كان عنيفًا يوم الإثنين، وكان هادئًا يوم الخميس، ولعل مصدر ذلك العنف وهذا الهدوء أن الوزراء كانوا موضوعه يوم الإثنين، وأن مصالح الدولة كانت موضوعه يوم الخميس. وإذا اتصل السمر وأحاديثه بالأشخاص وأعمالهم؛ اشتدَّ واحتدَّ وكثر فيه الجدال والنضال، وكاد يفسده العنف والإسراف في الخصام. أما إذا اتصل السمر بالشئون العامة؛ فأمره هين، وخطبه يسير: كلام يقال، وكلام يسمع، ثم ينصرف السُمَّار راشدين. وكذلك طغى العنف على سمر النواب مساء الإثنين، حين كان فريق منهم يسأل الرجل الطيب وزميليه عما زعم عليهم صدقي باشا وأصحابه وتحدثت به بعض الصحف من تهديدهم للنواب بحل مجلسهم إن لم يقبلوا استقالة الدكتاتور العظيم. طغى العنف فكان الضجيج والعجيج، وكان صفق الأيدي وخفق الأقدام، وكان الصراع والدفاع، وكان خروج الحلماء عن أطوارهم، وكانت مشاكل ومسائل حلها وزير المالية بتفسير للسلطة التنفيذية وإعلانه أنها الوزارة وأن الوزارة هي الملك، وأن الملك هو الوزارة. ثم زادها وزير الحربية وضوحًا وجلاء، حين أعلن أن وزير المالية يتورط في الكلام. أما سمر النواب مساء الخميس، فقد كان حلوًا عذبًا ولذيذًا صفوًا أظله الهدوء، وزينه الوفاق. تكلم نفر من النواب منكرين على الحكومة؛ فاستمعت لهم الحكومة باسمة، واستمع لهم أنصار الحكومة مستبشرين. ثم قام الرجل الطيب يرد على المعارضين؛ فاستمع له المعارضون باسمين، واستمع له أنصاره مؤمنين مصفقين. وانصرف الوزراء والنواب وكلهم راضٍ عن نفسه، مستريح إلى عمله، مستيقن أنه أدى واجبه في كفاية ودراية، وفي مهارة وبراعة، وفي صدق وإخلاص. وأصبحت مصر فقرأت أنباء هذا السمر الهادئ كما قرأت أنباء ذلك السمر العنيف؛ فابتسمت لهذا كما ابتسمت لذاك، ومرَّت بهذا كما مرت بذاك مشغولة عن هذا ومشغولة عن ذاك بما تحس من ألم لا يشاركها فيه أحد، وما يثقلها من هموم لا يخففها عنها أحد.

وسيجتمع النواب والشيوخ فيتحدثون في النهار ويسمرون في الليل، ويكون في أحاديثهم وأسمارهم عنف ويكون فيها لين، وستنظر مصر إلى هذه الأحاديث والأسمار باسمة لها، معرضة عنها، يائسة منها، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ومع أن الناس كانوا متفقين على أن سمر الإثنين كان عنيفًا لاتصاله بأشخاص الوزراء، وسمر الخميس كان هادئًا لاتصاله بمصالح الشعب؛ فقد لاحظ بعضهم أن النصيحة التي تفضل بها الرجل الطيب على النواب يوم الإثنين قد آتت ثمرها يوم الخميس. فقد نَبَّهَ الرجل الطيب أنصاره وخصومه إلى أن الأجانب يرقبونهم ويأخذونهم بكل شيء؛ فانتبه النواب إلى هذا، وحرصوا أمس على ألا يقيد الأجانب عليهم شيئًا. وكأن الرجل الطيب كان يقرأ في صحيفة من صحف الغيب حين أَهْدَى هذه النصيحة إلى النواب؛ فقد شهد الجلسة أمس اثنان من نواب الإنجليز، ومَنْ يدري؟ لعل بركتهما الخالصة وسِرَّهما الباتع كان لهما بعض الأثر فيما أظل المجلس من هدوء. وليس من شك في أن هذين النائبين قد قارنا أمس بين مجلس النواب الذي يسمر في القاهرة، ومجلس النواب الذي يسمر في لندرة.

وليس من شك في أنهما اسْتَيْقَنَا أمس أن مجلسنا أظرف المجالس ونوابنا أظرف النواب؛ فقد كانت جلسة المجلس أمس ظريفة حقًّا، لم يظهر فيها الخصام إلا بمقدار، كما يوجد الملح في الطعام، وكما يوجد النحو في كلام وزير المالية. وكان رئيس وزرائنا هادئًا رزينًا، ولبقًا رشيقًا، أبرع في هذا كله وأمهر من رئيس وزراء الإنجليز. سعى إلى المنبر متئدًا، وصعد في درجاته متئدًا، وألقى تصريحه متئدًا، فقال كل شيء ولم يقل شيئًا، ورضي النواب عن كل شيء، ولم يرضوا عن شيء؛ لأنهم لم يسمعوا شيئًا. ولكن النائبين الإنجليزيين لم يفهما مع الأسف كثيرًا ولا قليلًا مما قال الأنصار والخصوم، ولو قد فهما لما ترددا في طلب الجنسية المصرية؛ ليستمتعا بالحياة الحلوة في هذا البلد الحلو الذي تتحدث فيه خطبة العرش عن عسل النحل، وتتحدث فيه المعارضة عن عسل النحل، وتمتزج حلاوة العسل فيه بأحاديث النواب والوزراء؛ حتى تصبح هذه الأحاديث كلها عسلًا. وقد زعموا أن الإنجليز يحبون العسل، فلو قد فهم هذان النائبان الإنجليزيان حديث العسل أمس في خطبة العرش ورد المعارضين عليها؛ لما عدلا بالحياة في مصر حياة أخرى في أي بلد من البلاد. والإنجليز كما يحبون العسل يحبون فصاحة الخطباء وبلاغتهم، ويحبون بنوع خاص هذه الدعابة الساخرة التي لا يحسنها أحد كما يحسنونها، ولا يتقنها أحد كما يتقنونها، ولا سيما في مجلس النواب. فلو قد فهم النائبان خطباءنا أمس لعرفا أن للإنجليز في الدعابة خصمًا عنيفًا مخوفًا هو مصر، وأن زعيم المعارضة المصرية أبرع ألف مرة ومرة من زعماء المعارضة في بلاد الإنجليز؛ لأنه يستطيع أن يلقي الخطبة الطويلة كلها دعابة وفكاهة، وهو يخيل إلى الناس أنها الجِدُّ المر، ثم يمضي في هذا التخيل حتى يقتنع هو بأنه لم يقل إلا جِدًّا. وأن رئيس الوزارة المصرية أبرع ألف مرة ومرة من رؤساء الوزارات الإنجليزية جميعًا؛ يلقي التصريح القاطع الخطير وهو لم يقطع بشيء، ولم يقل شيئًا ذا خطر، ولكن له لباقة تقنع الناس وتقنعه هو قبل الناس، بأنه قد ألقى التصريح القاطع الخطير؛ فحل المشكلات، وفك المعضلات، ورد إلى النواب الذين كانوا قلقين وَجِلِين على حياة الشعب ومصالحه ما ينبغي لهم من الأمن والاطمئنان. كانوا قلقين على مسألة الدَّيْنِ كيف تُحَل، فأنبأهم بأنها أمام القضاء، وبأنها موضوع المفاوضات، وبأنها ستحلُّ بالعدل إن شاء الله؛ فأمنوا واطمأنوا. كانوا قلقين على مسألة الديون العقارية، وعلى مصير المُلَّاك والزراع، فأنبأهم بأن الحكومة تدرس هذه المسألة بعناية فائقة، وتريد أن تنتهي فيها إلى حلول دائمة خير من تلك الحلول التي تكلف الدولة أموالًا، ولا تخفف عن الناس شيئًا؛ فأمنوا واطمأنوا وصفقوا. ولم يكن صدقي باشا حاضرًا، ولو قد حضر لتلقى هذا السهم الذي رماه به الرجل الطيب آمنًا مع الآمنين، مطمئنًّا مع المطمئنين مصفقًا مع المصفقين، وهل صدقي باشا إلا نائب من النواب ورجل من رجال الزمن السعيد؟!

كانوا قلقين على استقلال مصر بشئون القضاء كلها، يريدون أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تقف مصر من الدول المحتجة عليها موقف الحزم؛ فأعلن إليهم رئيس الوزراء أن الوزارة تتمنى معهم إلغاء المحاكم المختلطة، وأنها لن تكون أقل منهم حزمًا بإزاء الدول المحتجة على خطبة قاضي القضاة؛ فأمنوا واطمأنوا وصفقوا، واقتنع رئيس الوزراء واقتنع النواب بأن الرجل الطيب قد ألقى عليهم تصريحًا قاطعًا خطيرًا. ولو قد فهم النائبان الإنجليزيان كلَّ شيء أمس؛ لهزئا بوزير ماليتهما، ولاقترحا على حكومتهما أن تلتمس وزراء ماليتها من مصر. فوزير المال في مصر رجل لا نظير له حقًّا، يتكلم حين يحسن الصمت، ويقول ما لا يَحْسُن أن يقال؛ لأنه يحب التورط في الكلام، فإذا حَسُنَ الكلام ووجب القول واحتاج النواب إلى ما يشفي غليلهم في شئون المال، لم يكتفِ وزير المالية بالصمت، بل غاب عن المجلس كما تغيب الشمس وذاب في المجلس كما يذوب الملح، والتمسه النواب فلم يجدوه. ولكنَّ هذين النائبين الإنجليزيين لم يفهما من هذا كله شيئًا، وإنما رأيَا قومًا يذهبون في ظَرف، وآخرين يجيئون في لباقة؛ فأَمِنَا واطمأنا، وسيعودان إلى بلادهما مغتبطين بأن الحياة النيابية المصرية في ظل الحياد البريطاني آية من الآيات لا سبيل إلى الشك فيها أو الضيق بها. أرأيت أن سمر النواب أمس لم يكن هادئًا فحسب؛ وإنما كان خصبًا منتجًا كسبًا للعهد السعيد نصيرين من نواب الإنجليز؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.