هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أنْ تحميهم بالقانون، بعد أنْ يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكُتَّاب الأدب والتاريخ أنْ يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون.

والحق أنَّ أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلًا أشد الأشكال، غامضًا أشد الغموض، مثيرًا لضروب من الشك لا تحصى، وألوان من الريب لا تستقصى، فما نظن أنَّ الوزارة تريد أنْ تحظر على الكُتَّاب والمؤرخين ذكرى الموتى على أي حال من الأحوال، وإنما هي تريد أنْ تحظر — فيما يظهر — نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.

وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكُتَّاب فيهم يسوء أو لا يرضي؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتًا يخرج من القبر ليقاضي حيًّا فيما كتب عنه أو قال فيه، أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أنْ نعلم كيف يستطيع الأحياء أنْ ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه، فيقولوا: إنَّ من شأن هذا الحكم أنْ يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أنْ يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أنْ يمسهم بالأذى.

هذا نوع من التحكم، ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.

فقد أكتب فصلًا عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئًا إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل، ومن الممكن أنْ يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسنًا، ومن الممكن أنْ يكون رضاه عنه موفورًا، فمن يدري؟ لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة، وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى، فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه ويحاربون أصحابه وهم أحياء قد أصبحوا يرضون الحق، ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت.

وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت، الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولأستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري؟ لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير؛ ويحبب إليهم المعروف، ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء، فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أنْ تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه، ولعلهم يثورون به، ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله، فيُروِّعوا الوزراء في النهار، ويُسلِّطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل.

والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد، وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين، ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أنْ تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء، أو إلى غيره من زملائه، أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقدًا قد نقده فأذاه، أو بأن مؤرخًا قد وصفه فآلمه، أو بأنه في حاجة إلى أنْ ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد، فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟

وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت وهم أيقاظ أو هم نائمون، إلى الذين يحسنون تلاوة الرُّقَى، وقراءة العزائم، وتعبير الأحلام؛ ليتبينوا في غير شك أنَّ الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟

إنَّ رئيس الوزارة ومشيريه — فيما نعلم — قوم لهم حظ من ثقافة، ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جدًّا، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما، ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تُعلِّم أصحابها أنَّ الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها، وأصبحت أعماله وسيرته ملكًا للتاريخ يقضي فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو، ونظن أنَّ وزراءنا والذين يشيرون عليهم قد عرفوا شيئًا من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام، فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكتابة المشهورة چورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئًا من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ؛ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها، فرفعت أمره إلى القضاء، وردها القضاء خائبة؛ لأن چورج ساند ليست ملكًا لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ.

أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أنَّ الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبئون بما قد يكون، ويريدون أنْ يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد بعد أنْ ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط، وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث، وإغراق في الإيمان بالنفس، وفي الثقة بالسلطان.

على أنَّ الإنسان الذي لا يستطيع أنْ يحمي نفسه حيًّا من بعوضة تؤذيه، لا يستطيع أنْ يحمي نفسه ميتًا من نقد النقاد وتاريخ المؤرخين.

ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أنَّ هذا النحو من التفكير والتقدير، ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور، وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل، إلا أنْ يكون عظيمًا قد سار فيهم سيرة حسنة، وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضًا؟

ثم ما بال الذين يريدون أنْ يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أنْ يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضًا، وأن يشرعوا قانونًا يحظرون فيه على الأحياء أنْ يذكروا الأموات كتابة، أو لفظًا، أو تصويرًا، أو إشارة، أو تفكيرًا بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشًا من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا، أو كتبوا، أو صوروا، أو أشاروا، وجيوشًا من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا، أو تدبروا، أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟

وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب؛ وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله، فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أنْ كل ما يروى في مصر من الأنباء مُوكَّل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه؛ لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق، وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يُفرض في مصر بقانون.

ما أجدر الوزراء أنْ يفكروا! وما أجدر الذين يزينون للوزراء أنْ يفكروا! فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أنْ يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.

ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أنْ يُمثِّل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر — رضي الله عنهم جميعًا: يا بني، إنَّ الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.

فليذكر الذين يُشَرِّعون هذا القانون أنَّ الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.