لم أكد أستقر في مصر حين عدت إليها بعد انقضاء الصيف، حتى علمت أن صديقًا كريمًا لي قد ملأ قلبه حزن ممض عميق؛ لأنه نُكِب فيما يثقل على الناس أن يُنكبوا فيه، ففقد ابنه الصبي بصره في بعض الأحداث التي تعرض للصبية، وشَقِي الصديقُ الكريم وأسرته بهذه النكبة الأليمة، وقاومها ما استطاع إلى مقاومتها سبيلًا، واحتال في ذلك ما وسعته الحيلة، ولكن صرامة الخطب كانت أقوى وأمضى من مقاومته ومن حيلته، فأذعن كريمًا كما استقبل النكبة كريمًا.

ولكني رأيته مُروَّعًا، مُفرَّق البال، لا يعرف كيف يستقبل الحياة بابنه هذا العزيز؛ فليس من تعليمه وتهيئته لاحتمال الأعباء بد حين تؤهله سنُّه لاحتمال الأعباء، ووسيلة هذا التعليم في مصر مفقودة أو كالمفقودة؛ فما زال المصريون يعيشون بعد أن تجاوز القرن العشرون نصفه كما كانوا يعيشون في القرون الماضية أيام الجهل والغفلة والقصور، حين كان مستقرًّا في نفوسهم أن الذين يفقدون أبصارهم صغارًا أو كبارًا يجب أن يعيشوا عيالًا على أسرهم وعلى أمتهم، يمونهم أهلهم إن استطاعوا أن يمونوهم، فإن لم يستطيعوا ففي حفظ القرآن وتلاوته حيث تعود الناس أن يُتلى القرآن معاش لهم يجدون منه ما يقيم الأود، وإذا لم يتح لهم؛ ففي تكفف الناس والتماس الصدقات واحتمال أثقال البؤس لهم مقنعٌ ورضًا، إن كان في البؤس والذل والمسألة ما يقنع الناس ويرضيهم عن الحياة التي يحيونها طائعين أو كارهين.

والأزهر الشريف وحده هو الذي احتفظ بالسُّنة القديمة، وأتاح لهؤلاء البائسين من المكفوفين أن يعيشوا كرامًا، وأن يجدوا في الحياة متاعًا يعزِّيهم عن آلامها وعن آفتهم هذه القاسية. وهو متاع العلم والدين يدرسونهما كما يدرسهما غيرهم من المبصرين، وينهضون بتعليمهما كما ينهض به غيرهم من المبصرين.

فأمَّا المدارس المدنية التي تنشئها الدولة وتديرها، أو التي ينشئها الأفراد والجماعات، فمحرمة على هؤلاء المكفوفين؛ لأنها لا تملك الوسائل الخاصة لتنشئتهم وتأديبهم وتمكينهم من أن يكونوا رجالًا كرامًا.

وفي المجتمع المصري — وفي بعض بيئاته الجاهلة الغافلة بنوع خاص — قسوة غريبة تُنافر ما طبع المصريون عليه من الرحمة والبر والحنان، ومن رعاية الضعفاء والعناية بهم؛ فهم يتندرون بالمكفوفين، ويسخرون من بعض أطوارهم، لا يخفون ذلك ولا يستترون به، ولا يبالون أن يؤذوا هؤلاء الذين آذتهم الحياة وقست عليهم الخطوب. وكل ما استطاعت مصر أن تعرفه في هذا العصر الحديث القريب من رعاية المكفوفين هو أن تنشئ لهم — على نحو من البر والشفقة — معاهد قليلة تُعلِّمهم فيها بعض الأعمال اليدوية اليسيرة التي تتيح لبعضهم كسب أيسر القوت.

فأمَّا العقول التي في رءوس هؤلاء المكفوفين، والقلوب التي في صدورهم، فلا خطر لها ولا وزن، وما دام الله قد قضى عليهم ألَّا يبصروا؛ فليس ينبغي أن يكون لهم إرب في حياة العقول والقلوب.

وقد نسيت أشياء كثيرة منذ عرفت نفسي، وسأنسى — من غير شك — أشياء كثيرة أخرى فيما بقي لي من الحياة، ولكن قصة لي في أول الشباب لم أنسها، وما أرى أني سأنساها؛ لأنها نغصت علي الحياة أيامًا وأرقتني ليالي، وتركت في قلبي ندوبًا لم تزل، وإن لم تُثِرْ في نفسي موجدةً ولا ضعفًا.

كان ذلك حين أُنشئت الجامعة المصرية في أواخر العقد الأول من هذا القرن، وحين اندفع إليها الشباب يتحرقون ظمأً إلى ما كان يُلقى فيها من العلم الحر الذي لا يخضع لسلطان الإنجليز، ومن العلم الحديث الذي لا يخضع لقيود الأزهر.

وكنت من أولئك الشباب المندفعين، فأقبلت ذات يوم إلى غرفة من غرفات الدرس يسعى معي خادمي ذاك الأسود الصغير، فلم أكد أبلغ باب الغرفة حتى رُدِدْتُ عنها ردًّا عنيفًا، فما ينبغي لذلك الغلام الأسود أن يصحبني إلى مجلس من قاعة الدرس؛ لأن الدخول محرم على من ليست معه بطاقة الانتساب.

وذهبت أشكو إلى سكرتير الجامعة المرحوم أحمد زكي بك، فكان جوابه أقسى من رد الحجَّاب لي عن الدرس، قال: وماذا تريد أن أصنع وقد قضى الله عليك ألَّا تشهد الدرس؟!

ورقَّ بعض الأصدقاء لي، فكانوا ينتظرونني عند قاعات الدروس، فيسعون معي إليها، ويخرجون معي إلى حيث كان ذلك الغلام ينتظر أن أعود إليه.

ذكرت هذا كله غير مرة في حياتي حين كنت أستاذًا في الجامعة، وحين كانت هذه الآفة البغيضة تعرض لبعض الطلاب بعد أن يظفروا بإجازة الدراسة الثانوية، فكنت أحتال حتى أيسِّر لهم طلب العلم، وحين كنت وزيرًا للمعارف حين عرضت هذه الآفة لبعض التلاميذ قبل أن يتقدموا لامتحان الشهادة الثانوية، فاحتلت لهم حتى جازوا الامتحان وحتى التحقوا بالجامعة.

وذكرتها حين عدت من أوروبا آخر هذا الصيف ورأيت ما رأيت من حزن ذلك الصديق الكريم وحيرته في أمر ابنه الصبي، ولم أكد أفرغ من مواساته حتى تلقيت كتابًا مرًّا من أب أصابه مثل ما أصاب ذلك الصديق في ابنه الأثير عنده العزيز عليه، وهو يسألني: كيف السبيل إلى تنشئة هذا الصبي وتعليمه على نحو كريم يذود عنه الحزن، ويخرجه من العجز، ويمكنه من النهوض بأعباء الحياة حين يجب عليه النهوض بهذه الأعباء، وليس كل الناس مستعدًا لأن يرسل ابنه المكفوف إلى معهد النور ليتعلم فيه هذه الصناعة اليدوية اليسيرة أو تلك، وليس كل الناس مستعدًّا لتحفيظ ابنه المكفوف القرآن ليكسب بتلاوته القوت، وليس كل الناس ميَّالًا ليرسل ابنه إلى الأزهر الشريف ليتخرج فيه أستاذًا لهذا العلم أو ذاك من علوم اللغة أو الدين؟

ومن حق الصبية المكفوفين وفي طاقتهم أن يضطربوا في الحياة وأن يحتملوا أثقالها كرامًا كما يضطرب فيها ويحتمل أثقالها كثيرٌ من المبصرين، وللصبية والشباب من المكفوفين حق التربية والتعليم على الدولة كغيرهم من المصريين، ولهم عليها حقٌّ خاصٌّ في الرعاية والعناية؛ لأن أيسر ما يجب على الدولة المتحضرة أن تشمل برعايتها من تلجئهم الآفات العارضة إلى هذه الرعاية. وإذا تحدثت عن المكفوفين فلست أختصهم وحدهم بالحديث من دون الذين تعرض لهم آفات أخرى تجعل تعليمهم أعسر من تعليم غيرهم من الأصحاء.

ولست في حاجة أن أدل وزارة المعارف على ما تهيأ في أوروبا وأمريكا لأمثال هؤلاء الصبية والشباب من وسائل التربية والتعليم؛ فوزارة المعارف تعلم من ذلك أكثر مما أعلم أنا، أو من الحق عليها أن تعلم من ذلك أكثر مما أعلم، وأن تأخذ من ذلك بما يلائم ظروف الحياة المصرية ومصلحة هؤلاء الصبية والشباب من المصريين.

وفي مصر مدرسة أنشئت للمكفوفين منذ حين يُقال: إنها تريد أن تربيهم وتعلمهم كما ينبغي لمثلهم أن يُربَّى ويُعلَّم. وهذا حسن، ومن الخير أن تنشأ مدارس أخرى غير هذه المدرسة، وفي مدن مختلفة من الأقاليم؛ فليس كل الناس قادرًا على أن يرسل ابنه إلى هذه المدرسة. وأكبر الظن أنها لن تتسع لكل من يحتاج إلى الالتحاق بها؛ فهم — مع الأسف الشديد — أكثر من ذلك عددًا، وهم مع الحزن والأسى مفرقون في أرض مصر، يجب أن تشملهم رعاية الدولة، وأن تهيئهم للحياة الكريمة الخصبة المنتجة، وعسى أن يكون من بينهم من ادَّخرت فيه الطبيعة كنوزًا لا ينبغي أن تضيع.

هذا حديثٌ أوجهه إلى وزير المعارف، وما أشك في أنه سيصل إلى قلبه الثائر الشاب، وما أشك في أنه سيلقاه بما ينبغي له من العناية، وسيشعر مواطنيه بأن الثورة التي هو من رجالها لن تغير الحياة السياسية والاقتصادية وحدها، ولكنها ستغير الحياة المصرية كلها، وستمنح الضعفاء من عنايتها أكثر مما تمنح الأقوياء، وستتيح للمصريين جميعًا مساواة كريمة في الحقوق والواجبات، كل حسب ما يُيَسَّر له، وستفتتح للمصريين جميعًا حياة لا يستأثر فيها بعضهم بالنعيم والرضا على حين يستأثر البؤس والشقاء والحزن ببعضهم الآخر. وأنا مطمئن إلى أن هذا العام لن ينقضي حتى تنشأ في مصر مدارس يلقى فيها هؤلاء المكفوفون ما يلقاه أترابهم في هذه المدرسة الوحيدة من العناية والرعاية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.