تابعتُ قراءة النقاش الذي دار بين الأستاذ محمد صدقي الجباخنجي والدكتور محمد صبري السربوني، عن مقاييس النقد الفني وشروط ناقد التصوير والنحت، وما يلحق بهما من فنون التشكيل، مستقلًّا عن شروط النقد الأدبي الذي يشمل نقد الشعر والنثر والثقافة المكتوبة على التعميم.

وقد التبس كلام الأستاذ الجباخنجي — كما يظهر — على الدكتور محمد صبري، ففُهِم منه أنه يعتبر مقاييس الأدب كافية للتطبيق من وجهتها العامة على أعمال التصوير والنحت؛ لاعتبار الوحدة في قواعد الفن الجميل أو قواعد علم الجمال «إستاتيك» Aesthetics.

وهو علم مشترك القواعد في جميع الفنون.

ولو أن الأستاذ الجباخنجي ذهب إلى هذا الرأي لما كان في قوله من عجب؛ لأن قواعد علم الجمال قد وضعها الأدباء ولم يضعها أصحاب الصناعة العاملون في النحت والتصوير وفنون التشكيل، أو فنون السماع والإخراج كالموسيقى والتمثيل.

ومن الواقع المقرر أن عمل الأدباء في تأسيس قواعد علم الجمال، أكبر وأسبق من كل ما اشترك فيه المصورون والنحاتون والموسيقيون والممثلون والمخرجون مجتمعين.

ومن الواقع المقرر أن نقاد الفن من غير المصورين قد تقدموا من الزمن إلى عهد أفلاطون وأرسطو، وتخلَّف منهم الأقطاب المتأخرون إلى العصر الحاضر ممن يطبقون قواعد علم الجمال على الشعر والتصوير والموسيقى، وهم غير متخصصين في هذه الفنون.

وينبغي أن يعلم الدكتور السربوني أن «لسنج» ملك النقاد كما يسميه أدباء الغرب، قد وضع كتابه «اللاوكون» في نقد تمثال منحوت وقصيدة شعرية قارن بينهما في أسلوب الأداء على أساس علم الجمال العام، لا على النقد الشعري وحده، أو أساس النقد التصويري وحده، كما يرى في صفحات الكتاب الذي نحسبه قد اطلع عليه.

وينبغي أن يعلم الدكتور السربوني كذلك أن الأديب الإنجليزي الكبير «رسكن» كان حجة في نقد التماثيل والصور والقصور ولم يكن من أصحاب الصناعة، وأن برنارد شو قد ترك بعده مجلدات في النقد الموسيقي على أسس علم الجمال بغير اكتراث للأسس الموسيقية التي طال عليها الخلاف بعد عهد «واجنر» وحملات نيتشه عليه، ولم يكن لنيتشه استقلال بالفن الموسيقي عن سائر فنون الأدب والثقافة، كما يعلم الدكتور.

فلو أن الأستاذ الجباخنجي قال إن قواعد علم الجمال كافية لتزويد الأديب بأدوات النقد الفني، لما كان قوله عجبًا ولا كان فيه بدع يخالف الحقيقة الواقعة، ولكنه — على ما نرى من كلامه الأول والأخير — إنما أراد أن مقاييس الأدب تساعد الناقد الأدبي على فهم الفن إذا اطلع على تواريخ الفنون، وهي باب من أبواب الثقافة الأدبية … وليس من المعقول أن يُشترَط لفهم التصوير شرط فوق هذه الثقافة الأدبية، إلا إذا كان المفروض أن المصورين والنحاتين يضعون صورهم وتماثيلهم لجمهور خلق الله من أوساط المثقفين، ومن هم دون الأوساط في أكثر الأحايين.

على أن الدكتور محمد صبري السربوني قد استكثر من الأستاذ الجباخنجي هذا الرأي المتواضع، وراح ينعي إلى الناس فوضى النقد الفني، وفوضى الآراء التي تجيز الاجتراء على نقد بيكاسو لأناس من الأدباء ونقاد الكتابة، ومنهم العقاد كاتب هذه السطور … مع احترامه له كما قال مشكورًا على ظنه الجميل.

ويسمح لنا الدكتور السربوني أن نداعبه — مشكورين نحن أيضًا — لنقول له: أشار ولم يصرح؛ فترك لنا أن نتم الإشارة بالتصريح، ونعلن بالنيابة عنه أن الناقد الفني يحب أن يذهب إلى باريس، وأن ينتسب إلى السربون، وأن يحمل اسم «محمد صبري» إذا أمكن … وإلا فلقب «السربوني» كفاية على سبيل الاحتياط.

وقد نعلن بالنيابة عنه أنه يكفي لنقد الصور والتماثيل أن يفتح الإنسان عينيه على النور في مهد أقدم الفنون الإنسانية على الإطلاق، وأن يدرج فوق الأرض فيرى مصنع التماثيل قريبًا منه في محاجر أسوان، وأن يخرج للفرجة على ضواحي بلده؛ فيرى أعرق الفنون بين الهياكل والجزر ومغاور الجبال، ثم يستمع في الأحاديث كل موسم شتوي حديثًا على الأقل من فطاحل المعلقين على آثار الفنون، وتُحَف الجواهر، وما إليها من الحجارة الكريمة وفصوص «الجعارين» إذا أراد …

كلا … كلا … لا يكفي هذا، ولا يكفي بعده أن يحشو هذا الناقد ذهنه بما قدَّره الله عليه من ودائع الأوراق ومجاميع الصور والتعليقات.

فإذا أعدنا هنا ما قاله الدكتور السربوني وما ينبغي أن يقوله ونشكره عليه، وما ينبغي أن نقوله نحن ويشكرنا عليه هو كما يشاء …

إذا فعلنا ذلك، فمن الحق أن يسمح لنا أن نضيف كلامًا لا حيلة له في قبوله، وهو أن الشروط التي يتطلبها معقولة في نقد كل فن إلا الفن الذي يلغي جميع المقاييس ويمسح جميع التواريخ.

ودَعْنا نقول مع الدكتور إن الناقد الفني مُطالَب بالاطلاع الكافي على تاريخ الفنون، ومُطالَب بالاطلاع الكافي على أعمال أقطاب النحت والتصوير، ومُطالَب بالاطلاع الكافي على أصول الرسم والتلوين والتشكيل، ومُطالَب بأن يكون سربونيًّا يحمل اسم «محمد صبري» أو ما صادفه غير ذلك من الأسماء.

دَعْنا نقول ذلك لكل ناقد فني يتصدى لنقد صورة من الصور أو تمثال من التماثيل.

ولكن «بيكاسو» وأمثاله يعرضون لنا الصور والتماثيل، وليس لها وضع معلوم، ولا قاعدة متبعة، ولا مقياس متفق عليه!

تقول له إنك لا تفهم معنى لهذه الصورة، فيقول لك إن الفهم غير ضروري، وإن الصورة وحدها كافية بغير معنى!

وتقول له إنني لا أرى شَبَهًا بين هذه الخطوط والألوان وبين وجه هذا الإنسان الذي ترسمه، فيقول لك إن البحث عن الشبه «موضة» قديمة، وإن الصورة تشبه ما أراه في الوعي الباطن، وليس من اللازم أن تشبه شيئًا سواه.

وتقول له إن هذا فن مشوَّه وليس بالفن الجميل، فيقول لك إنك لا ترى الواقع ولا ما فوق الواقع كما أراه …

وتقول له: ما هو المقياس الذي أعرف به أنك أحسنت مرة، وأنك أحسنت أكثر من ذلك مرة أخرى، وأنك لم تحسن في غير هذه وتلك من المرات؟ …

تقول له هذا، فماذا يقول؟

إنه لا يقول شيئًا غير أنه يعطيك ما يُوحَى إليه، وعليك أن تتلقى الوحي في صمت وسلام، بغير سؤال ولا استفسار ولا استفهام!

وربما خطر لك يا دكتور أن تقول له: هندس يا معلم بيكاسو … أنا صبري السربوني …

فأراهنك يا دكتور أنه سيقول لك: ولو …! فإنك إن سألت عن شيء مما أصنعه، فلست أنت بأهل للنظر إلى الفن الجميل …

وعلى هذا ترى — يا دكتور — أنك تعفي فنَّانَك من كل شرط ومن كل قاعدة ومن كل مقياس تحتكم معه إليه، ولكنك تصب المطالب كلها على رأس الناقد الفني الذي ينظر إلى أعمال ذلك الفنان!

فإذا كانت دعوى الفنان كلها أنه صاحب «وعي باطن»، فأين هو المخلوق الذي جرَّده الله من الوعي الباطني بين أعلم العلماء وأجهل الجهلاء، وبخاصة حين نعود بالوعي الباطن إلى همجية «الخلط والشلفطة بغير رأس ولا قدم وبغير معنى ولا كلام»؟!

أما إذا كان الدكتور السربوني يعرف للوعي المزعوم مقياسًا يفهمه الناس عنه، فلنقل له مقدمًا: أفادك الله!

ولكن على شرط أن يكون جوابه غير جواب البيكاسيين؛ لا فهم ولا معنى ولا شبه ولا سؤال ولا جواب …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    القارئ العربي ·١٦ يناير ٢٠١٥، ٦:٣٦ ص

    شكرا لكم لما تقدمونه لأهل العلم من زاد