ثَمَّةَ نباتات كثيرة تسلَّلت إلى حياتنا، لكنَّ قليلًا منها فعل ذلك ببراعة قَرْع الكالاباش. فعلى مدار أكثر من عشرة آلاف سنة، استخدم الناس الكالاباش (الذي يُعرَف أيضًا بقرع الزجاجة أو قرع التزيين، والاسم العلمي له «لاجيناريا سيسراريا») استخدامات شتَّى. فتناولوه على سبيل الطعام، واستخدموه كعوامة لصنارة السمك، وكجسر عائم للأطواف النهرية، وككئوس للشراب، وكقصبة للغليون. واستخدمه الناس في جميع أنحاء العالم في عزف الموسيقى.

فتيات نيجيريات يحملن قَرْع الكالاباش.
فتيات نيجيريات يحملن قَرْع الكالاباش.

وإليكم جولة موسيقية مكوكية للكالاباش حول العالم:

رافي شانكر يعزف السيتار — الجيتار الكلاسيكي الهندي الذي يُنحَت من الكالاباش — في مهرجان مونتيري لموسيقى البوب عام ١٩٦٧.

نانا فاسكونسيلوس يعزف البريمباو — الآلة الموسيقية البرازيلية التي يمثِّل الكالاباش مرنانها — في روما عام ١٩٨٣.

توماني دياباتيه من مالي يعزف الكورا.

وفي الصين، ها هو كريسنت داي يعزف الهولوسي (ويتحدث عنه)، والذي يُعرَف أيضًا باسم فلوت قرع الزجاجة.

الكالاباش نبات مدَجَّن (مطوَّع لاستخدام الإنسان) يعتمد علينا لبقائه، مثله مثل القمح أو اللوز. وأقرب سلالة برية له تنمو في أفريقيا. عندما دجَّن الإنسان القَرع لاستخدامه استنبت قشرة خشنة خفيفة الوزن تعمِّر لسنوات، إلا أنَّ اكتشاف المسار الذي سلكه القرع في تحوُّله من نبات برِّي إلى أداة مطوَّعة لاستخدام الإنسان كان أمرًا مستعصيًا.

وجد علماء الآثار قطعًا من الكالاباش عمرها ١١ ألف سنة في شرق آسيا. وفي العالم الجديد استخدم الناس الكالاباش منذ ١٠ آلاف سنة على الأقل.

وفي عام ٢٠٠٥ عزل فريق من العلماء بعض الحمض النووي المأخوذ من نباتات كالاباش أثرية في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، ووجدوا أنها تشبه نباتات الكالاباش الآسيوية أكثر مما تشبه الأفريقية. وبما أنَّ سكان العالم الجديد أتَوْا في الأصل من آسيا مجتازين جسر بيرينج البري، فقد اقترح العلماء أن يكونوا قد جلبوا الكالاباش معهم.

إلا أنَّ تلك الفكرة بها مشكلة: فلو كان الآسيويون قد جلبوا الكالاباش إلى ألاسكا، لكانوا اضطُروا إلى زراعته في الطريق. ولكن موسم الزراعة القصير في القطب الشمالي كان سيجعل تربية نبات استوائي أمرًا مستحيلًا. وإضافةً إلى ذلك، فالأشخاص الذين استوطنوا سيبيريا وألاسكا لا يستخدمون أي نباتات كأوعية، وإنما يستخدمون خامات مستمدة من الحيوانات مثل الجلود.

ربما كانت الدراسة التي أُجريت في عام ٢٠٠٥ لم تتمتع بالدقة الكافية للوقوف على الصورة الحقيقية لتاريخ الكالاباش؛ فالعلماء لم ينظروا إلا إلى بضع واسمات جينية؛ قطع دقيقة من الحمض النووي في مواضع محددة من جينات نباتات مختلفة. ويجوز أن تكون تلك الواسمات تغيَّرت بسرعة فائقة للغاية على مدى آلاف السنين، لدرجة أن نباتات الكالاباش التي تربطها قرابة بعيدة طوَّرت تسلسلات مشابهة.

قرَّر فريق بحثي بقيادة لوجان كيستلر بجامعة ولاية بنسلفانيا أن يحاول مرة أخرى مع الكالاباش، فجمعوا بيانات أكثر بكثير تلك المرة؛ إذ جمعوا ثمرات قرع حيَّة من القارات كافة وكذلك من جزر المحيط الهادي، وحلَّلوا تسع مجموعات من البقايا الأثرية. وعوضًا عن البحث عن حفنة من الواسمات الجينية، حدَّدوا تسلسل ٨٦ ألف زوج قاعدي من الحمض النووي الموجود في صانعة الكلوروفيل، وهي الهياكل المولِّدة للضوء التي تورِّثها إناث النباتات إلى ذريتها. وبمقارنة الحمض النووي للنباتات تمكَّنوا من تتبُّع فروع شجرة العائلة التي تنتمي إليها.

وإليك الشجرة! يمثِّل المحور الأفقي مقياسًا زمنيًّا، يمتدُّ من ٢٥٠ ألف سنة ماضية إلى يومنا هذا. الأرقام على العُقَد تمثِّل قياسات إحصائية لاحتمالية دقة الأشجار. فالفروع التي تحمل رقم ١ تتمتَّع بأعلى سند إحصائي ممكن. والأسماء الحمراء تشير إلى أنواع القرع التي عُثِر عليها في مواقع أثرية في العالم الجديد.

كما ترَوْن، تنتمي سلالة قرع أفريقية برية إلى أعمق فرع، ثم تتفرَّع الشجرة إلى سلالتين رئيسيتين: إحداهما تتضمن سلالات مدجَّنة من القرع الأفريقي، والأخرى تتضمن سلالات آسيوية. ينتمي الكالاباش الأثري وكذلك الكالاباش الحيُّ الذي زُرِع في العالم الجديد إلى الفرع الأفريقي من الشجرة. فإذا كان الكالاباش قد ارتحل إلى القطب الشمالي، فلنا أن نتوقَّع شجرة عائلة مختلفة تمامًا، تظهر فيها صلة قرابة بين نباتات العالم الجديد والنباتات الآسيوية. لكن تلك الشجرة تصعِّب علينا قبول تلك الرحلة.

ما يزيد الأمر سوءًا هو طول عمر سلالات العالم الجديد. فقد جمع كيستلر وزملاؤه الطفرات التي ظهرت في كل فرع بغية تقدير وقت انفصالها من سلف مشترك. فكان كالاباش العالم الجديد مشتركًا في السلف مع الكالاباش الأفريقي من ٦٠ ألفًا إلى ١٠٣ آلاف سنة. وهذا أقدم بكثير من وقت وصول الناس إلى العالم الجديد منذ نحو ١٥ ألف سنة. فأيًّا كانت الطريقة التي وصل بها الكالاباش العالم الجديد في الأصل، فهو لم يصل محمولًا على الأعناق.

يذهب كيستلر وزملاؤه إلى أنه كان ثَمَّةَ رحلة مختلفة، أو بالأحرى رحلتان مختلفتان للبشر والنباتات. فمنذ نحو ٨٠ ألف عام، لم ينمُ الكالاباش البرِّي إلا في أفريقيا. وأحيانًا كان البحر يجرف بذوره. تشير النماذج الحاسوبية لتيارات المحيط الأطلنطي إلى أنَّ وصول بذور الكالاباش البري إلى العالم الجديد ربما استغرق بضعة أشهر فقط. ثم نَمَت البذور عابرة المحيط في موطنها الجديد. وفي حين أنَّ ألاسكا ما كانت لتصلح لزراعة القَرع، كانت أماكن مثل فلوريدا والمكسيك والبرازيل مثالية لزراعته.

على الأرجح كانت أفريقيا أول مكان يطوِّع فيه الإنسان القرع لاستخدامه. فربما صادفت الجماعات البشرية المختلفة سلالات برية مختلفة من النباتات، وانتقت القرع ذا القشرة الأكثر صلابة لاستخدامه كأوعية. يصعب معرفة متى حدث ذلك؛ فأقدم دليل أثري على وجود القرع في أفريقيا عمره أقل من ٥ آلاف عام، لكن ربما كان ثَمَّةَ بقايا أخرى من الكالاباش لم تُكتَشَف بعد.

قد تغرينا دراسة فرع آسياتيكا من شجرة الكالاباش. فجميع أنواع القرع التي تنمو في آسيا وأوروبا والمحيط الهادي تشترك في سلفها مع سلالة مدجَّنة من القرع في إثيوبيا كانت موجودة من ٦٠ ألف سنة. يتزامن ذلك تقريبًا مع توسع الإنسان الحديث من شرق أفريقيا إلى بقية العالم القديم. نعلم أنه بحلول ذلك الوقت كان الإنسان يستخدم بيض النعام أوعيةً. وهو لم يحمل النعام معه إلى خارج أفريقيا. فهل أخذ الكالاباش أيضًا؟ هذا جائز، لكن يجوز أيضًا أن يكون ثَمَّةَ قريب برِّي للكالاباش الإثيوبي قد انتشر عبر الماء إلى سواحل الشرق الأدنى أو جنوب آسيا، وهناك بدأ الناس يطوِّعونه لاستخدامهم.

الأمر الواضح هو أنَّ الناس حملوا الكالاباش مسافة طويلة، واضعين إياه في قوارب الكانوي أثناء إبحارهم إلى جزر المحيط الهادي. لكن ليس ثَمَّةَ أدلة على أنَّ الناس الذين ارتحلوا عبر جسر بيرينج البري كانوا يحملون الكالاباش معهم. بل إنَّ الأدلة تشير إلى أنَّ أحفادهم صادفوا في النهاية أنواعًا برية من الكالاباش كانت نامية على طول الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وهي سليلة البذور التي جرفها المحيط الأطلنطي عندما كان أسلاف سكان العالم الجديد يعيشون في أفريقيا منذ ما يربو على ٤٠ ألف سنة. ومثلما فعل الناس في مناطق أخرى من العالم عندما اكتشفوا الكالاباش البرِّي، بدأت شعوب العالم الجديد في استخدام تلك النباتات.

يستحيل عمليًّا العثور على كالاباش برِّي حاليًّا، سواءٌ في العالم الجديد أو في أفريقيا. قد يكون البشر هم السبب في ذلك؛ ففي البداية يُرَجَّح أن تكون النباتات قد طوَّرت ثمرات قرع كبيرة لحماية بذورها من المفترسات الصغيرة مثل الطيور والقوارض. فلم يكن بإمكان حيوانٍ التغذِّي عليها سوى الثدييات الكبيرة فقط مثل حيوان الكسلان الأرضي. وعلى غرار عدد من النباتات الأخرى، ربما يكون الكالاباش كيَّف بذوره على تحمُّل رحلة في أمعاء أحد الثدييات الكبيرة؛ ومن ثَمَّ كان يمكن لتلك الثدييات أن تنشر بذور النبات في فضلاتها، فتحافظ على وجوده في نطاق واسع.

كثير من تلك الحيوانات العملاقة انقرض الآن. وفي حين أنَّ انتهاء العصر الجليدي ربما ساهم في فنائها، فمن الممكن أيضًا أن يكون الصيادون البشر ساهموا في إزالتها من الوجود. وبعد أن فقد الكالاباش البرِّي شركاءه من الحيوانات ربما بدأ يذوي. ولكن في الوقت نفسه عُني البشر ببضع سلالات من الكالاباش تحمل السمات التي يُعْلُون قدرها؛ وبذلك دفعت عملية التطور الكالاباش ليكون على حالته المعمرة المميزة له.

لطالما أثار انتصار الكالاباش إعجاب العلماء؛ فمن بين السلالات المدجَّنة لم يَفُقْهُ في الانتشار سوى الكلاب. إلا أن رحلة الكالاباش حول العالم كانت في الواقع رحلتين عظيمتين؛ إحداهما قام بها الإنسان برًّا والأخرى قام بها النبات بحرًا.

Planet Calabash by Carl Zimmer. The Loom. February 10, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.