قد ألقيت من غير شك، ولكن الذين ألقوها مشكوك فيهم، لا يُعْرَف أمرهم مع ما ينبغي من الوضوح والجلاء. وأظهر هذه الدروس مُتَّصِلٌ بالعلاقة بين رئيس الوزراء الرجل الطيب، والمندوب السامي الجديد. فقد وصل المندوب السامي الجديد إلى مصر، واستقبله الرجل الطيب في محطة القاهرة، ثم لم يره بعد ذلك حتى طار إلى لندرة. وتساءل الناس عن هذه العلاقة السلبية بين الرجل الطيب والمندوب الجديد، كيف كانت؟ ولمَ كانت؟ وكيف يمكن أن تدوم؟ وتحدث الناس بأن الرجل الطيب كان أول المتسائلين. ثم أذاعت الصحف أمس أن المندوب السامي بالنيابة زار الرجل الطيب بالأصالة، وكَلَّمَهُ في هذه العلاقة السلبية، وعرض عليه صورة من صور التقاليد فيما كان، وما يحب الإنجليز أن يكون بين المندوبين الساميين ورؤساء الوزارات. ونلاحظ بين قوسين أن المندوب السامي بالنيابة قد أسرف بعض الإسراف، وتجاوز الحدَّ على نحوٍ ما حين تحدث في التقاليد إلى الرجل الطيب، مع أن للتقاليد وزيرًا ينبغي أن تُسْتَقَى منه، وأن يتحدث إليه فيها المتحدثون؛ فنظن أن الذين يلقون على الناس دروسًا في التقاليد يجب أن يحافظوا هم قبل كل شيء على هذه التقاليد، ونظن أن المندوب السامي بالنيابة والمندوب السامي بالأصالة، لن يتحدثا في التقاليد منذ اليوم إلى الرجل الطيب أو إلى غير الرجل الطيب قبل أن يرجعا إلى وزير التقاليد ويستأذناه.

ولنقفل القوسين الآن ثم لنَعُدْ إلى مجرى الحديث، فالناس متفقون على أن درسًا قد أُلْقِيَ أمس حين لَقِيَ المندوب السامي بالنيابة رئيس وزارتنا الرجل الطيب، ولكنهم يختلفون فيمن أَلْقَى هذا الدرس: فقوم يزعمون أن الرجل الطيب هو الذي ألقى الدرس أمس على المندوب السامي، أو بعبارة أدق هو الذي ألقى الدرس على المندوب السامي بالأصالة، وعلى وزارة الخارجية البريطانية حين احتج على تقصير السير ميلز لمبسون في زيارته، وأن المندوب السامي بالنيابة إنما زاره أمس ليبلغه أن الإنجليز قد سمعوا هذا الدرس ووعوه، وأنهم معتذرون من تقصير مندوبهم السامي، وأنهم يطلبون إلى الرجل الطيب أن يعذره؛ لأنه حديث عهد بمصر قد هبط إليها بآداب الصين، وأنه قد كان يعلم أن للصلة بين رئيس الوزراء وبين المندوب السامي تقاليد، وكان يجهل أن الرجل الطيب فوق التقاليد؛ لأنه أقوى وأشد بأسًا وأحرص على كرامته من أن يذعن لهذه التقاليد.

وهؤلاء يزعمون أن الرجل الطيب قد رضي بعد تمنع، وصفح بعد إباء، وأخذ على المندوب السامي بالنيابة عهدًا ليبدأن المندوب السامي الأصيل بزيارته إذا عاد إلى مصر. وانتهى الأمر عند هذا الحد، وعُرِضَ الأمر على مجلس الوزراء فأقره، وقدر الرجل الطيب بلاءه الحسن وإباءه البديع.

وقوم آخرون يزعمون أن المندوب السامي بالنيابة هو الذي ألقى الدرس أمس؛ لأنه بَيَّنَ لرئيس وزارة التقاليد حقيقة التقاليد، ونبَّهَهُ إلى ما كان يجب أن يتنبه إليه من أن له صفتين مختلفتين، كوزير التقاليد بالضبط، فكما أن وزير التقاليد قد أعلن في مجلس الشيوخ أنه وزير المعارف من ناحية ورئيس الجامعة الأعلى من ناحية أخرى، وأنه بحكم هاتين الصفتين يأتي أعمالًا مختلفة متحدة، ويقدر أعماله تقديرًا متفقًا مفترقًا؛ فالرجل الطيب رئيس للوزراء ووزير للخارجية، فيجب عليه من حيث إنه وزير للخارجية أن يستقبل المندوب السامي في محطة القاهرة، ويجب عليه من حيث إنه رئيس للوزراء أن يزور المندوب السامي في داره، ثم يجوز له بعد ذلك أن ينتظر من المندوب السامي زيارته في مكتبه. وقد أدَّى الرجل الطيب أحد هذين الواجبين ثم اختلط عليه الأمر؛ فظن أنه أدى الواجبين جميعًا، وانتظر زيارة المندوب، فلم يظفر بها. وإذا كان الله قد مَنَّ على مصر بأن وزارتها القائمة وزارة تقاليد، فإن الوزارات الإنجليزية كلها وزارات تقاليد، وإذا كانت الوزارة المصرية لا تحب التفريط في تقاليدها، فإن الوزارات الإنجليزية أشد على تقاليدها حرصًا. وإذن، فهي لم ترضَ عن إهمال الرجل الطيب لما تقوم عليه صلات مصر مع المندوب السامي من التقاليد. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الرجل الطيب قد وعى هذا الدرس، ووعد بألا يعود إلى مثل ما أتى، وبأن يكون هو البادئ بالزيارة، حين يعود المندوب السامي إلى القاهرة، وأن ممثل الإنجليز رضي بعد تمنع وصَفَحَ بعد إباء، وأن الأمر قد عرض بعد ذلك على مجلس الوزراء؛ فأقره وأثنى على براعة الرجل الطيب وسعة حيلته، ومعرفته كيف يكون الخروج من المآزق، والتخلص من المشكلات. وقوم آخرون وأنا منهم يشكون في هذا كله، ولا ينكرون أن درسًا قد أُلْقِيَ، ولكنهم لا يعلمون مَنْ ألقى هذا الدرس، ومن تلقاه، ولا يقطعون بنتيجته، وإنما ينتظرون أن تتكشف عنها الأيام، ومَنْ يدري لعل الأيام أن تتكشف عمَّا لا يقدر الرجل الطيب وأنصاره من النتائج ذات البال. وقد يقال: إن معظم النار من مستصغر الشرر. وليس هذا الدرس الذي لا يُعْرَف من ألقاه ولا من تلقاه هو الأول من نوعه، فقد كان هناك درس آخر أُلْقِيَ بعد أن خطب قاضي القضاة، وزعمت الصحف أن وزير فرنسا المفوض هو الذي ألقاه على الرجل الطيب، ثم زعمت صحف أخرى أن وزير فرنسا المفوض هَمَّ بإلقائه، فأسكته الرجل الطيب إسكاتًا، وألقى عليه وعلى زملائه درسًا بليغًا، ثم جاء مكاتب «الديبا»، فكذَّب هذا تكذيبًا قاطعًا، وأكَّد أن وزير فرنسا المفوض قد ألقى على الوزارة المصرية درسًا في الذوق، وأن الرجل الطيب قد سمع الدرس ووعاه، ولم يرد عليه كما قيل.

وهناك دروس أخرى تَمَس سياستنا الداخلية، وهي تُلْقَى في كل يوم، وقد كثر إلقاؤها بنوع خاص منذ كان العيد، والناس يختلفون فيمَنْ يلقيها، ومَنْ يتلقاها. فقد أُلْقِيَ درس في المنصورة من غير شك، وقوم يقولون: إن رئيس الوفد هو الذي ألقاه؛ فعَلَّم به الوزارة أنها أضعف من أن تقاوم شعور الشعب، وأن الشعب أقوى من أن يستكين للرجل الطيب بعد أن أبى أن يستكين لصدقي باشا. وتقول الوزارة: إن وزير الداخلية هو الذي ألقى هذا الدرس على الوفد والوفديين؛ فعلمهم أن الشعب قد انصرف عنهم كل الانصراف، وأعرض عنهم كل الإعراض، وأن الخير في أن يلتمسوا لهم شعبًا آخر في بلد آخر يلتمسون منه الصبر والتأييد؛ فقد قطعت بينهم وبين مصر الأسباب. وأُلْقِيَتْ دروس خطيرة أمس في القليوبية، وفي شبرا، وعند جسر سرياقوس، وفي القناطر الخيرية، والناس يختلفون فيمن ألقاها وفيمن تلقاها: فالوفد يزعم، ويزعم معه نفر قليل جدًّا من المصريين قد يبلغون خمسة أو ستة، أنه هو الذي ألقى هذه الدروس، وعَلَّم الوزارة أنها مفلسة حقًّا، لا تستطيع أن تعيش ولا أن تبقى إلا إذا خالفت الدستور، وخرجت على القانون وأهدرت الحريات، واستخدمت قوتها المادية العنيفة؛ وهذا هو الإفلاس كل الإفلاس. ووزير الداخلية يزعم ومعه الشعب والاتحاد والليبرتيه — ومعنى ذلك أن معه مصر كلها وصحف مصر كلها — أنه هو الذي ألقى الدرس؛ فعَلَّمَ الوفد أن أمره قد انتهى، وأن عهده قد انقضى، وأنه ما دام في مصر جند؛ فلن يكون فيها وفد.

ودروس أخرى قد ألقاها وزير الداخلية من غير شك بإجماع الناس كافة، ولكنه لم يلقها على المصريين، وإنما ألقاها على الأجانب، وعلى الأجانب الذين يقع الخلاف السياسي في بلادهم بنوع خاص. فوزير الداخلية قد عَلَّم الفرنسيين مثلًا أن مهارتهم في قمع المظاهرات محدودة جدًّا، عندهم نهر السين يجري في باريس وتقوم عليه الجسور، وهم مع ذلك لم يفكروا في أن يرفعوا جسرًا من هذه الجسور، أو يقيموا عليه صفوفًا من السيارات؛ ليقطعوا الصلة بين أهل الشاطئين. وليس من شك في أن الفرنسيين المقيمين في مصر قد كتبوا تقاريرهم أمس، وأبرقوا بها إلى باريس؛ ليستفيد منها وزير الداخلية هناك في منع هذه المظاهرات التي لا تنقطع في مدينة النور.

ولا شك في أن برقيات الأهرام ستنبئنا غدًا أو بعد غدٍ، بأن الباريسيين قد رأوا جسورهم مرفوعة أو مسدودة لأول مرة منذ عهد بعيد. ولعل أبلغ هذه الدروس التي يلقيها المصريون على أنفسهم وعلى الناس في العالم كله منذ أيام، هذا الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد في شأن مشروع القرش؛ فطلابنا ليسوا شيئًا إلى جانب الطلاب الأجانب في الاشتغال بالسياسة، والطلاب الملكيون في فرنسا يؤرقون ليل وزير المعارف هناك، ولا تذكر طلاب الجامعات في النمسا وألمانيا وإسبانيا؛ فهم قد تجاوزوا في الاشتغال بالسياسة كلَّ حدٍّ، ولم يفتح الله على وزراء المعارف في تلك البلاد بمثل ما فتح به على وزير التقاليد وصاحب كتاب البيع من فصل الطلاب من الجامعات والمدارس. وليس من شك في أن قرار وزير التقاليد قد طُيِّرَ إليهم أمس بالبرق، وليس من شك في أنهم سيقلدون صاحب التقاليد، وأكبر الظن أنه سيصبح عضوًا في المجامع العلمية الأوروبية كلها مكافأة له على هذا الاختراع البديع.

فأما إقفال نادي الجامعة فدرس لا يشبهه درس، وستعجز أوروبا عن مكافأته، ولكنها لن تعجز عن استغلاله؛ فستُقْفَل أندية الجامعات في أوروبا منذ اليوم، وسيعود الطلاب إلى الصواب وسيعلمون كيف يسيطر الوزراء على قلوب الشباب وعقولهم.

أرأيت أن مصر هي مركز الحياة الجِدية في الأرض ومبعث النور المضيء للعالم كله؟! ولكن المصريين قوم لا يعجبهم ولا الصوم في رجب، فهم ما زالوا يسيئون الظن بأنفسهم، ويطلبون المزيد من الرقي، ولا يصدقون أنهم أساتذة العالم في جميع فروع الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.