ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا؛ لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا، والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم.

أكانت هي مصادفة سعيدة، أم عن اختيار موفق هذه الخطوةُ التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام.

وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يَلقى بعضهم بعضًا: هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف؟

لم يعرف الناس قط جماعة أُنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهذه الهيئة.

في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أُنشئت لتُقِرَّ السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرًّا ونكرًا وهولًا، ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لُعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوَّعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها، ولتؤمن الناس أفرادًا وجماعات من الخوف والفقر والجوع، وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم، وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق، والدعة التي لا يعرض لها الروع.

ولكن إنشاءها لم يكد يتم، وميثاقها لم يكَدْ يقع من الناس موقع الرضى؛ حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أماني تُداعب النفوس فتملأها رضى وابتهاجًا، ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابًا. ولا أريد أن أذكُر اليأس؛ لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغري بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال، كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة.

***

وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضًا. أكانت هيئة الأمم جماعةً من الدول تألَّفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدي عليه، وبدأ على القوي حتى يعطي النصفة، ويعدل عن البغي والعدوان والإثم. ولم يعرف الناس قط هيئة أُنشئِت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا، كهيئة الأمم المتحدة التي لم يَكَدْ إنشاؤها يتم حتى شبت الحرب في أطراف الأرض، فسُفكت الدماء بغير حساب وأُزهقت النفوس في غير اكتراث، ورُوِّعَ الآمنون، وأصبح الضعفاء نهبًا مباحًا للأقوياء. ويكفي أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يُؤذُون أحدًا ولا يتمنَّوْنَ إلا أن يكف عنهم الأذى، فشردوا في الأرض كل مُشَرَّد، واضطُرُّوا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة، غرباء في غير وطنهم، يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك، قد أُلغيت كرامتهم إلغاءً. وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تُؤبه له أو تُلقي إليه بالها.

***

ويكفي أن تذكر الهند الصينية وما صُبَّ عليها من هول وما أُرِيقَ فيها من الدماء أعوامًا متصلة، ولم ينسَ الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو ممَّا يُضحك، وشر المصائب ما يُضحك كما يقال.

وليس الناس في حاجة إلى أن يُذَكِّرَهُم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يُذَكِّرُ الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغي الباغين وعدوان المعتدين، وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئًا، ولا تستطيع أن تصنع شيئًا؛ حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكُّوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون، ويقول قائلهم إنها لم تُنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء، وإنما أُنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء.

***

وهي على ذلك لم تؤمِّن ضعيفًا ولا قويًّا؛ فالأقوياء أنفسهم قلِقون مروَّعون، قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدًا، فانقسموا إلى فريقين مختصمَيْن أشد الخصام وأنكَرَه، يريد كل واحد منهما أن يستأثِر بالبأس والقوة من دون صاحبه، ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه؛ فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتُظهر من التعاوُن والتضامُن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة، ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض. فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف؛ فالفرنسيون يشكُّون في الإنجليز والأمريكيين، والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين، والأمريكيون يشكون في أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير. وكذلك أُنشئِت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس، فلم تصنع ممَّا أُنشئت له شيئًا.

وما أكثر ما أنفقت الأمم في سبيل هذه الهيئة من أموالها، وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها، وما أقلَّ ما جنت من هذا كله؛ فهي الآن كما كانت تُشفق من الحرب العامة المدمرة التي تُقبل نُذُرها اليوم لتُدبر غدًا، وتُدبِرُ غدًا لتُقبل بعد غد. ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرِّقة في أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك.

فأما العدل الشامل الكامل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف فما زال أملًا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب.

وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبًا حقًّا، ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل، وباطنه الاحتفال بالخوف والجور، أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير. واليوم يحتفل المسلمون في أقطار الأرض بمولد آخر، ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلُّف لغير ما في القلوب، وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة، فلم تُقرع لمولده الطبول، ولم تُنفخ بمولده الأبواق، ولم تُرفع لمَقدَمه الأعلام، ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل، ولم تُداعب النفوسَ به أمنيةٌ من الأماني. وإنما وُلِدَ كما يولد الصبية، سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيمًا، قد مات أبوه قبل مولده، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المُرَّ وأحس اللوعة المحرقة، وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق؛ لأنه فقَد أمه ولما يُتِمَّ السابعة من عمره.

ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى، يكفله أقرب الناس إليه من عمومته، يُصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لإصباحه وإمسائه، ولا يسجل الناس غُدُوَّهُ ورواحه، ولا يغير الناس من حياتهم شيئًا لأنه فعل أو قال، ولا لأنه غدا أو راح، وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى، حياة ليست كلها يسرًا ولا سعة، ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق. ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قُوتِه كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها. وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشُده واستوفى قوته وأصبح رجلًا جلْدًا قادرًا على احتمال الجهد ولقاء المشقَّات والثبات للخطوب، دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها، ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أُتيح لهم أن يدبروا، واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء.

***

وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أي قوة، ومضاء أي مضاء، ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن، كرامًا تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم في الأمل، ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنًا ورضى وإيمانًا وثقة، ثم يُضطرون إلى الهجرة فرارًا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون، وإنما يُقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثِرون الهجرة بدينهم على القرار في أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير.

ثم تُنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يُشفقون منها، وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها، ويُنزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة في بعضها. ولا تمضي عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم، فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرَّقين فاجتمعوا، وكان بعضهم لبعض عدوًّا فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وكانوا يعيشون في جهالة جَهلاء فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء، فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونورًا، وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهُون أو يدسونهن في التراب مخافة العار، فأصبحوا رُحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقَّت بعد غلظة، وأصبحوا مؤمنين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، قد وثقوا بالله وحده لا شريك له، واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية، واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضى الله عنهم إلا إذا أقاموها على العدل الذي لا يمتاز فيه قوي من ضعيف، ولا غني من فقير ولا عربي من أعجمي، وإنما هو شيء يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف.

ولم تمضِ عشرون سنة أخرى، حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلَّم بعد جهل ولان بعد غلظة؛ أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها، وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور في جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام.

اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غيَّر حياة الناس وملأها عرفانًا بعد أن مُلئت نكرًا، وملأها رحمة بعد أن مُلئت قسوة، وملأها عدلًا بعد أن مُلئت جورًا.

والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير، وإنما أعانه على النهوض به مَن وجده يتيمًا فآواه وضالًّا فهداه وعائلًا فأغناه، ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور؛ فأدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تُخلق خلقًا جديدًا.

ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به في أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا؛ لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا، والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يُبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق؛ لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقُص بخروجه من حياته الدنيا، وإنما هي باقية دائمًا. ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مُصبحًا ومُمسيًا ويقظان ونائمًا ذِكْرُ هذا النبي الكريم، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير، ويعلمه ألَّا قوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعًا بحبل الله ولم يتفرقوا، وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا.

أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفَّق، هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأي، والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغي أن تتعرض له ممَّا يسوء أو يؤذي أو يشين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.