قائل هذه الأبيات:

كل حب إلى ملال وللحسن

عفاء، وما أمضى العفاء!

ما لنا ننفق الحياة يمينًا

وشمالًا مستعجلين الفناء؟

أضَمِنَّا عُمرًا سواه جديدًا

أم وجدنا لعمرنا رفاء؟!

وقائل هذه الأبيات:

ما تبالي الأيام ثارت بنا هوجا

ء أم غضَّة النسيم رخاء

فتراها آنًا تقص جناحينا

وآنًا تنميهما إنماء

وأراها لما رأتنا قرودًا

أوسعتنا في عيشنا إزراء

عابثات بنا يُخاطبن منا

أغبياء قد أشبهوا الببغاء

حفظوا باللسان ثم تحاكوا

كلمات من المعاني قواء

الهوى والخلود والوحي والعز

م جميعًا، والهمة الشماء

إيه ما أرخص العقول علينا

إن حشونا عقولنا أسماء!

وقائل القصيدة كلها — وهي لم تكمل، في ثلاثمائة بيت على هذا النسق — هو ولا ريب شاعر متمكن من اللغة والفكر، لا يستطيع مؤرخ أدب أن يؤلف كتابًا في الشعر العربي الحديث ولا يثبت فيه اسمه بين طليعة الشعراء من أبناء عصره وأبناء سائر العصور. واسم هذا الشاعر هو «المازني» وكفى! المازني الذي جعل ديدنه — رحمه الله — السخرية؛ ينكر على نفسه الشاعرية في أخريات أيامه، ولكنه — في أخريات أيامه هذه — قد نظم قصيدة العراك، وبلغ بها ما يزيد على ثلاثمائة بيت، وفارق الدنيا قبل أن يتمها كما يريد، وربما جاوز بها، لو أُفسِح له في الأجل، خمس مئات أو ست مئات من الأبيات على وزن واحد، وقافية واحدة، وعلى هذا النسق من جودة الكلم والمعنى وجزالة العبارة، بما تشتمل عليه من دلالة الفكر، وإيحاء الخيال.

واسم القصيدة «العراك» يدل على موضوعها؛ فهي عراك بين ملكات النفس الإنسانية من وجدان وضمير وفكر وذوق وخيال وشعور على معنى الحياة، وقيمة العيش في هذه الدنيا، أو هي عراك بين مذاهب الفلاسفة والشعراء والنساك والخلعاء من المثاليين والواقعيين، ومن المتقدمين والمتأخرين، في كل خلاف بينهم على الغاية والبداية من حياة هذا الإنسان.

ولقد نظم صديقنا هذه القصيدة، ونظم غيرها في غير هذا الموضوع، وهو يكتب ويقول لمن يسألونه ولمن لا يسألونه: إنه نفض يديه من الشعر، وود لو يقذف بقصائده جميعًا في بحر من بحور النسيان!

ونحن نعرف أخانا في جدِّه ومزاحه، وفي سرِّه وعلانيته، وفي رضاه وسخطه، ونعرف أنها «مازنية» من مازنياته التي ولدت معه، وشاخ وهي باقية على صباها. وأولى هذه المازنيات «إخراج اللسان» على الماشي … وربما كان منها إخراج اللسان لنفسه بين أربعة جدران.

قالوا: ليس المازني بشاعر.

قال كما يقول الصدى الساخر: وليس بشاعر … وليس بشاعر، وزاد عليه الصدى العاقل فقال: وإن شئتم فليس بناثر، ولكنه قبض الريح وباطل الأباطيل.

وفي ذكرى المازني تعود هذه الأصداء إلى بعض الأجواء التي لا ينسى فيها أدب الشاعر الناثر على الرغم من منكريه، وعلى الرغم من إنكاره هو مع عامة المنكرين، يتساءل قراء الشعر: أي حكم يا ترى يلزم المازني من إنكاره الشاعرية على نفسه، وأوجز جواب على هذا السؤال أنه «اعتراف» في الأدب كالاعتراف في القانون لا يدين صاحبه بغير دليل …!

فلو جاز لشاعر أن يجعل نفسه سيد الشعراء باعترافه؛ لجاز له أن يسلب نفسه ملكة الشعر بمثل ذلك الاعتراف.

إن المرجع في النهاية إلى كلام الشاعر من جيد ورديء، ومن مشهور وغير مشهور، فهو المرجع بعد كل حكم، وكل تقدير، ولو كان حكم القراء، وتقدير النقاد، مرددًا على ألسنة الشعراء أنفسهم في زمرة المنكرين؛ لأن التقليد في الرأي جائز على هؤلاء كافة بعض حين، ولكنه غير جائز أبدًا على طبيعة المعدن الذي ينقدونه ويقدرونه؛ لأن دينار الذهب دينار ذهب بقيمة الذهب في جوهره بين معادنه وخزائنه، وإن اختلفت أسعار الصيارفة، واختلف رصيد الأوراق والأسواق.

وقد اقترحت يومًا على «أبي خليل» — طيَّب الله ثراه — أن يتوج «مازنياته» في هذا الباب بمازنية تبقى على الزمن بين آداب الأمم، فيستعير من موليير عنوانه «الطيب المغصوب» لينظم بشعره مسرحية الشاعر المغصوب، ويجعلها سخرية الأبد بأدعياء النقد في عصره، فلا تفوتهم ضحكات الخلف من بعدهم، ولا يفوته هو أن يخرج لهم لسانه من عالم الخلود … ويوسعهم إزراءً لأنه رآهم من القرود.

ولكن قراء آخرين سوف يغنون المازني عن هذه السخرية المازنية المولييرية، لأنهم سيقولون، وقد قالوا: صدقت يا مازني، لست بشاعر، وليس أحد في الدنيا بشاعر، إن كان أصحابنا أولئك من القراء الأدباء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.