وكذلك أصبح الاحتلال البريطاني لأرض مصر تاريخًا يقصُّه المؤرخون في الكتب، ويتحدث عنه المتحدثون بالأفعال الماضية لا بالأفعال التي تصوِّر الحاضر أو المستقبل، وأصبحت أرض مصر خالصة لأهلها من دون الناس، يُلِمُّ بها الأجنبي ضيفًا فيُقيم فيها على الرحب والسعة ما عَرَفَ لقوانينها حقها من الرعاية والاحترام، لا غاصبًا يبسط سلطانه على شئونها الداخلية والخارجية، لا يستمدُّ هذا السلطان من الحق وإنما يستمده من القوة.

أجل، ومن قبل ذلك أصبحت المَلَكيَّة تاريخًا يُروى في الكتب، ويتحدث الناس عنه كما يتحدثون عن الاحتلال البريطاني بالأفعال الماضية لا بأفعال الحاضر والمستقبل، وأصبح الحكم في مصر خالصًا لأهلها، لا يشاركهم فيه أجنبي أقبل من الشرق أو وفد من الغرب، وإنما يستأثرون به ويختارون له من أبناء مصر من يرون فيه الكفاية للنهوض بأعبائه الثقال. هذا كله حق يتحدث به المصريون حين يلقى بعضهم بعضًا، ويفكرون فيه حين يخلُون إلى أنفسهم، وما أسرع ما يألفونه ويطمئنُّون إليه ويرونه ملائمًا لطبائع الأشياء! وأي غرابة في أن تخلص أرض الوطن لأبناء الوطن! وأي غرابة في أن ينهض بالحكم بين المواطنين أقدرهم على احتمال أثقاله وتوجيهه إلى ما يحقِّق مصالحهم ويُرضي طموحهم إلى الحرية والكرامة والعدل، والأمن من أن يعدو أقوياؤهم على ضعفائهم، والأمن كذلك من أن يعدو الأجنبي على حدود الوطن فيعرضها للخطر. لا غرابة في شيء من هذا، وإنما الغرابة كل الغرابة فيما كانت مصر تخضع له من احتلال الأجنبي لأرضها واستئثار الأجنبي بملكها.

والناس يألفون الاستمتاع بالحق؛ لأنهم فُطروا على حب الحق والعدل وعلى بغض الجور والظلم والعدوان. ولكن الأجانب في خارج مصر لا يألفون هذا كما نألفه، ولا يطمئنون إليه في يسر كما نطمئن نحن إليه؛ لأنهم عرفوا مصر منذ عهد بعيد ضعيفة لا تقدر على شيء، قانعة لا تطمح إلى شيء، متواضعة لا تفكر في عظائم الأمور ولا تسمو إلى جلائل الأعمال؛ فهم ينظرون الآن إلى مصر التي تخلَّصت من الملكية ومن الاحتلال في أعوام قليلة نظرةً لا تخلو من دهش، ويتحدثون عنها حديث المعجَب بها أحيانًا وحديث المشفق منها أحيانًا أخرى، ولا يكادون يصدِّقون أن مصر التي عرفوها طيِّعة مسمحة قد أصبحت الآن عصيَّة أبيَّة تستطع أن تقول لا، وأن تقولها في عزة وإباء لدول كان يكفي أن تشير إليها من بعيد لتجيبها في تواضع وخضوع: نعم.

لا يكادون يصدقون ذلك، ولكنهم يرونه رأي العين فتؤمن به عقولهم وتنكره قلوبهم بين حين وحين، وتشيع في نفوسهم الريبة بهذا البلد الذي حرَّر نفسه في حياته الداخلية والخارجية جميعًا. ثم لم يكتف بذلك ولم يقنع بما أُتيح له من حرية واستقلال، ولكنه يريد أن يكون دائمًا نصيرًا للشعوب المغلوبة، مناديًا بحقها في أن تظفر بمثل ما ظفر به من الحرية والاستقلال، ويريد أن يكون دائمًا خصمًا عنيدًا للاستعمار حيثما كان.

فهو يدافع عن استقلال مراكش وتونس، ويطالب بالحرية لأهل الجزائر، ويحقق الاستقلال للسودان، ويُظْهِر نصرَه وتأييده لأهل قبرص، ويعطف على كل مغلوب، وينتصر لكل مظلوم في أي قطر من أقطار الأرض. ثم لا يقنع بذلك، ولكنه يتخذ الحيدة بين الديمقراطية الغربية والشيوعية الشرقية سياسة له يؤثرها ويذود عنها، ويريد أن ينشرها في أقطار الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ فينكر الأحلاف العسكرية، ويكره أن تصل إلى البلاد العربية، ويقاومها إن وصلت إلى هذه البلاد، ويؤلِّب أنصار الحياد في الشرق والغرب ليُجمِعوا أمرهم ويوحِّدوا رأيهم ويدافعوا عن السلام ويكونوا هذه القوة الثالثة التي تريد أن تحول بين العالم وبين التردِّي في هوة الحرب التي تنتهي به إلى البوار والانهيار.

كل هذا تفعله مصر التي لم تظفر بحريتها كاملة إلا منذ أعوام تُحصى على أصابع اليد الواحدة، وتفعله جادَّة غير هازلة وصارمة غير مؤثرة في سياستها هوادةً ولا لينًا.

ينظر الغربيُّون إلى هذا كله في كثير من الدهش وفي كثير من الحذر والارتياب، ويتحدثون بذلك في غير تردد ولا استخفاء، يرونه جديرًا بأن يُثير في نفوسهم الخوف من أن تعود مصر سيرتها الأولى، فتحاول إنشاء إمبراطورية من هذه الإمبراطوريات التي أنشأتها غير مرة في تاريخها الطويل المجيد في عصر الفراعنة، وفي العصر اليوناني، وفي عصورها الإسلامية، وفي أول تاريخها الحديث حين بدأت نهضتها في أول القرن الماضي. وقد حدثني بذلك كاتب فرنسي معروف، هو الأستاذ جاك مادولي حين لقيته في مؤتمر فلورنسا، حدثني بذلك حديث الجادِّ الذي لا يشك ولا يتردد فيما يقول. وقد أجبته متضاحكًا بأن عصر الإمبراطوريات قد انقضى، وبأن الذين يقاومون الاستعمار ليس من طبيعتهم أن يستعمروا، وبأن الحياة الحديثة لا تسمح بإنشاء الإمبراطوريات وإنما تدعو إلى انهيارها، وذكرته بانهيار الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية. ولكنه ذكر لي ما أبرمته مصر من أحلاف مع بعض البلاد العربية، فنبَّهته إلى أن مصر لم تُبرم إلا أحلافًا دفاعية، وسألته عن الحلف الأطلنطي: لمن ينشئ إمبراطورية؟ أينشئها لأمريكا صاحبة الكلمة العليا فيه؟ وإذن فقد ضاع استقلال الدول الأوروبية التي اشتركت في هذا الحلف، وقبلت أن ترابط الجيوش الأجنبية في بلادها! وقال مُحدِّثي: ربما استطعت إقناعي أنا بأن مصر لا تحاول أن تنشئ إمبراطورية، ولكنك لن تجد السبيل إلى إقناع الفرنسيين الكثيرين الذين يؤمنون بذلك ولا يشكون فيه.

وقد وصلت إلى فرنسا منذ أيام، ولقيت بعض الفرنسيين الذين أعرفهم من الأساتذة ورجال الثقافة، فعلمت أن الأستاذ جاك مادولي لم يكن مسرفًا فيما حدثني به حين التقينا في فلورنسا، وعلمت أن كثيرًا من الفرنسيين يؤمنون حقًّا بأن مصر تحاول أن تنشئ إمبراطورية مصرية، ومنهم من يظن — كما ظن وزير الدفاع الفرنسي منذ حين — أن مصر تحاول أن تبسط نفوذها في شمال أفريقيا، وأن تخلف فرنسا نفسها على نحو ما في هذا القسم الخطير من العالم العربي.

وواضح أن هذا السخف لم يرعني، ولمَ يروعني؟ فأنا أعلم الناس بما تحاوله مصر وبما يمكن أن تطمح إليه، ولكن هناك شيئين آخرين ليسا أقل من هذا الأمر وضوحًا: أحدهما يدعو إلى الرضى والاغتباط ومن حقه أن يشعر المصريين بأن وطنهم ليس خاملًا ولا خامدًا، ليس خاملًا؛ لأن الناس يتحدَّثون عنه في كل مكان من الأرض، وليس خامدًا؛ لأن الناس لا يتحدثون عنه إلا لأن نشاطهم هو الذي يفرض عليهم هذا الحديث. فالوطن المصري إذن ليس — كما يظن كثيرٌ من المصريين الذين لا يلاحظون تطوُّر الحياة وتتابع الأحداث واختلاف الخطوب — وطنًا ضعيفًا متواضعًا متضائلًا. ولكنه على عكس ذلك، وطن قوي طموح إلى الاستزادة من القوة، وهو كذلك وطن نشيط طموح إلى الاستزادة من النشاط، ومن حقه أن يُشعِر أبناءه بأن عليهم أن يكبروا في أنفسهم، وأن ينظروا في أمل وثقة إلى أمام، وأن يستقبلوا الأيام مطمئنِّين إلى أنها ستكون خيرًا ألف مرة ومرة من أيام مضت.

وهذا كله يفرض عليهم أن يكونوا أكْفَاء لوطنهم، أن يأخذوا أمرهم بالجد لا بالتهاون، ولا بهذا الهزل المؤلم الذي يشيع في طبقات كثيرة من الشباب، وأن يُقيموا حياتهم على العمل المنتج من جهة، وعلى العلم الذي يذكيهم ويقويهم ويجعلهم قادرين على النهوض بالأعباء الثقال التي تفرضها حياة الأوطان القوية النابهة.

هذا أحد الأمرين؛ والأمر الآخر يدعو إلى الحذر والاحتياط، ويفرض على وزارة الخارجية ووزارة الإرشاد عندنا وعلى الصحافة والإذاعة في مصر، واجبات لعلها لم تفكر فيها إلى الآن. فليس من الحق بحال من الأحوال أن مصر تحاول إنشاء إمبراطورية، وليس بحق بحال من الأحوال أن رئيس الجمهورية المصرية طموح على ذلك النحو الذي عرفه المغامرون الذين حاولوا إنشاء الإمبراطوريات فانتهى أمرهم إلى ما يصوره التاريخ من الكوارث والخطوب. وإذا امتاز رئيس الجمهورية المصرية بخصلة، فإنما يتميز بأنه واقعي حذر شديد الاحتياط لا يكره شيئًا كما يكره المغامرة، ولا يُبغِض شيئًا كما يبغض التكثُّر والفخر الذي لا ينتهي بصاحبه إلى شيء.

وإذن فليس من المصلحة أن يشيع فينا هذا الشك ونحن غافلون، ولا أن يُظَنَّ بنا المغامرة ونحن أبعد الناس عن المغامرة، ولا أن يُقال عنا إننا نريد أن نبسط سلطاننا خارج الحدود المصرية ونحن لا نريد ذلك ولا نفكِّر فيه.

وإذن فليس بد من أن تنبِّه سفارتُنا في الخارج إلى هذا الخطر ومن أن تقاومه، وليس بد من أن توجه دعايتنا في الخارج إلى مقاومة هذا الشر الذي يضرنا ولا يُغني عنا شيئًا، وليس بد لصحافتنا وإذاعتنا من أن تفقه هذا الأمر حق فقهه ومن أن تؤثر القصد والاعتدال فيما تكتب وفيما تُذِيع. فنحن في أول طريقنا إلى التمكين لاستقلالنا في وطننا، وليس من الخير بحال من الأحوال أن يسوء الظن بنا ويشيع الشك فينا، ولن يكلِّفنا القصد والاعتدال مشقة ولا جهدًا، بل ليس هناك شك في أنهما سيعودان علينا بأعظم النفع وأبقاه في أخلاقنا وسيرتنا وسياستنا جميعًا. وأي شيء أنفع وأبقى من أن نتجنَّب هذه الألفاظ الجوف التي تضحك منا أكثر مما تدعو إلى الرضى عنا والإعجاب بنا، وأي شيء أنفع وأبقى من أن نتجنب هذه الجعجعة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا؟! ولعلها أن تخدعهم عن أنفسهم وتغريهم بأن يجهلوا أقدارهم، وقد تعوَّد رئيس الجمهورية المصرية منذ وقت بعيد قبل أن يلي شيئًا من أمور الحكم أن يردد جملة تصوره أصدق تصوير وأقواه؛ وهي أنه لن يخدع ولن يضلل ولن يقول للناس إلا الحق عن نفسه وعن أنفسهم، وهو قد أعاد هذه الجملة نفسها بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية، فلم لا نتخذ هذه الخطة التي رسمها لنفسه خطة عامة في كل ما نكتب أو نقول في السياسة المصرية، وقديمًا قيل: خير الأمور أوساطها.

فالإسراف في التواضع يغري بنا، والإسراف في الغرور يضحك منا، والقصد وحده هو الذي يكبرنا في نفوس الناس. ولنذكر دائمًا قول أبي الطيب:

ومن جهلت نفسه قدرها

رأى غيره فيه ما لا يرى

وبعد هذا كله، فأين نحن من عهد كنا فيه ضعافًا متواضعين، يعتقد العالم كله أنا نضعف من أن نقدر على شيء أو نسمو على شيء. فإذا نحن الآن لم نتجاوز أول الطريق في حياتنا الحرة المستقلة، وإذا الناس يظنون بنا أننا طلاب إمبراطورية نريد أن ننشر سلطاننا على أقطار الأرض. أما أنا فما زلت أذكر يومًا حاولت أن أعود فيه إلى مصر بعد أن أتممت الدرس في باريس، فلم تُتح لي هذه العودة إلا بعد أن ترددت شهرًا كاملًا على القنصلية البريطانية ألتمس الإذن بالأوبة إلى أرض الوطن، فأين الثريا وأين الثرى؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.