هي محنة خطيرة إلى أقصى غايات الخطورة، نستطيع أن نتحدث عنها فنكثر الحديث، وأن نفكر فيها فنطيل التفكير، دون أن نصوِّر آثارها المنكرة في الحياة كما ينبغي أن نصوِّرها، فإذا أردنا أن نَصِف لها الدواء وأن نَرُدَّ شرها عن مصر، فقد نحتاج إلى أشياء أخرى أبعد أثرًا من الكلام الكثير والتفكير الطويل، والحزن الذي يمزق القلوب ألمًا، ويفرق النفوس أسفًا وجزعًا! فهي لا تمس مصر في أموالها كما تمسها الأزمات الاقتصادية حين تجتاح الأموال، ولا تمس مصر في نفوس أبنائها كما تمسها أزمات الوباء حين تزهق النفوس وتضرب أطناب الموت في كل مكان، وإنما تمس مصر في قلوب أبنائها وعقولهم، وفي نفوسهم وضمائرهم، وفي شعورهم وعواطفهم؛ لأنها تجتاح أخلاقهم اجتياحًا، وتفسد طبائعهم إفسادًا.

وأخلاق الأمم أعز عليها من الأموال التي تُجتَاح؛ لأن مال الله غادٍ ورائح، يصبح الإنسان غنيًّا ويمسي فقيرًا كما كان القدماء يقولون … فإذا أضاعت مصر بعض أموالها اليوم — وليس من المصلحة أن نضيعها — فقد تستطيع غدًا تكسب مكانها أموالًا أخرى، وأخلاق الشعوب أعز عليها من النفوس التي تُزهق والدماء التي تُراق، فما دامت في الأمم حياة فالأجيال تخلق الأجيال، والأحياء يعزون عن الأموات، والموت ملم بالشعوب كلها في كل يوم من أيام الأسبوع، وفي كل ساعة من ساعات اليوم يكثر الموتى حين يلم الوباء، أو حين تلم الحرب، ويقلُّون حين ينجلي الوباء، وحين تضع الحرب أوزارها، وتجد الأمم بعد ذلك من حياتها وقوتها وأملها ما يعزيها عما فقدت من المال، ومَنْ فقدت من الناس، ولكنها لا تستطيع أن تجد ما يعزيها عن الأخلاق إذا فسدت، ولا عن القلوب إذا أشعرت خيانة وغدرًا، وامتلأت كيدًا ومكرًا، وشاع فيها الرياء والنفاق … وهذا بالضبط هو الذي يُمتحَن به شبابنا البائسون في هذه الأيام الشداد السود!

وربما كان في حياتنا المعاصرة ما هو شر من هذه المحنة وأعظم منها نكرًا، وهو أننا نرى المحنة ونصبر عليها، وأننا نرى المحنة ونطمئن إليها، وأننا نرى المحنة ونعنيها على أن تزداد انتشارًا، وتأكل قلوب الشباب وضمائرهم كما تأكل النار الحطب!

كان يُقال لنا إن أجيال الكبار قدوة لأجيال الصغار، إن الأجيال الناشئة لا تتأثر بشيء كما تتأثر بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة، ولا تفسد لشيء كما تفسد للقدوة السيئة والأسوة القبيحة. وكان يقال لنا إن الأساتذة يعلمون تلاميذهم بما يعرضون عليهم من سيرتهم أكثر مما يعلمونهم بما يلقون عليهم من ضروب العلم. وكان يقال لنا إن الذين يعظون الناس ويؤدبونهم خليقون أن يعظوهم بالسيرة والقدوة، أكثر مما يعظونهم بالخطب المطولة والألفاظ المنمقة، والكلام الذي يصل إلى الآذان ولكنه لا يتجاوزها إلى القلوب.

كان هذا كله يقال لنا، وما زال هذا كله يقال لنا، ولكن أرجو من كل قارئ أن يتحدث إلى نفسه إذا خلا إليها، وأن يتحدث إلى الشباب المتعلمين إذا خلا إليهم عن هذه المُثُل الصالحة التي تعرض أمام الأجيال الناشئة ليعجبوا بها وليحبوها، ثم ليرغبوا فيها وليطلبوها؛ فأنا واثق بأن الحديث سيملأ قلبه روعًا وجزعًا، وحزنًا وهلعًا!

فالجيل الناشئ ينظر فلا يرى قدوة صالحة، ولا أسوة صالحة، ولا مثلًا تثير في القلوب حبًّا وإعجابًا، وتدفع النفوس إلى السمو والطموح، وإنما يرى نقائض هذه الأشياء كلها، ويراها بشعة كأشنع ما تكون البشاعة، منكرة كأقبح ما يكون النكر!

واسمع إلى الشباب وهم يتحدثون حين يخلو بعضهم إلى بعض عما يأخذون به أساتذتهم ومعلميهم من ألوان النقد وضروب العيب، وفنون السخرية والاستهزاء، وقد كدت أُمْلي فنون الانتقاص والازدراء.

فقد كنا نعبث بأساتذتنا حين كنا صغارًا، وقد كان التلاميذ يعبثون بنا حين كنا أساتذة، ولكن هذا العبث لم يكن يتجاوز بعض المظاهر التي تثير الابتسام وتغري بالضحك أحيانًا، فأما الآن فاستمع للطلاب وهم يذكرون أساتذتهم حين يختصمون ويتنافسون، وحين يسعى بعضهم بعض إلى الرؤساء، وحين يكيد بعضهم لبعض عند السلطان، وحين يلقى بعضهم بعضًا بوجوه هاشة باشة، وثغور باسمة، وألفاظ عذبة، وتحيات حارة، ثم لا يكادون يفترقون حتى يقول بعضهم في بعض شر ما يقول الناس في الناس، لا يستترون بذلك ولا يتحفظون فيه، ولا يتحرجون من أن يقولوا ذلك أمام الطلاب والتلاميذ أو من أن يقولوا ذلك للطلاب والتلاميذ!

فهؤلاء الطلاب والتلاميذ بين اثنتين: إما أن يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم وإذا هم يسيرون سيرتهم ويذهبون مذهبهم في الحياة، وإما ألا يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم، وإذا هم يلتمسون مُثُلَهم العليا عند غيرهم من الناس، أو لا يلتمسونها عند أحد! وهم على كل حال لا يؤمنون بأساتذتهم ولا يحفلون بما يرون منهم إذا عملوا، وما يسمعون منهم إذا قالوا!

وإذا فَقَدَ الطلاب والتلاميذ الثقةَ بالأساتذة والمعلمين فلا تنتظر منهم خيرًا لا في سِيرَتهم حين يسيرون، ولا في تعلمهم حين يتعلمون! لا تنتظر خيرًا من قلوبهم ولا من عقولهم، فإن ثقة الشباب بالشيوخ هي الأساس الأول والأخير لاستقامة حياة الأمم والشعوب!

وقد قلت إننا نُمتَحن بشرٍّ من هذا الفساد العظيم، وهو أننا نراه ونغضي عنه، بل نراه ونمعن فيه؛ فالأساتذة والمعلمون يعرفون ذلك من أنفسهم، ومن طلابهم، ومن تلاميذهم، ثم لا يغيرونه ولا يحاولون له تغييرًا … والآباء يسمعون ذلك من أبنائهم فلا يزيدون على أن يحوقلوا ويُصبِّروا أنفسهم على المكروه … والسلطان يعرف ذلك فلا يحاول له تغييرًا، وإنما يُعِين عليه ويرغب فيه … والشر كله يأتي من السياسة التي تقيم أمور الحكم على الترغيب والترهيب، وجعل المناصب والدرجات والترقيات والعلاوات مِنَحًا تُهدى إلى الذين يحسنون نصر الحكومات والتقرب منها، والتوسل إليها بما لا يلائم طهارة القلوب ونقاء الضمائر وتنزه الأخلاق عن الدنيات. وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ للعلم والمتعلمين، ولكنه لا يأمن على علمه وتلاميذه إلا إذا رضي عنه السلطان، بل هو لا يأمن على عيشه إلا إذا رضي عنه السلطان؟!

وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ لعلمه وتلاميذه، ولكن من حقه كذلك أن يُوسِّع على نفسه وعلى أهله وعياله في الرزق، وليس له إلى ذلك سبيل إلا أن يرضى عنه السلطان، والسلطان لا يرضى إلا إذا سلك هذه الطريق لا تلك، وأظهر هذا الرأي لا ذاك، ومال إلى ذلك الحزب، لا إلى ذلك الحزب، ومالأ هذا الفريق لا ذلك الفريق؟!

وإذا شُغِل الأساتذة والمعلمون بإرضاء السلطان وابتغاء الوسيلة إليه والزلفى عنده، فهناك التنافس والتزاحم، وهناك السعاية والكيد، وهناك الرياء والنفاق، وهناك إذلال النفوس وخفض الرءوس … ومن وراء هذا كله، أو من أمام هذا كله، شباب يقولون ويسمعون، ويتحدثون ويفكرون، ثم ينكرون أساتذتهم ومعلميهم، وينكرون أنفسهم بعد ذلك، ثم ينتهون إلى الشك في كل شيء، والاستخفاف بكل شيء، والانقياد لكل شيء، والانتقاض على كل شيء!

ما أجدر الذين يُعنَون بتسجيل الظواهر الاجتماعية في حياتنا البائسة المنحلة أن يتلطفوا للشباب ليسمعوا آراءهم في أساتذتهم ومعلميهم، وفي قادتهم ومؤدبيهم، بل وفي آبائهم أيضًا! … إذن يستبين لهؤلاء الذين يسجلون الظواهر الاجتماعية أن الشباب المصريين يخضعون في هذه الأيام السود لمحنة منكرة قاسية، يجب أن تُرفَع عنهم إن كنا نريد لهذا البلد المنكوب خيرًا …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.