إن أهم دعوى قضائية منذ خمسة عقود على الأقل في تركيا على وشك البدء؛ فسوف يُقدَّم للمحاكمة نحو مائتي ضابط متقاعد وفي الخدمة؛ بسبب التخطيط لزعزعة استقرار الدولة في عام ٢٠٠٣ من خلال القيام بأفعال عنف (تشمل تفجير مسجدين وإسقاط طائرة تركية مقاتلة)، والإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية. والمدعى عليه الأول في هذه المحاكمة والزعيم المزعوم لخطة الانقلاب هو والد زوجتي؛ جيتين دوجان.

والمأساة أن هذه المحاكمة شكلية مثل تلك التي أجريت على جزيرة يسيدا الصغيرة منذ نحو ٥٠ عامًا، ولكنَّ الأدوار وقتئذٍ كانت معكوسة؛ إذ قامت حكومة عسكرية (حقيقية هذه المرة) بعزل الحكومة المنتخبة، وقدمت الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء للمحاكمة بتهم ملفقة.

وكما هو متوقع، يعيد التاريخ نفسه وكأنه مسرحية هزلية؛ فالأدلة وراء القضية الحالية عبارة عن مجموعة وثائق منسوخة على أسطوانات مدمجة، سُلمت إلى إحدى الصحف من «مخبر مجهول»، وتحتوي على حالات تزوير واضحة. ومن المزعوم أن هذه الوثائق عبارة عن خطط عسكرية سرية من عام ٢٠٠٣ تعرض تفاصيل الترتيب لعمل انقلاب، إلا أنها تحتوي على مفارقات تاريخية لا تدع مجالًا للشك بأنها قد أُعدت في أواخر عام ٢٠٠٨، وليس قبل هذا.

ومن أبرز هذه المفارقات التاريخية الإشارةُ إلى كيانات — أي شركات ومنظمات غير حكومية ومنشآت عسكرية ومستشفيات — بأسماء لم تكن قد سُميت بها بعدُ. فالأمر أشبه بنص يُزعم إنشاؤه عام ١٩٧٠، غير أنَّ به إشارةً إلى ديانا سبنسر بوصفها أميرة ويلز — وهو لقب لم تحصل عليه إلا في عام ١٩٨١ — أو ذِكْرًا لحادث السيارة الذي تعرضت له بعد عقود لاحقة. فيبدو واضحًا للجميع، إلا المتحيزين، أن وثائق الإدانة لم يكتبها ضباط الجيش قيد المحاكمة، بل كتبها آخرون بعد عدة سنوات.

لكن انتظر! أليست تركيا حاليًّا دولة ديمقراطية وليس من المفترض أن تحدث فيها مثل هذه الأشياء؟!

للأسف، تنبئنا هذه القضية بالكثير عن تركيا في الوقت الحاضر؛ وليس ما تنبئنا به بأمر جميل. لقد زادت حكومة حزب العدالة والتنمية من اشتعال النيران ضد المدَّعى عليهم، واستغلت القضية لأهداف سياسية، وألحقت وسائل الإعلام الموالية للحكومة العارَ بنفسها من خلال نشر تيار مستمر من المعلومات المضللة عن القضية. إضافةً إلى أن كثيرًا من الأعضاء البارزين في النخبة المثقفة من الأتراك الليبراليين اختاروا تجاهل الأدلة الملفقة؛ خشية تشويه القصة المحببة إلى أنفسهم التي اختلقوها عن وضع الحكومة الديمقراطية حدًّا «للوصاية العسكرية».

أما فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية التي كانت قوية في وقت ما، فكم ضعفت الآن بسبب تاريخها الحافل بالانقلابات والتدخل في السياسة! حتى أصبحت عاجزة بالكامل عن تقديم رواية ذات مصداقية؛ فأصغر إدارة أشغال عامة محلية كانت ستبلي بلاءً أفضل في الدفاع عن نفسها ضد هذا النوع من الأخطاء القضائية الضخمة التي تمثلها هذه القضية.

فلتنظر كيف تتكشف هذه المحاكمة، حيث ستظهر الكثير عن وجهة تركيا في المراحل المقبلة؛ فإذا حدث تجاهل للأدلة المتاحة على التزوير ولم تسقط التهم؛ فسنعلم أن «سيادة القانون» و«دولة تركيا» لا يجتمعان معًا في عبارة واحدة.

A Weird, Weird Trial by Dani Rodrik. Dani Rodrik’s Weblog. Desember 14, 2010.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.