باكتشاف العلم الحديث انفتح للإنسان باب للمعرفة لا عهد له به، ولا سبيل للإحاطة به إلا من خلال التخصُّصات العديدة المركَّزة، وبالتقدم التكنولوجي — نتيجةً لذلك — تهيأ للإنسان من أسباب القوة والتسلُّط ما لم يحلم به من قبلُ، وجاء التوفيق في المجالَيْن ثمرة للتعاون الفكري بين الأمم المعاصرة المتقدِّمة، بل ثمرة لمجهود بشري اشتركت فيه الإنسانية منذ وجودها الأول وسعيِها الخلَّاق في سبيل البقاء؛ لذلك اتسم العلم بطابع عالمي وانعقدت الآمال عليه من منطلق عالميته. غير أنه لأسباب قومية — تتعلق بالأمن حينًا، وبالاقتصاد حينًا آخر — ضُرِبَتْ على الكثير من مراكز بحوثه ومعامله أستار من السرية، حرمته في أحيان كثيرة من التعاون الفكري المثمر، والإفادة من إنجازات الآخرين، كما خصت الجهود المبذولة في كثير من ميادينه لابتكار الوسائل الجهنمية التي يكفي بعضها للقضاء على الحضارة وتدمير الوجود البشري من أساسه، هكذا نشأ تناقض خطير بين نشاط إنساني عالمي بطبعه، وبين أنانية القوميات ومصالحها، وهكذا تسلط الساسة الممثلون للمصالح العاجلة على العلماء المرشحين لقيادة البشرية نحو أهداف بعيدة سامية. وكأن العالم اليوم ينتظر ثورة من نوع جديد، ثورة العلماء على الساسة، ثورة القيم العلمية على القِيَم التجارية، ثورة تَهَبُ التحرير والحرية معنى جديدًا، وخلاصًا جديدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.