رأيت في الأخبار — بعنوان: أيهما أصح — صورة ظهر فيها عنوانان لتفتيش ري أسوان وإدارة خزان أسوان، أحدهما كتب فيه اسم البلدة بالسين والآخر كتب فيه الاسم بالصاد كما يرى حضرات القراء، وقرأت تحت الصورة سؤالًا عن «رأي الأستاذ العقاد ابن أسوان أي العنوانين أصح وأولى بالاتباع؟»

والصحفي الأديب صاحب السؤال قد أشار إلى «مشكلة هجائية» تصادفني على رصيف المحطة كلما ذهبت إلى البلدة أو رجعت منها؛ لأن الاسم مكتوب هناك بالحروف المعدنية البارزة بالصاد كما كتب على إدارة الخزان.

وقد كادت كتابتها بالصاد أن تغلب على جميع الدواوين — حتى المدرسة — منذ انتقلت إليها عاصمة الإقليم أو قبل ذلك بسنوات؛ لاعتقاد الكثيرين أن الاسم مأخوذ من «الصوان»، وهو الحجر الصلد الذي يكثر في المدينة وما جاورها.

والذين اطلعوا على كتابتها الصحيحة في كتب الأدب ومراجع التاريخ توهموا أن كلمة «أسوان» مأخوذة من «الأسى»، وهو الحزن الذي يعتري النازحين إليها من بلادهم القصية فيما تصوروه!

وإلى هذا الجناس يشير أبو العلاء المعري في قوله من اللزوميات:

أسوان أنت، لأن الركب وجهتهم

أسوان، أي عذاب دون عيذاب؟!

ولا صحة لهذا الاشتقاق ولا لذلك الاشتقاق؛ فإن اسم البلدة عرف قبل الفتح العربي بعشرات القرون، وذكرته التوراة مرتين، وورد مكتوبًا في اليونانية بما يقابل نطقه العربي «سونيه» Syne بغير الألف، وقيل: إن معنى الكلمة القديم: «السوق»؛ لأن أسوان كانت منذ فجر التاريخ سوقًا لتجارة السودان وتجارة البحر الأحمر من طريق عيذاب على حدود الصحراء.

ويقول ياقوت الحموي صاحب «معجم البلدان» إنه قرأ الاسم بخط أبي سعيد السكري «سوان» بغير الهمزة، قريبًا من نطقها القديم.

ولم تكتب أسوان بغير السين في كل ما وردت فيه من كتب الأدب ودواوين الشعراء، ومنه قول دعبل الخزاعي الذي كان واليًا عليها:

وإن امرأ أضحت مساقط رأسه

بأسوان لم يترك له الحزم معلما

ومنه قول البحتري:

وبين أسوان والعراق «زها»

رعية ما يغبها نظره

ومن قول الكمال الإدفوي:

أسوان في الأرض نصف دائرة

والخير فيها والشر قد جمعا

وكل من ولد فيها، أو نسب إليها، من الفضلاء والمشهورين فهو مكتوب بالسين، كما ورد في نسبة عبد الوهاب بن أبي هاشم الأسواني، ونسبة الرشيد الأسواني والمهذب الأسواني، وأبي يعقوب بن إدريس الأسواني، وقحزم بن عبد الله الأسواني، وفقير بن موسى الأسواني، وغيرهم وغيرهم كثيرون.

فلا خلاف في أصل الكتابة بالسين ولا وجه لكتابتها بالصاد على مكتب إدارة الخزان، إلا أن يكون العمل في «الصوان» مرجحًا لهذا الحرف على الأسماع دون الألسنة؛ لأن أبناء النوبة من الشلال إلى الجنوب ينطقونها إلى الآن بنطقها التاريخي القديم، ولا يبدءونها بالهمزة التي تحتل أوائل الكلمات اغتصابًا، لتعذر النطق بالساكن في أوائل الكلمات العربية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.