من عادات طبعنا المأثورة الانفعاليةُ الشديدةُ؛ فعند الإثارة الهامة نندفع بكل قوانا في فَوْرة حماس تشتعل كالنار الموقدة حتى يُخَيَّل للمشاهد أننا موشكون على تغيير الدنيا وخلقها من جديد. وتعيش الفورة أيامًا أو أسابيع، ثم سرعان ما تنطفئ الشعلة بمثل السرعة التي اشتعلت بها، وسرعان ما تخمُد ويطويها النسيان. لتكن الإثارة جريمة اغتصاب أو جريمة اغتصاب مصحوبة بجريمة قتل. ستهزُّك العناوين في الصحف، وتقتحمك التعليقات في المقاهي، وتنهال التهديدات من أفواه المسئولين، وتتلاطم الاقتراحات من رجال الدنيا ورجال الدين، ويستمر العرض أيامًا ثم لا يحدث شيء البتة، أو تتألف لبحثه لجنة، ثم يذوب في بحر النسيان العميق.

ويتكرر هذا إذا ارتُكِبَتْ سرقة بالإكراه في أتوبيس، أو طُرِدَ ساكن من مسكنه بطريقة وحشية، أو افتَرَسَ صاحب عمارة باحثًا عن شقة، وهكذا وهكذا.

وليست الانفعالية بعيبنا الوحيد الذي تُعَانِي منه حياتنا العامة؛ فثمة عيبٌ آخر يمتُّ لها بصلة القربى والنسب، سمِّه إذا شئتَ الإهمال، أو الخمول، أو التواكل، أو ضعف الإحساس بالواجب، ويطلقون عليه هذه الأيام اسمًا جديدًا هو التسيُّب، وهو عيب ماكر يتعامل دائمًا بعذرٍ ما يُداري به تقصيره، يتعلَّل بعدم وجود القانون المناسب أو نُدرة العملة الصعبة، والروتين، أو قلة اليد العاملة، لا حدود لتذمره وشكاياته.

والحقيقة أن النقص الأول والجوهري راسخ في أعماقه؛ فهو يضنُّ بنشاطه ويستهين بواجبه، ولا يجد رقيبًا يحاسبه أو مسئولًا يعاقبه. سأحاول أن أقدِّم صورة واقعية أو قريبة من الواقع تجدها في أي مجال من مجالات النشاط المختلفة، ففي أي مجال توجد حال قائمة من السلوك والعمل، يقابلها في الخيال أو الحلم حال أخرى تمثِّل ما ينبغي أن يكون. وقد جرت العادة بأن نسلِّم بما هو قائم كأنه قدر، ونطالب بتحقيق ما يجب أن يكون، ولكن هل سألنا أنفسنا بصدق ودقة إن كنا استفدنا بأمانة وإخلاص من كافة إمكانات الواقع القائم؟! هل قررنا ألا نُحدِث جديدًا في التشريع أو العلاقات أو اللوائح إلا بعد أن نتأكَّد من أن القديم أعطى كلَّ طاقته وأثبت عجزه عن مسايرة الزمن المتقدم؟!

نحن في هذا المجال في حاجة إلى اتِّباع سياسة الخطوة خطوة بعزيمة وحكمة. علينا أن نحرِّك الأداة الحكومية بكل قوة وحزم إن لزم الأمر؛ فإن وجدت فجوة بعد ذلك فلنسدَّها بتجديد اللائحة وتخليصها مما يعيبها. وفي مجال الجرائم والجنح ما أكثر القوانين المهملة. لعلَّنا نعاني من كثرة القوانين لا من قلَّتِها، وكأن المكلفين بمراقبة التنفيذ وحماية الناس غير موجودين، وقديمًا لم يكن يخلو شارع من جندي أو خفير. أجل، لقد تضخَّمت المدن وخاصة القاهرة، وثمة نقص فيما يقال في عدد الجنود، ولكني لم أَرَ دورية أو شرطيًّا في أحياء كاملة ومنذ زمن طويل لا أتذكر اليوم متى بدأ، فهل نستغلُّ ما لدينا من قوة وقوانين قبل أن نعزم على إصدار قوانين جديدة أخشى أن تلقى من المصير ما لقيته القوانين القائمة؟!

الحق أنه لا تنقصنا القوانين، ولا الأجهزة، ولا الرجال، وفوق ذلك تتربع المحاكم، والرقابة الإدارية، وديوان المحاسبات، والكسب غير المشروع. أما الذي ينقصنا على المدى القصير — ولنَدَعِ الآن المدى الطويل لما يستلزمه من تربية ومثابرة — فيتلخَّص في كلمة واحدة اسمها «الحزم»؛ الحزم الذي لا يفرق في الحق بين الوزير والخفير، الذي يقسو على كل مستهتر ليرحم المواطنين الصالحين، في ظل ظليل من صحافة حرة ومجلس شعب مأمول للخير والتقدم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.