تروق لي كثيرًا تلك الدراسات التي تتناول الحيل المختلفة التي يلجأ لها الأدباء في أعمالهم — دون تعمُّد غالبًا — أي إنها تكشف لنا عمَّا يتم داخل المطبخ بالضبط، وهي دراسات لا تكفي لتقديم عمل جيد لمن لا يملك موهبة السرد طبعًا، لكن فَهْمَها مفيد وضروري. آثرتُ اليوم أن أترجم لك هذا الموضوع مستعينًا بعددٍ من المصادر، وإن كانت موسوعة ويكيبيديا أهمها لأنها جمعت الحِيَل في مكانٍ واحد.

ما نتكلم عنه اليوم يقع تحت عنوان كبير اسمه «منحنيات السرد». ولسوف تكتشف أن معظم الأدباء يستعملون هذه التقنيات بالسليقة. من ضمن هذه المنحنيات يمكننا أن نقابل:

(١) النهاية غير المتوقَّعة: علَّمتنا موضة الروايات والأفلام الأخيرة أن الناس تحب النهايات غير المتوقَّعة جدًّا. وهذا قد يؤدي لتفسيرات مفتعَلة لا يستسيغها العقل بسهولة. المُخرج الأمريكي والمؤلف ذو الأصل الهندي «م. نايت شيامالان» قدَّم لنا منحنى نهايةٍ مذهلًا في فيلم الحاسة السادسة «البطل شبح ميت وهو لا يعرف»، وهكذا وجد شيامالان نفسه حبيس المفاجآت في نهاية كل فيلم له؛ لأن الناس صاروا يتوقعونها منه دائمًا، وبعض مفاجآته لا يمكن ابتلاعه مثل سيناريو «الحادث Happening» و«القرية Village». المشكلة أن الناس لا يطيقون كذلك أن يقدِّم شيامالان فيلمًا بلا منحنى نهاية. لقد وقع الرجل في شِباك نجاحه السابق ولم يعُد قادرًا على الفرار.

(٢) الاكتشاف: هنا يكتشف البطل فجأة حقيقةً عن نفسه أو عن الآخرين تُغيِّر كل شيء. المثال الأفضل هو أوديب عندما يكتشف أنه قتل أباه وأن زوجته هي في الحقيقة أمه. هذا يهدم كل شيء، ويعاقِب البطل نفسه بأن يفقأ عينيه بدبابيس الشعر. نموذج الحاسة السادسة Sixth sense ممتاز كذلك. في حفلة التيس قصة ماريو بورخاس يوسا، نعرف متأخرًا جدًّا أن الفتاة التي تروي لنا معظم الأحداث قد اغتصبها الدكتاتور قبل اغتياله، أو بعبارة أخرى حاول وفشل لكنَّه دمَّر حياتها. كانت في الرابعة عشرة من عمرها وقتها؛ لذا صار هو الرجل الوحيد في حياتها بطريقةٍ غريبةٍ نوعًا.

(٣) الراوي الذي لا يُوثق فيه: نحن نفترض تلقائيًّا أن الراويَ هو الحقيقة مجردة وأن ما يحكيه هو ما حدث فعلًا. هناك الراوي المحدود والراوي كلي العلم omniscient، لكننا في جميع الأحوال نمنحه ثقتنا كاملة. ماذا لو اكتشفنا أن هذا الراويَ لم يقُل كل الحقيقة أو لم يقُل الحقيقة أصلًا؟ أشهر مثال هنا هو رواية «مصرع روجر أكرويد» لأجاثا كريستي. الراوي الذي قضينا القصة معه هو القاتل، وقد أخفى فقراتٍ معينةً هي التي قام بالقتل فيها. مثلًا هو يدخل القصر في العاشرة ويخبرك بشكل عابر أنه غادره في العاشرة والنصف، ولا نعرف ما فعله في نصف الساعة هذا … في نهاية القصة تعرف! هناك نموذج شهير في سيناريو فيلم «راشومون» تحفة العبقري الياباني أكيرا كوروساوا الذي يجعلنا في حيرة بالغة. لا نعرف أبدًا ما حدث فعلًا لأن كل الإجابات معقولة. وهكذا دخل مصطلح «تأثير راشومون» إلى الأدب العالمي وإلى قاموس أكسفورد ليدل على حيرة الشخص إزاء عدة شهادات كلها تبدو صادقة. هذا يجعل المرء قلِقًا بصدد كتب التاريخ وشهادات شهود العِيان كلها. من الرواة غير الموثوق فيهم الراوي المجنون كما نكتشف ذلك في النهاية … تذكر «نادي القتال» وهو المثال الأقوى هنا. لم يكن هناك تايلر دوردن منذ البداية.

(٤) التحوُّل: تغيُّر واضح في قدر البطل وحظه … وهو تغير مبرَّر نجد جذوره في الأحداث وشخصية البطل. مقتل أجاممنون نموذج جيد لهذا في الميثولوجيا الإغريقية. هذا يختلف تمامًا عن …

(٥) الإله من الآلة Deus ex machine: هنا يأتي التحول لكن بشكلٍ غير منطقي ومفاجئ. في بعض المسرحيات الإغريقية كان الصراع يتعقد ويتشعب فلا يجد المؤلف طريقة لفكه، هنا تظهر آلة رافعة تحمل سلة فيها إله … أعني طبعًا أنه ممثل يفترض أنه إله، وبسرعة البرق يُصدر الإله تعليماته لكل شخصيات الرواية أن تصطلح مع بعضها. هذا خطأ شائع في الأفلام العربية عندما يتوب الشرير فجأة بلا مبرر، ويعترف باكيًا بأنه هو من سرق «النيجاتيف» ليُطَلِّق البطلة من زوجها. بعض الكُتاب يسمونها تقنية «المظلة تحت مقعد الطائرة»، حيث الطائرة تسقط فيكتشف البطل فجأة أن هناك مظلةً يثب بها. الإفاقة من الحُلم في نهاية الرواية نموذج آخر لهذا المنحنى. تذكر نهاية فيلم «محامي الشيطان».

(٦) العدالة الشعرية: المجرم يَلقى عقابه بنفس الطريقة التي أعدها للأبرياء.

(٧) مسدس تشيكوف: البعض يطلق عليها «الغرس أو الإرهاص». نعرف في بداية المسرحية أن البطل يُخفي مسدسًا في الدرج … هذا لأنه سوف يستعمله في الفصل الثالث. يعود هذا لما قاله تشيكوف: إنه لخطأ فادح أن تضع المسدس ثم لا تستعمله طيلة المسرحية، وخطأ آخر أن يُخرج البطل مسدسًا من الدرج فجأة بلا تمهيد. في ثلاثية نجيب محفوظ عرَفنا أن الطفلة وُلدت بخللٍ في قلبها … بعد مئات الصفحات ماتت الفتاة الشابة بسبب هذا الخلل، وهذا يصدمنا بقوة. الحقيقة هي أن نجيب محفوظ تصرَّف بشكل عادل لكننا نسِينا فالخطأ خطؤنا. تكرر هذا الأسلوب كثيرًا في سيناريو فيلم «العلامات Signs» لشيامالان.

(٨) الرنجة الحمراء red herring: الرنجة التي يُلقونها في طريق كلاب الصيد فتشمُّ رائحتها وتتجه لها ناسيةً الفريسة الأصلية. هذه تقنية شائعة في القصص البوليسية حيث تتجه كل أصابع الاتهام للشخص الخطأ …

(٩) في وسط الأحداث In medias res: أنت تعرف أن كل القصص تبدأ بالتأسيس ثم التطوُّر والذروة ثم الحل، أو بداية ووسط ونهاية حسب التكوين الثلاثي الأرسطوطاليسي. في هذا المنحنى نبدأ القصة من مشهد الذروة ثم نعود بفلاش باك لنتعرف على الشخصيات. كم مرة قرأت فيها هذا الأسلوب؟ بداية قصة نادي القتال تصف مشهد تدمير البناية وتايلر دوردن يهدد البطل بالمسدس ثم تبدأ الرواية فنعرف من هو من … في النهاية نعود لذات المشهد.

(١٠) السرد غير الخطِّي: صارت هذه موضة في معظم الروايات والأفلام. الأحداث لا تدور حسب ترتيبها الزمني. إن فيلم «خيال رخيص Pulp fiction» هو المثال الأوضح هنا. نرى القصة أ وفي الخلفية بصيصٌ من القصة ب. ثم نرى القصة ب فنعرف كيف حدثت وكيف ظهر أبطالها في خلفية أبطال القصة أ. وفي الوقت ذاته نرى أطرافًا من القصة ج التي ننتقل لها بعد ذلك.

(١١) السرد المقلوب: القصة تبدأ من نهايتها، ومع الوقت نعرف كيف وصل الأبطال للوضع الذي بدأنا به. هناك فيلم رائع اسمه «تذكار Memento» لا بد من مشاهدته بالعكس لتفهمه. ثَمَّةَ فيلم فرنسي معقد هو Irréversible يلعب بهذه الطريقة بشدة، وإن كنت تشعر أنهم افتعلوا هذا ليبدوَ عميقًا.

أقدم لك هنا مجموعة من النهايات غير المتوقَّعة التي اشتُهرت في السينما العالمية، كما قدمتْها مجلة إمباير البريطانية، وأعتقد أنك رأيتها جميعًا، كما أرجو ألا أُفسِد عليك قصة ما لم تَرَهُ بعدُ:

  • إنه يلفق القصة كلها، وقد يكون هو نفسه كايزار سوسي … فيلم Usual suspects.
  • إنه هو نفسه شرير خارق! … فيلم Unbreakable.
  • هذا مجرد حُلم يشغل عقل البطل، بينما هو مُجمَّد … فيلم Vanilla sky.
  • البطل هو نفسه العذراء التي ستُقدَّم قربانًا! … فيلم The wicker man.
  • البطل نفسه شبح … فيلم Sixth sense.
  • هناك ماسك ثلج تحت الفراش! … فيلم Basic instinct.
  • ربما هو روبوت وربما لا … فيلم Blade runner.
  • جون هو أبو حفيدته! … فيلم China town.
  • برعم الوردة اسم زحافة ثلج … فيلم Citizen Kane.
  • الممثلان هما نفس الرجل في الحقيقة! … فيلم Fight club.
  • إنه أبو لوك في الحقيقة … فيلم Starwars (The empire strikes back).
  • هي مجرد لعبة لجعْل حياة مايكل دوجلاس مسلية … فيلم The game.
  • الصندوق يحوي موادَّ مشعة … فيلم Kiss me deadly.
  • القاتل هو هُم جميعًا! … فيلم Murder on the orient express.
  • إنه هو الجاسوس الروسي نفسه … فيلم No way out.
  • إنه يتنكر كأمه ليقتل … فيلم Psycho.
  • الصندوق فيه رأسها! … فيلم Se7en.
  • سكيت وماتيو هما الفاعلان … فيلم Scream.
  • المفتش دوبلر هو نفسه مايكل كين … فيلم Sleuth.
  • الرجل الثالث كان هاري لايم … فيلم The third man.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    حازم سويلم ·٧ سبتمبر ٢٠١٤، ١٤:٤٤ م

    أكثر نهايات أدهشتنى: فيلم seven و fight club و sixth sense