كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعْنَا له منذ أول القرن الماضي قد أثَّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرُق متباعدة، فتناقضَتْ وبايَنَ بعضها بعضًا. وكانت لنا عقولٌ متفاوتة، يَذْهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يَذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تُنْتِجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول يَتصور ويَحْكم ويفكر على أسلوب خاصٍّ به مقصورٍ عليه. ويَنْتِج من هذا أن وَحْدتنا القومية نفْسَها ضعيفة واهية، مُعَرَّضة للخطر إذا عَصَفَتْ بها الحوادث، وأصابَتْها فتنةٌ أو محنة من هذه التي لا تكاد تبرأ منها أمة من الأمم في عصر من العصور.

كنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقرِّبوا مسافة الخُلْف بين هذه العقول المتباعدة؛ حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصْبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.

وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم لأُتِمَّه وأستقصي القول فيه، فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء. فنحن نُنْفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر وأبْلَغه، لا في مستقبَلنا وحْدنا، بل فيه وفي مستقْبَل الشرق العربي الذي يتأثَّرُنا ويتخذنا له إمامًا.

نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي التام، وما أرى أنَّ عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظَفِرْنَا به.

والاستقلال السياسي تَبِعَة قبْل أن يكون مَزِيَّة، فهو يَفْرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق. وحسْبك أنه يَفْرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، نُدَبِّرها وحْدنا لا نعتمد في تدبيرها على أحد. ولا نستطيع أن نحمِّل غيرنا تَبِعَة الخطأ في هذا التدبير، وحسْبك أنه يَفْرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجْه ممكن، لا نعتمد في ذلك إلَّا على أنفسنا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه؛ لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنَّا نريد.

فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجِه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كان غيرنا ينوب عنَّا في مواجَهتها، ونعالِج كثيرًا من المسائل المعقَّدة، كان غيرُنا يكفينا مَشَقَّة البحث عمَّا تحتاج إليه مِنْ حَلٍّ أو علاجٍ. وكلُّ ما نأتيه من أَمْر في مواجَهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يَتْرك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة وفي حياة الأمم الشرقية العربية، التي تسير على آثارنا، وتحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.

فمِنْ أوْضَحِ الأمر إذَن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التَّبِعَات التي يَفْرِضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجدُّ فيه ونوشكُ أن نَظْفَرَ به. وأَوَّل عُدَّة يجب أن نتخذها لهذا إنما هي تكوين وَحْدَتنا القومية إذا لم تكن موجودة، وتقويتها إن كان فيها شيءٌ من الضَّعف أو الفتور. وأَوْضَح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وَضْع نظام تعليمي عامٍّ يلائم حاجِيَّاتنا ومُثُلَنا العليا من جهة، ويحقِّق لنا وَحدة الثقافة من جهة أخرى.

ونحن نُعْنَى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظَهَرَتْ حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأُتيحَ لنا من الحرية حظٌّ يُمَكِّننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب. ولكن الغريب أننا نحسُّ الحاجة إلى الإصلاح ونحاول السعي إليه في غير رَوِيَّة ولا أناة ولا تفكير، ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قِوام، نَشْعُر بأن الأجنبي قد أَشْرف على أمور التعليم عندما يوجِّهها وِجْهة تلائم مَنْفعته هو، أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجدُّ في هَدْم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نُفَرِّق بين الجيد منه والرديء. وربما حاوَلْنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فنزعم أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نَعْدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن ننصرف عن نظام إلى نظام، وأنَّ طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نُجَدِّد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المُسْرِفة في الغموض أو المُسْرِفة في الوضوح، والتي نقرأها كل يوم فيما يُنْشِئ الكُتَّاب من فصولٍ، وما يُصْدِر الوزراء من قرارات، وما يُلْقِي النُّوَّاب مِنْ خُطَب، وما يَضَعُ الفنِّيُّون من تقريرات.

والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقةً واضحةً تَسْلُكها إلى إصلاح التعليم؛ لأنها لم تستطع إلى الآن أن تَتَبَيَّن في وضوحٍ وجلاءٍ الغرَضَ الصحيح الذي مِنْ أَجْله توجد وزارة المعارف، والذي مِنْ أَجْله يتعلم الناس. وأكبر الظن أن وزارة المعارف تَشْعر بأنها موجودة؛ لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وبأن الناس يتعلمون؛ لأن العادة جَرَتْ بأنْ يتعلموا ليس غير. ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المُتَحَضِّرة؛ لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تُشْرِف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي بعد أن كانت تتْرُكه حُرًّا يَذْهب فيه الأفراد مَذَاهِبَهم المختلفة المتبايِنة.

فالتعليم إذَن أَمْر قويٌّ تُشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضَعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بَسْط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قَبْضه عنها، ولكنها تُشْرف عليه في كل حال، كما تُشرف على سلامة الوطن وأَمْنه واستقرار العدل فيه.

وإذا كان التعليم قوميًّا فيجب أن يكون له غَرَض قومي يُسْعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.

فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين نُنْشِئ المدارس، ونُقِيم المعاهد، ونَفْرِض لذلك الضرائب، ونُنْفِق في ذلك الأموال؟

ونلاحظ قبل أنْ نُجيب على هذا السؤال، أنَّ من الواجب أن هذه الألفاظ العامة المُبْهَمَة التي لا تَدُلُّ على شيء؛ لأنها تَدُلُّ على كل شيء: كالمنفعة والرقي والتقدم والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يَأْلَفُها الناس ويَكْلَفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة يسيرة على العقول، لا يحتاج مَنْ يَسْمَعُها أو يَنْطق بها إلى أن يُحَقِّق لها معنًى دقيقًا محدودًا. يجب أنْ نَجْتنب هذه الألفاظ أو نجتنب — على أَقَلِّ تقدير — استعمال هذه الألفاظ في غَيْر ضَبْط أو تحديد، فَلَمْ يُؤَخِّر فَوْزَنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلَّا الركون في مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.

يُخَيَّل إليَّ أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة تَحْرِص عليها الأمم حين تُنْشِئ المدارس وتقيم المعاهد وتفتح دُور العلم للناس. فالأمة تُعَلِّم أبناءها لتَنْقُل إلى هؤلاء الأبناء تراثَ آبائهم من جهة، والتراثَ العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تَنْقُل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة تَحْتَفِظ للأمة بشخصيتها ومقاوَمتها مِن حيث هي وَحدة مستقلة، وتُقَوِّي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتُمَكِّنها من أن تأخذ بحظِّها من التضامن الإنساني العامِّ الذي يَدْفع الإنسانية إلى أن تحيا وترقى، وتُصْلِح مِنْ أَمْرها إصلاحًا مضطردًا. فالغرض الأول إذَن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظَ بشخصية الأمة لتعيش مستقلة من ناحية، ومُتضامِنة مع غيرها من ناحية أخرى.

والأمة تُعَلِّم أبناءها لتُظْهِرهم على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فتمكِّنهم من أن يسيطروا على هذه الطبيعة ويسخِّروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مُتْرَفة، أو — على أَقَلِّ تقدير — عيشة تَكْفُل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والتعليم. فَهُم يَدْرُسون من العلم والأدب والفن ما يُتيح لهم أن يزاوِلُوا ضروب الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يَعْتَمد عليها الناس ليَكْسِبوا ما يحتاجون إليه مِنْ رزق.

والغرض الثاني مِنْ أغراض التعليم القوي: تمكين الأجيال الناشئة مِنْ أن يَصِلوا حياتَهم بحياة آبائهم، ويُرَقُّوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

والأمة تعلِّم أبناءها؛ لأن الله قد وَهَبَهُم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق وتلتمسه، ونفوسًا تُحِبُّ الجمال من حيث هو جمال وتطمح إليه. وقد أَوْدَع الله هذا العالَم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نُحِبَّهُما ونسمو إليهما، وعقولنا تَسْتكمل طبيعتها ونُمُوَّها بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح إلى الحياة ولا تُنْتِج إلا بذلك الحب وهذا السمو.

والغرض الثالث من أغراض التعليم القومي إنما هو تمكين الأجيال الناشئة من أنْ تَسْتَكْمِل حياتَها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظٍّ ممكن منهما.

ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نَوْع من أنواع التعليم القومي يلائمه ويُعِين على تحقيقه، وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يَصْلُح عضوًا منتِجًا قَيِّمًا في الحياة العامة للأمة وللإنسانية.

فالتعليم الْأَوَّلِيُّ يكوِّن أَقَلَّ مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن تشترك فيه الأمة كلها لتُحَقِّق وَحْدتها، والإنسانيةُ كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.

والتعليم الثانوي والفني يُتَمِّمان تحقيق هذا الغرض الأول، ويحقِّقان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكِّنان الشباب من العمل، ويَفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه؛ ليعيشوا عيشةَ خفض ونعيم.

والتعليم العالي يُتِمُّ تحقيق هذين الغرضين ويُحَقِّق الغرض الثالث؛ لأنه يمكِّن الشباب من أن يَرَوا الحق والخير، ويأخذوا منهما بما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.

على هذا النحو نَفْهَم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وَحْده نَفْهَم عناية الحكومات بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية مِنْ فَرْض الضرائب وشَرْع القوانين وتقييد حرية الأفراد والجماعات.

وإذا كان هذا النحو مِنْ فَهْم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة حين تُعْنَى به وتُشْرِف عليه يجب أن تضع من النُّظُم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويُعِين على تحقيقها. فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الْأَوَّلِيُّ الذي لا يعرِّف التلميذ تاريخ أُمَّتِه ومَنْزِلَتَها الصحيحة من الحياة العالية. وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكِّن التلميذ من العمل المُنْتِج، ولا يفتح له أبواب الحياة. وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حُبَّ البحث والاستكشاف، والرغبةَ الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.

وإذَن فليس وَضْع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يُمْكن أن يُعْهَد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أَمْرٌ دقيقٌ يجب أن يُعْهَد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة ويقدِّرون حاجتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبَيْن ما ينبغي أن يكون للأمة من مَثَل أعلى في الحياة. وما أَبْعد المسافة بين هذا النحو مِنْ تصوُّر التعليم القومي وبيْن هذه الخطط المضطربة التي اتَّخَذَهَا أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تعظيم التعليم.

وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع فأَبْسُط فيه القول مرة أخرى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.