ألِف الناس الحديث عن الثروة الزراعية، والثروة المعدنية، والثروة الحيوانية. وأخشى أن يلومني مَنْ يقرءون عنوان هذا المقال، ويَرَوْنِي أذكر الثروة الإنسانية وكأنني أريد أن أسويَ بين الإنسان والزرع والمعدن والحيوان. ومن اليسير أن أدفع هذا اللوم بأن الاقتصاديين يذكرون أن مصادر الثروة هي الطبيعة ورأس المال والعمل، والعمل هنا هو ما ينتجه العامل أي الإنسان؛ فالعامل في نظرهم عنصر من عناصر الثروة كالطبيعة التي تنتج الزرع والمعدن وتغذِّي الحيوان، وكرأس المال الناتج من العمل والطبيعة مجتمعَين، لكنني في غير حاجة إلى مثل هذا القول؛ لأن الثروة الإنسانية التي أريد أن أتحدث عنها هي الثروة المعنوية، وهي أساس الحضارة القومية، كما أنها مصدر كل ثروة سواها، وهي فوق ذلك — وأسمى من ذلك — القوام الأساسي، وإن شئت تعبيرًا أقرب إلى مألوف الناس في عصرنا الحاضر، فهي العمود الفقري لحياة الجماعات، وهي الثروة التي يمتاز الإنسان بإنتاجها غير محتاج إلى أي عنصر من عناصر الإنتاج الاقتصادي — غير محتاج إلى الطبيعة أو إلى رأس المال.

لا أريد إذن أن أتكلم عن الإنسان على أنه أحد عوامل الإنتاج المادي، هذا مع ما للعمل الإنساني في الميدان المادي من عظيم الشأن وجليل الخطر، فالإنسان في هذا الميدان شريك للعناصر الاقتصادية الأخرى، وفي مقدمتها الأرض ورأس المال، وإنما أريد أن أتحدث عن الثروة الإنسانية المستغنية عن الطبيعة ورأس المال، وهي الثروة التي يستأثر الإنسان دون غيره من العناصر بإنتاجها، وهذه الثروة الإنسانية — في رأيي — هي الثروة الأساسية في حياة الأمم.

لست أنكر ما للثروة المادية من قيمة جوهرية في حياة الأفراد والشعوب، وكيف أستطيع ذلك في هذا العصر بنوع خاص حيث يتحدث الناس عن مستوى المعيشة وارتفاعه وانخفاضه، وحيث تُبذل الجهود الجبارة لرفع هذا المستوى في الأمم المتخلفة اقتصاديًّا على تعبير رجال الأمم المتحدة، وعلى تعبير الساسة الذين يوجهون الأمم كلها يمنة حينًا ويسرة حينًا آخر؟! وكيف أستطيع أن أنكر أثر الحياة الاقتصادية في وجود الأفراد والجماعات وفي وجود العالم بأسره، والحياة الاقتصادية هي التي توجِّه سياسة الدول، وهي التي تستغرق جهود الملايين من الناس بإنتاجها، وللحصول على لقمة العيش من طريق العمل في هذا الإنتاج؟! وهل ترى المذاهب الفردية والاشتراكية والشيوعية التي وجَّهت حضارة الإنسانية في بلاد مختلفة وفي عصور مختلفة، والتي لا تزال توجهها في عصرنا الحاضر وتقسم العالم إلى كتلتين، وقد تقسمه غدًا إلى أكثر من كتلتين — هل ترى هذه المذاهب كلها ترمي لشيء إلا لتنظيم هذه الحياة الاقتصادية تنظيمًا يذكُر بعضُهم أن الطبيعة تمليه ولا سبيل إلى الخروج عن إملائها بشأنه، ويذكر آخرون أن العدالة الاجتماعية تقضي به ولا مفر من تطبيق ما يقضي به العدل ويمليه. والمنادون بالعدالة الاجتماعية هم الذين يقولون إن واجب الجماعة يقتضيها أن تكفل الفرد منذ مولده لتُمكِّنه من التسلح بكل ما يحتاج إليه يوم يبلغ أشده حتى يستطيع أن يقف مع غيره على قدم المساواة في مقدرته على الحياة والإنتاج فيها، ولتوجِّهه قواه ومواهبه بعد ذلك الوجهةَ التي يسَّرته الأقدار لها في النضال لكسب عيشه، أو في العمل لخير الجماعة التي يعيش فيها.

لحاجاتنا المادية أثرها العميق في حياتنا الإنسانية، لكن الحياة المادية ليست هي ما أقصد الكلام عنه حين أتحدث عن الثروة الإنسانية، إنما أقصد بهذه الثروة الإنسانية ما أقام الإنسان خلال العصور من معنويات روحية وفنية وعلمية وفلسفية، وما يتصل بذلك من الثمرات التي لم يحتج الإنسان في إنتاجها إلى عناصر غير إنسانية.

في اليوم الأخير من الشهر الماضي أقامت إنجلترا احتفالًا منقطع النظير تكريمًا لسير ونستون تشرتشل لمناسبة بلوغه سن الثمانين، وقبل ذلك مُنح تشرتشل جائزة نوبل في الآداب، وقد كتبت صحف العالم المختلفة لمناسبة الاحتفال بالشيخ تشرتشل مقالات سَمَتْ به فيها إلى أرفع الذُّرَى، مع ذلك لم يكن لتشرتشل أي إنتاج مادي شارك به الطبيعة ورأس المال على النحو الذي يتحدث عنه الاقتصاديون حين يذكرون عناصر الإنتاج، بل كان كل إنتاجه مستمدًّا من عنصره النفسي الإنساني: من عقله وقلبه وعاطفته، ومن المبادئ التي نشأ عليها وأيَّدها طول حياته الأدبية والبرلمانية؛ لهذا كان الاحتفال بتشرتشل احتفالًا بالثروة الإنسانية التي أفادت منها إنجلترا وأفاد منها الأدب الإنجليزي.

وإذا اعتبرنا تشرتشل عنصرًا من عناصر الثروة الإنسانية في بريطانيا، فأجدر بنا أن نعتبر شكسبير وملتون وشيلي وَمَنْ إليهم مِن الشعراء البريطانيين، وأن نعتبر وولتر سكوت وديكنس وغيرهما من كبار الكتَّاب، وأن نعتبر هربرت سبنسر وجون ستيوارت ميل وأضرابهما من المفكرين البريطانيين، وأن نعتبر رجال الفن والعلم وَمَنْ إليهم — أجدر بنا أن نعتبر هؤلاء قوام الثروة الإنسانية البريطانية، وأن نقدِّمهم في تقديرنا على رجال الصناعة والمال في عصور بريطانيا المختلفة.

والهند تذكر المهاتما غاندي وتؤمن به بعد موته كما كانت تؤمن به في حياته، ولم يكن غاندي من عناصر الثروة الاقتصادية في الهند، بل كان إنسانيًّا بحتًا، وكان أثره في الناحية المادية الاقتصادية أدنى إلى أن يكون رجعيًّا منه إلى أن يكون تقدُّميًّا، فأما أثره في الثروة الإنسانية فبالغٌ من الضخامة ما جعل الهند تسمو به إلى مثل مقام براهما وبوذا وأمثالهما مِمَّنْ لا يزالون يمثلون في نفوس الهنود أبلغ صور الإيمان، ولم يحتجْ غاندي إلى أي عنصر غير إنساني في إنتاج الثروة المعنوية الضخمة التي تعتز الهند بها اليوم أيما اعتزاز.

وإذا ذُكِرَ غاندي في الهند، ذُكِرَ إلى جانبه رابندرانات تاجور، هذا الشاعر الخالد الذي سما بالعواطف الإنسانية إلى المحل الأرفع؛ فاعترفت له الإنسانية كلها — لا الهند وحدها — بما أضاف إلى ثروتها المعنوية فمُنح جائزة نوبل للسلام.

لست أعرف مِن رجال الهند الذين أثمروا ثروتها الإنسانية ما أستطيع معه أن أقدِّر بالدقة مبلغ فضلهم وجليل تراثهم، لكن المعنيين بهذه البحوث الإنسانية يُحِلُّون هذه الثروة من احترامهم أسمى مكان.

وليس يتسع المقام للحديث عَمَّنْ أنتجوا الثروة الإنسانية في الأمم المختلفة، وما كان لهم من فضل في إقامة البناء الضخم الذي تستند إليه حياة هذه الأمم المعنوية، وما تستمتع به من حضارة.

وإذا نحن رجعنا البصر إلى الماضي ووقفنا عند ما خلَّفه الشعراء والأدباء والفلاسفة والمفكرون ورجال العلم والفن في الشرق والغرب، ثم سمونا بأبصارنا إلى مقام الأنبياء والرسل من هداة الإنسانية، أدركنا أن ما نستمتع به اليوم من مظاهر الحضارة إنما يرجع الفضل فيه إلى الذين أنتجوا هذه الثروة الإنسانية التي تكتَّلت على العصور؛ فكانت الحضارات الإنسانية المتعاقبة بعض آثارها.

وأرباب هذه الثروة الإنسانية التي أقامت حضارات العالم هم كذلك أصحاب الفضل في إقامة الحضارة المادية التي ينعم العالم اليوم بها؛ فالعلماء الذين اكتشفوا قوة البخار، ثم اكتشفوا قوة الكهرباء، ثم اكتشفوا القوة الذرية — هؤلاء العلماء لم يحتاجوا إلى غير عنصرهم الإنساني في هذه الاكتشافات، وهم — مع ذلك — الذين أتاحوا لِمَنْ يلونهم من أرباب التفكير العملي في الصناعة أن يضعوا هذه القوى في خدمة الإنسان، وأن يُيسِّروا له المتاع بآثارها، وأن ينقلوا الإنسانية على القرون من كهوفها الأولى إلى الصروح التي يعيش الأكثرون فيها، وهم الذين أنشَئُوا من مظاهر الفن ما تهوي إليه النفوس وتطمئن له القلوب.

أمَا وهذه الحقائق بديهية لِمَنْ يستلهم تاريخ الإنسانية وحضارتها المعنوية والمادية، فواجب على مَنْ تُلقي عليهم المقادير مصائر الأمم أن يفكروا في وسيلة ناجحة لإنتاج هذه الثروة الإنسانية، ونحن في عصر أصبحت المعارف الإنسانية فيه هي أساس هذه الثروة، وهي التي تتيح للموهوبين القدرة على إنتاجها؛ فقد انقضى عصر الوحي والنبوة، وأصبح الإلهام الذاتي وحده غير كافٍ للسمو بالنفس الإنسانية المكتفية بذاتها إلى حيث تستطيع أن تنتج هذه الثمرات، وأن تضيف إلى تراثنا في الحضارة المعنوية وفي الحضارة المادية ما يزيد الإنسانية تقدمًا وسموًّا.

لهذا تُعنَى الشعوب والأمم بجامعاتها ومعاهدها العلمية والفنية، ولا يفكر أحد في الأمم المتحضرة في تحديد عدد المتعلمين بحجة أن المتعلم الذي لا يجد عملًا يندفع إلى طريق غير سليم، أَمَا والأمر كذلك فجدير بالمسئولين عندنا عن التعليم الجامعي وعن سائر المعاهد العلمية والفنية أن يوجِّهوا إلى هذا الأمر الخطير في حياة الأمة وفي مستقبلها جُلَّ عنايتهم لتستطيع أن تنهض بعبء الحضارة، ولتتعاون مع غيرها من الأمم لزيادة الثروة الإنسانية في العالم كله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.