيق. صدقي باشا — إذن — رجل متفوق الآن … متفوق على خصومه الذين أثاروا حوله ما أثاروا، وأرادوا به ما أرادوا، ثم ردوا عنه خاسئين، متفوق على الوزارة التي لا تستطيع — أو لا تريد — أنْ تسأله عن شيء، متفوق على البرلمان الذي لا يريد أنْ يسأله عن شيء، متفوق على المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة موقفه من قصة الكورنيش، ولا يجدون إلى ذلك سبيلًا، ونحن مع هذا كله بلد ديمقراطي خاضع لحكم الدستور، يستوي الناس جميعًا فيه أمام القانون، ويُسأل الوزراء فيه أمام البرلمان. والغريب أننا نقول ذلك ونكتبه ولا نستحي، وأنَّ صدقي باشا نفسه يتحدث بذلك إلى الإنجليز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.