أخصُّ ما تمتاز به حياة الأحرار في البلاد الحرة التي لا يرهقها الظلم، ولا يفسد الطغيان عليها أمرها أنها مستقيمة، لا تحب العوج، واضحة لا تحب الغموض، صريحة لا تحب الرمز ولا الإيماء. وأظن أن المصريين إذا خلوا إلى أنفسهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، وأمنوا الرقباء والساعين بالنميمة والوشاية بينهم وبين السلطان؛ يعرفون في غير مشقة ولا جهد أن حياتهم العامة في هذه الأيام لا تمتاز بما تمتاز به حياة الأحرار من حب الاستقامة وبغض الالتواء لسياستهم، قد التوى بعضها على بعض، والتوت على أصحابها، والتوى أصحابها عليها كما التووا على أنفسهم، وكما التوى كل واحد منهم على نفسه؛ حتى أخذها الغموض من جميع أقطارها، وشملها اللبس من جميع نواحيها، وأصبح الحديث بها والحديث عنها والحديث فيها أشبه شيء بخطرفة المحمومين وهذيان النائمين، لا يدل إلَّا على اضطراب في التفكير واختلاط في المزاج وانحلال في الشعور. وأمرهم مع ذلك يسير لا عسر فيه؛ فهم يريدون — فيما يقولون — أن يبلغوا الاستقلال الذي يخلص ما بينهم وبين الأجانب عامة والإنجليز خاصة من شوائب التسلط مهما تكن، وهم قد رسموا الطريق التي تبلغهم هذا الاستقلال، وأزمعوا أن يسلكوها لا يحيدون عنها ولا ينحرفون عن جادتها. وهي أن يخاصموا المعتدين خصام السلم حتى يبلغوا منه ما يريدون، فإن لم يُجدِ عليهم خصام السلم شيئًا خاصموا خصام القطيعة والمجافاة، فإن لم يُجْدِ عليهم هذا الخصام شيئًا خاصموا خصام الجهاد الذي لا يعرف هوادة ولا فتورًا ولا لينًا. وهم قد صوَّروا هذا الاستقلال الذي يطلبونه في شيئين اثنين، أو قل في شيء واحد، هو جلاء الجنود البريطانيين عن أرض الوطن في مصر والسودان؛ ليخلص لهم أمرهم ولينظموا هذا الأمر بعد ذلك كما يحبون أن ينظموه. وهذا كله واضح بيِّن جلي لا يحتاج إلى ذكاء نادر ليمكن فهمه وتحقيقه في الأذهان. ولكن انظر إلى سيرة الساسة الذين تولوا الأمر منذ وضعت الحرب أوزارها، أو منذ كادت الحرب أن تضع أوزارها، فسترى أنهم ما زالوا بهذه الحقائق الواضحة البينة الجلية حتى عقَّدوها أشد التعقيد، وأسبغوا عليها من الغموض أستارًا كثافًا لا سبيل إلى النفوذ منها، فهم فرَّقوا بين الجلاء عن مصر ووحدة وادي النيل، حتى قال قائلهم، وقال معه قائل البريطانيين: إن من الممكن أن تحل عقدة الجلاء عن مصر غدًا أو بعد غدٍ، وأن تؤجل قضية السودان إلى وقت يقصر أو يطول. فقرروا بذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، وقرروا بذلك فيما بينهم وبين الإنجليز أن هناك قضيتين لا قضية واحدة. فأمَّا أولى القضيتين فهي قضية مصر وجلاء الجيش البريطاني عنها، وأمَّا ثانية القضيتين فهي قضية السودان، وما يمكن أن يكون بينه وبين مصر من صلة. وكذلك اعترف هؤلاء الساسة للإنجليز بأن الوادي منقسم إلى قسمين يمكن أن يفصل بينهما في المفاوضات، ويمكن أن يحل ما يتصل بأحدهما من المشكلات، وأن يعلق ما يتصل بأحدهما الآخر إلى وقت قريب أو بعيد. وإذا اعترف الساسة المصريون بهذا الانقسام، وبأن أحد القسمين يمكن أن يقدم على القسم الآخر، فأي بأسٍ على الإنجليز في أن يداوروا ويناوروا ويعبثوا بالمفاوضين عبثًا ليس له أول ولا آخر ولا قرار؟! أضف إلى هذا أن هؤلاء الساسة يطالبون بالاستقلال للشعب المصري أو لشعب وادي النيل، لا لأحزابهم ولا لأشخاصهم ولا لأنصارهم وأعوانهم، ولكن للشيء كله لا يستثنون منه أحدًا، ثم هم في الوقت نفسه يعمدون إلى الكثرة الكثيرة من هذا الشعب فيستأثرون من دونها بالأمر ويضعون إرادتها على الرف — كما يقال — ويلغون حريتها العامة والخاصة إلغاءً، ويعرضونها للهول كل الهول إن قالت أو فعلت غير ما يحبون! والإنجليز يرون هذا رأي العين ويشهدون مظاهره وآثاره في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. ويعلمون أن هذه الكثرة الكثيرة من الشعب ساخطة على حكَّامها أعظم السخط ضيقة بهم أشد الضيق منكرة لكل ما يقولون ويفعلون. فأي بأس على الإنجليز إذا عبثوا بالحكَّام؛ لأنهم لا يمثلون الشعب، ولا يظفرون بثقته وتأييده؟! وأي بأسٍ على الإنجليز إذا سخروا من الشعب؛ لأنه مُسْتَذلٌّ مُسْتَغَلٌّ، لا يملك من أمره شيئًا، ولا يدفع عن نفسه شرًّا، ولا يذود عن حريته حين تهدر، ولا عن كرامته حين يُعتدى عليها؟! فهؤلاء السادة قد بدءوا فقسموا الوادي إلى قسمين، وأتاحوا للإنجليز أن يعبثوا بأحد هذين القسمين وهو مصر، وأن يتحكموا في القسم الآخر وهو السودان. وقسَّموا الشعب المصري نفسه إلى قسمين: قلة مستأثرة، وكثرة مغلوبة على أمرها لا تملك منه شيئًا، وأتاحوا للإنجليز أن يعبثوا بأحد هذين القسمين وهو القلة، وأن يسخروا من أحدهما الآخر وهو الكثرة. فكيف تريد بعد ذلك أن يبلغ هؤلاء الساسة شيئًا مما يريدون أو مما زعموا أنهم يريدون؟!

أضف إلى هذا وذاك أن هؤلاء الساسة قد أعلنوا أنهم يريدون تحقيق وحدة الوادي واستنقاذ أعلاه من الإنجليز، والتخلص من هذا الحكم الثنائي، ولكنهم على ذلك لم يتجاوزوا القول إلى شيءٍ من العمل ولو قليل. فالإنجليز يبعدون المصريين عن القضاء الديني في السودان؛ فيقبل هؤلاء الساسة وإن أنكرت ألسنتهم. والإنجليز يتحكمون في المصريين الذين يقيمون في السودان؛ موظفين فيه أو زائرين له، فيقبل هؤلاء الساسة وقد يشفقون حتى من الإنكار بألسنتهم. والإنجليز يثبتون حكمهم وينطمونه ويهيئون له أسباب النمو والاستقرار؛ فيقبل هؤلاء الساسة وتنكر ألسنتهم في شيءٍ كثيرٍ من التحفظ والاحتياط، بل من الخوف والاستحياء. ثم يعمد الإنجليز آخر الأمر في هدوء المطمئن الواثق إلى تنظيم الحكم الإنجليزي في السودان، ويعرضون ما أعدوا لذلك من نظام على ساستنا ليقبلوه ويقروه باسم مصر، وهنالك يسقط في أيدي هؤلاء الساسة؛ يخافون أن يقبلوا فيضيع الحق المصري إلى غير رجعة، ويستقر في قلوب المصريين وفي صحف التاريخ أنهم هم الذين أضاعوه. ويخافون أن يرفضوا فيغضب الإنجليز، ويكون الاستمرار في خطتهم واستئثارهم بالسودان غير عابئين بهؤلاء الحكام، ولا حاسبين لهم حسابًا؛ لأن الشعب المصري نفسه لا يعبأ بهم، ولا يحسب لهم حسابًا، ولولا أن في أيديهم القوة المادية التي تمكِّنهم من البطش لما أقام لهم الشعب المصري وزنًا.

وكذلك أصبحت غايات المصريين وأهدافهم ووسائلهم معقدة ملتوية كأبشع ما يكون التعقيد والالتواء، مع أنها في نفسها مستقيمة يسيرة واضحة كأحسن ما تكون الاستقامة واليسر والوضوح!

قومٌ يريدون أن يُخَلِّصُوا مَنْ بوادي النيل من تسلط الإنجليز، وأن يتخذوا الخصام السلمي وسيلة إلى هذا الخلوص، فإن لم يُجْدِ عليهم قاطعوا وامتنعوا عن التعاون، فإن لم يُجدِ ذلك عليهم جاهدوا وضحَّوا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

فانظر إلى ما فعلت سياسة الساسة بهذه الغايات والوسائل، واقرأ ما يُكتب الآن، واسمع ما يُقال؛ فسترى — وقد رأيت — أن الأمر قد صار إلى خطرفة المحمومين وهذيان النائمين، لأن الساسة لم يسلكوا إلى غايتنا الواضحة طرقها الواضحة، وإنما سلكوا طرقًا معوجة ملتوية، فانتهوا بأنفسهم وبنا إلى هذا الحرج البغيض. وهم إنما سلكوا هذه الطرق المعوجة الملتوية؛ لأنهم لا يسوسوننا كما يسوس الأحرار شعبًا حرًّا يأمن إليهم ويأمنون إليه، وإنما يسوسوننا كما يسوس المتسلطون شعبًا مغلوبًا يشفق منهم ويشفقون منه. فهم أضعف من أن ينهضوا بالحق، وهم من أجل ذلك يعوجون ويلتوون ويفرون من الاستقامة والصراحة والوضوح؛ لأنها خصال لا تلائم إلَّا الأحرار الذين يسوسون شعبًا حرًّا.

وإذن، فما السبيل إلى الخروج من هذا الحرج؟! السبيل هي أن يكتفي حكَّامنا بما حكموا ويقنعوا بما قسم لهم من السلطان، ويريحوا ويستريحوا لعل الله أن يمنح هذا الشعب حكَّامًا يسوسونه سياسة الأحرار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.