تلقيت منذ يضعة أيام كُتيبًا في ثمانين صفحة اسمه «رواد الشعر الحديث في مصر» للأديب مختار الوكيل، وهو كاتب جديد ولعله شاعر أيضًا، وإن كنت لا أذكر أني قرأت له شعرًا، ولكن ذاكرتي خوَّانة فلا تعويل عليها، وهي — أي ذاكرتي — إن كانت تستحق هذه التسمية، تُعْنَى عناية موفقة بنسيان الأسماء، حتى ليكبر في وهمي أحيانًا أني سأنسى اسمي في يوم من الأيام. وعسى أن أفعل فأستريح من ضجته الفارغة وعن شغلي به، وأصارح القراء فأقول إني آخذ لذلك اليوم عُدَّتَه من الآن، وأفكر في اسم آخر أتسمَّى به وأُعرَف بين الناس، فما يكون للمرء وجود وحقيقة في هذه الدنيا بغير حروف يتألف منها اسم يطلق عليه، فما أهون حقيقتنا، وما يدريني، لعلي أوثر يومئذٍ أن يكون لي رقم أستغني به عن الأسماء، وأتميز كما يتميز السجناء في المحابس، وما دنيانا يا صاحبي إذا لم تكن سجنًا؟ ولا أكتم القُرَّاءَ أن أسفي سيكون عظيمًا إذا نسيت اسمي، فإن له في نفسي حلاوة، وفي الدنيا خير منه ألف مرة، ولكني لا أرضى بغيره — ما دمت ذاكره — ولو كان من أعظم الأسماء وأشهرها وأسهلها على اللسان وأعذبها في الآذان. ولا عجب فإن الاسم رمز الشخصية وعنوانها، وما من إنسان يقبل أن يستبدل بها سواها، ولو كانت شخصية أعظم من دبت أو تدب به قدم على هذه الأرض، ولا أدري لماذا. فيظهر أن في السريرة الإنسانية من الغرور أو التخبيل أو المغالطة — أو غير ذلك فما أعرف — ما يكفي لإرضاء المرء عن نفسه وتسميته.

وأعود إلى مختار الوكيل فأقول إني أَعني بقولي إنه كاتب جديد: أنه شاب. وقد جرى على الألسنة المألوفة في بلدنا، فبدأ بالنقد، وليته لم يفعل، فلن يكسبه هذا إلا الحزازات والبغضاء، وسيعلم بعد عشرين عامًا أني صادق، كما عرفت أنا بعد الأوان؛ فقد بدأت مثله بالنقد، وكانت غايتي أن أكون شاعرًا وناقدًا، فأما الشعر فأخفقت فيه، وأما النقد فانظر ماذا أفدت: الندم والحسرة، الندم على ما أسأت، والحسرة على ما ضيَّعت، ويا بؤس من يمشي وشرابه البؤس في بستان زقوم. ولو أني بدأت حياتي مرة أخرى من جديد لآثرت أن أكون بائع فجل وكُرَّاث ولا أكون ناقدًا، لا اتقاءً للعداوات، فما يستطيع الإنسان أن يتقيها ولو عاش في كهف، ومن ظن أنه ينجو منها فقد ظن حمقًا، بل لأن النقد الذي ضريت به جهل وسفاهة وتطاول ذميم وقلة حياء. ولماذا لا نحيا وندع غيرنا يحيا، ونعمل ونُفسح لسوانا أن يعمل؟ ومن ذا الذي يسعه أن يصنع خيرًا مما صنع ويُحجِم، وكيف يطالب المرء بأكثر ممَّا يدخل في طوقه، والنقد تطفيل، ثم إن الناقد يقيم من نفسه حكمًا ومرجعًا، ويفرض آراءه على الخلق، وينحل نفسه حقوق القراء جميعًا في وزن ما يقرءون، وهذا كله من الغرور والدعوى والتطاول، عفا الله عَنَّا.

ومن كرهي للنقد أكره الآن أن أتلقى كتبًا فيه؛ لأنها توقِظُ في نفسي الشر الذي أنمت شيطانه، وكنت أظن لجهلي أني قتلته، فإذا به ينهض وقد استجم من طول الرقاد، ويستولي عليَّ، ويزوي عيني عن الخير، ويدير رأسي؛ فأنقلب كالمجنون في يده سيف، ثم أفيق فتأخذ عيني الأشلاء المتناثرة؛ فيتقطع قلبي حسرة، وأثور بنفسي؛ فأوسعها ذمًّا ولعنًا، وأنذرها أني بعد اليوم مُلْجِمُها بلجام من النار، ولكن طباع السوء أغلب، فليُعْفِنِي الكُتَّاب، فإني شرير، ولا يهيجوا أبالستي الكامنة، وليدعوني.

وما أعالج من نفسي وأروضها عليه وأصرفها إليه لعلِّي أتطهر، وما أظنهم يحبون لي أن أظل عمري امرَأَ سَوْءٍ، والنفس تكره أن تضطر إلى الاعتراف بخطيئاتها، وتُثْقِلُ عليها دواعي الندم، فإذا كثر ذلك وطال تكراره، فَتَرَ الإحساس بالذنوب، وخَفَتَ صوت الضمير، وتبلد الشعور، وصارت مقارفة السوء عادة. لهذا لم أقرأ من كتاب «رواد الشعر الحديث في مصر» إلا فصلًا واحدًا كتبه عن الأستاذ عبد الرحمن شكري، وقد عرف القراء حكايتي معه، وكيف كُنَّا صديقين حميمين، ثم وقعت الجفوة، وحلَّت النَّبْوَة، وتعادينا، وأساء كلٌّ منا إلى صاحبه، ومضى خير عمرينا في قطيعة سخيفة. ولست أعلم كيف كان بعدي، وما أظن به إلا أنه بخير، وما أعرف لي رجاء أو دعاء حين أذكره إلا أن يمسح الله على قلبه وينسيه ما كان مني، فما ندمت على شيء في حياتي كندمي على ما فرط مني في حقه؛ ذلك أني أحبه وأكبره، ولا أستطيع أن أجحد فضله عليَّ، نعم كُنَّا زميلين في مدرسة، ولكنه كان ناضجًا وكنت فجًّا، وكان أديبًا شاعرًا واسع الاطلاع.

وكنت جاهلًا ضعيف التحصيل قليل العقل، فتناول يدي وشد عليها. وأبت له مروءته أن يتركني ضالًّا حائرًا أُنْفِقُ العمر سُدًى، وأبعثر في العبث ما لعله كامن في نفسي من الاستعداد، وكنت أقرأ ابن الفارض والبهاء زهير، فأقرأني شعر الحماسة، والشريف الرضي، والبحتري، والمعرِّي، وابن المعتز، وأبي نواس وغيرهم، وكانت مطالعاتي في الإنجليزية مقصورة على أمثال «ماري كوريللي» ومن نسيت غيرها من أضرابها، ففتح عيني على شكسبير، وبيرون، ووردز ورث، وشيللي، وبيزنز، وملتون، وكولردج، وهازلت، وكارليل، ولي هنت، وماكولي، وجوتا، وشللي، وهينة، ورختر، ولسبخ، وموليير، وراسين، وروسو، ومئات غيرهم من أعلام الأدب الغربي، وصرفني عن المُقَلِّدِين في أدب كل أمة، وأغراني بأصحاب المواهب والابتكار، وصحح لي المقاييس، وأقام الموازين الدقيقة، وفتح عيني على الدنيا وما فيها، وكنت عميًّا لا أنظر، وإذا نظرت لا أرى، وكان لفرط أدبه يتوخَّى معي سلوك الند، ولا يتعالَى تعالي الأستاذ على التلميذ، وكنت فقيرًا فكان يعيرني الكتب أو يهبنيها، وكنت غبيًّا فكان يشرح ويفسر على نحو لا يجعلني أبدو لنفسي صغيرًا، ولما نفخني وأعداني قلت الشعر، وكان يصونني عن العبث ويزجرني عن التقليد، ولا يرضى لي الضعيف. وأذكر أني مرة نظمت أبياتًا في العتاب أو الغزل وبعثت بها إليه، فردها بكتاب قال فيه إنها لا تليق برجولتي، فشق عليَّ ذلك وأجبته جوابًا مُرًّا، فأغضى، ومرت أيام وهدأت نفسي وراجعت الأبيات فلم أَرَ فيها غير ما رأى فمزقتها، وتوخيت بعد ذلك أن أجنب ذلك الضعيف الذي نهرني عنه، ووجه بعض الشعراء أبياتًا إليَّ نشرها في «الجريدة» وكان يجري فيها على الأسلوب القديم؛ أي على التقليد، فأجبته بأبيات من طرازها ذهبت فيها مذهبه إيثارًا لمجاملته، وكراهة مني لأن يقال عجز عن المجاراة، فقرأها شكري وكتب إليَّ ينكر عليَّ هذه النكسة، وينصح لي إذا دُعِيتُ مرة أخرى إلى ما يردني إلى التقليد ويغريني به، أن أعتذر بطول الطريق وبُعد الشقة.

ولو أردت أن أتقصى لما فرغت؛ فأنا مدين له بكل ما أعان على ما صرت إليه، أقول ذلك مباهيًا شاكرًا فضل الله علي أن لم يضيعني، وأن كتب لي نعمة الاتصال بشكري. وإني لأرجع البصر في حياتي وأتساءل ماذا عساي كنت أكون لولاه؟ فلا أجد عندي لهذا جوابًا، وأدير عيني في نفسي وأبحث عن نزعة لم يكن هو غارس بذرتها — إذ لم يكن هو الموحي بها — فلا أهتدي، ومن طول ما عرفته، وفرط ما ملأت نفسي به، صرت على البعد والقطيعة أيستطيع أن أستوحيه، فكأنَّا ما تباعدنا ولا تجافينا، ولقد تنمرت له وغدرت به، ولكني واللهِ ما كرهته قط، ولا انطوت له نفسي في أحلك ساعات النقمة إلا على الحب والإكبار، أقول هذا ولا رجاء لي عنده، ولا أمل لي فيه، ولا خوف بي منه، فما يملك لي نفعًا أو ضرًّا، وإني لأسطى منه وأجرأ على الحياة، وأقوى عزمًا وأعظم جلدًا، وقد بنيت على المغامرة وحب الخطار والفرح بالمجازفة، فلو سكنت الدنيا حولي لذبلت ومُت، وإنه ليستوي عندي الجِدَّةُ والفاقة، والنجاح والفشل، والخطأ والإصابة، والحياة والموت، وقد هان كل شيء حتى ما أحفل شيئًا، أو أبالي كيف أكون، أو أتحسر على شيء فات، أو أتطلع إلى ما هو آتٍ، إنما هي رياضة نفسي على ما أُحِبُّ لها من حالات النظر والإحساس، ومن نوع التلقي لما تجيء به الأيام، وأضأل فوز في هذا المسعى أجلُّ عندي، وأشرح لصدري، وأندى على كبدي، فلولا الرزق والعيال لاستغنيت عن الناس، فما يفرحني ما يفرحهم، أو يسوءني ما يسوءهم؛ لأن همي غير همهم، وآمالهم ومساعيهم خلاف آمالي ومساعيَّ، وهم يدبون على الأرض، وأنا أحاول أن أحلق فوق الحياة لو أن إلى هذا سبيلًا، وهم ينظرون إلى اللحظات التي تكون، وتمضي عليهم، ثم تمضي بهم، وأنا أعالج أن أنظر بعين الزمن، ومن كان هذا وُكدَه؛ ففيم يعادي وعلام يخاصم؟

وقد سرني أن يكتب مختار الوكيل عن شكري وأن يحاول في هذا الفصل إنصافه، ولا أعرف ماذا صنع في بقية الفصول؛ فقد وقفت عند شكري، على أنه لا يعنيني ماذا كتب غير ذلك؛ فإن مثل العقاد لا يحتاج أن ينصفه ناقد ولا يضيره ألَّا يفعل، ومطران ينعم بكل ما ينعم به الشاعر الموفَّق، وبعض ذلك أن تلهج بذكره الألسنة، ولا قيمة للمدح أو الذم بعد ذلك، وأبو شادي مشهور والأقلام مشغولة به، وشكري وحده هو المظلوم المغمور، ولا نكران أنه هو الذي حجب نفسه عن العيون، وطوى آثاره، وكف عن نشرها، وأصر على ذلك سبعة عشر عامًا، حتى نسيه الناس، ولكن من كان له مثل فضله ومزاياه يجب إكراهه على الظهور رضي أم سخط، وإنزاله منزلته ولو ثار وقذف الناس بالبراكين، وما أظنه يكون حينئذٍ إلا قرير العين، فما يكره أحد أن ينال حظه الذي يستحقه في دنياه وإن غالط نفسه وأوهمها غير ذلك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.