كتب الشعب الروسي لنفسه تاريخًا مضيئًا في تجربة الحضارة البشرية.

بالأمس تبَنَّى ثورة خطيرة لم تُسبق بمثيل في عنفها وتطرفها. ثورة أرادت أن تصفي العالم القديم من كافة معطياته وتقاليده وأبنيته؛ لتنشئ على أنقاضه عالمًا جديدًا بكل معنى الكلمة. قاد الشعب الروسي تلك الثورة وتصدى لتحقيق حلم الملايين من البشر في خلق الفردوس المنشود في هذه الحياة، ولم يكن بُدٌّ من أن يعاني المعاناة المريرة، وأن يُقدم التضحيات الجسيمة، وأن يقنع من الحياة بحدِّها الأدنى متنازلًا في الوقت نفسه عن حرياته البشرية، وحقوقه الإنسانية، والسعادة التي يحظى بها كثيرون ممَّن هم دونه في الحضارة والآمال.

ولو أن النجاح أُتيح له بعد ذلك لكان رائد الإنسانية إلى حياتها الجديدة. أما وقد تمخَّضت التجربة عن فشل ذَريعٍ، فقد أصبح — الشعب الروسي — النذير لجميع البشر لتجنُّب الانزلاق إلى حلم بَرَّاق لا جدوى منه، ووقاهم من شر تجربة فاشلة وخسائر لا حصر لها، فإذا فاته أن يكون الرائد فلم يفته أن يكون النذير، والنذير لا يقل عن الرائد أثرًا في خضم التجربة الحضارية.

ولو أن التجربة الشيوعية قامت على نظام ديمقراطي لنشأت في جو من الحرية، واستفادت من النقد المُتلاحق لأنظمتها الاقتصادية والفلسفية، وتطورت تطورًا حميدًا يُنقِّيها من جميع السلبيات التي قضت عليها.

ويمكن أن تكون الشيوعية آخر تجربة فاشلة في حياة البشر إذا حرصت الأمم على اتباع الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وخاضت تجاربها في ذلك الجو الإنساني الحر حيث لا يُفرض رأي، أو تُملى سياسة، أو يُزكَّى انحراف بالقوة والقهر … وعلينا ألَّا ننسى في هذه اللحظة السعيدة من حياة البشرية التي انتصرت فيها الحرية انتصارًا حاسمًا نأمل أن يكون أبديًّا، واندحر حكم القهر اندحارًا نرجو أن يكون أبديًّا كذلك، علينا ألَّا ننسى الدور البطولي الذي قام به الشعب الروسي في التجربة بطرفيها السلبي والإيجابي، وأن نذكر دائمًا تضحياته في مجال الحضارة البشرية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.