في الساعة الخامسة من مساء الخميس الماضي تحدث المتحدثون بأن مجلس وزرائنا قد اجتمع، ودرس ما وقع من الأحداث في ذلك اليوم، وكلَّف رئيسه أن يحتج على الإنجليز؛ لأنهم تحدَّوا المتظاهرين في القاهرة، فاقتحمت السيارات البريطانية صفوفهم، وتركت منهم على الأرض صرعى كثيرين، منهم القتيل ومنهم الجريح؛ ولأنهم تحدوا السيادة المصرية، فأعطوا أنفسهم الحق في حفظ الأمن وإقرار النظام، على حين لا ينبغي أن ينهض بحفظ الأمن وإقرار النظام إلَّا السلطان المصري وحده؛ ولأنهم تحدوا أيسر المبادئ الإنسانية فأعملوا المتراليوز والبنادق السريعة في جمهور أعزل لا يريد بأحد شرًّا، وإنما دُفع دفعًا إلى أن يتقي الشر الذي صُبَّ عليه. وكان الإنجليز قد اتفقوا مع الحكومة المصرية من قبل على أن القاهرة محرمة على الجنود البريطانيين يوم الخميس، ثم نقضوا هذا الاتفاق لسبب غير معلوم. تحدث المتحدثون نحو الساعة الثامنة إذن بأن مجلس الوزراء كلف رئيسه الاحتجاج، ولكنهم تحدثوا أيضًا بأن رئيسهم وعدهم بأن يحتج ولكن بعد أن يعرف نتيجة التحقيق.

ولست أدري، أقدَّر الوزراء كل هذه الاعتبارات التي ذكرتها أم قدَّروا بعضها، أم قدَّروا اعتبارات أخرى غيرها؟ ولكنهم فيما يقول القائلون طلبوا إلى رئيسهم أن يحتج. وفي منتصف الساعة التاسعة تحدث المتحدثون بأن البريطانيين قد أرسلوا —أو هم يريدون أن يرسلوا — إلى الحكومة المصرية إنذارًا، وذهبت الإشاعات مذاهب مختلفة في التنبؤ بما اشتمل عليه هذا الإنذار. وبعد ذلك بلحظات قال القائلون: إن رئيس الوزراء سيتحدث إلى الشعب في الراديو. وفي الساعة التاسعة والربع تحدث رئيس الوزراء إلى الشعب، فحمل الدهماء — فيما يقول — تبعة ما وقع من الأحداث، وتحدث عن أشياء لم تُفهم بعد، وينتظر أن يجلوها التحقيق، ثم أعلن في صوت أراد أن يكون حازمًا ولكنه تخاذل وانهار كما ينهار البناء المتهدم أنه سيمنع المظاهرات، ويضرب على أيدي اللاعبين بالنار. وخلاصة هذا كله أن حوادث الخميس الماضي لم تكد تنقضي حتى نشأ سباق بين الوزارة المصرية والسفارة البريطانية إلى الاحتجاج. همَّت الوزارة المصرية أن تحتج، ولكنها لم تفعل، بل انتظرت نتائج التحقيق، ولم تهم السفارة البريطانية بالاحتجاج، ولكنها احتجت بالفعل ولم تنتظر تحقيقًا. ثم أذاعت في الوقت نفسه بيانًا إلى الشعب وإلى العالم، كما أذاع رئيس الوزراء بيانًا إلى الشعب. وهي في بيانها قد صنعت صنيع رئيس الوزراء مع اختلاف في اللهجة والتعبير، فألقت على الدهماء تبعة ما وقع من الأحداث، واتخذت من هذه الأحداث عذرًا عما كان من تقتيل الشعب والاعتداء على السيادة المصرية في أرض مصر.

وأكبر الظن أن في وزارتنا ضعفًا نشأ عن الهرم وتقدم السن، ومنع الوزارة من أن تسبق إلى الاحتجاج مع أنها صاحبة الحق فيه، فسبقتها إليه السفارة البريطانية، وكانت النتيجة الطريفة وهي أن يحتج القاتل على المقتول، ويتجنى المعتدي على المعتدى عليه.

ومهما يكن رد الحكومة المصرية على الاحتجاج البريطاني، فلن يكون له من قيمة، ولن يكون له خطر، فإن الحكومة الكريمة هي التي لا تنتظر أن يضطر الخصم إلى موقع الدفاع حين كانت طبيعة الأشياء والحقائق الواقعة تقفها موقف الغضب للحق المسلوب والدم المسفوك والكرامة المهانة والسيادة المضيعة.

ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن البريطانيين احتجوا مشافهةً يوم الجمعة وكتابةً يوم السبت، وتجاوزوا كل حد. فلم يكتفوا بالوزارة كأنهم لا يؤمنون لها ولا يعترفون بها، وإنما رفعوا احتجاجهم إلى جلالة الملك، وصرح صدقي باشا في الوقت نفسه بأن الموقف لم يسؤ مع أن الموقف كان قد بلغ أمس مساء أقصى غايات السوء، فالبريطانيون لم يكتفوا بالاعتداء على الشعب والاحتجاج على الحكومة، ولكنهم اعتدوا على الحكومة نفسها حين تجاوزوها ورفعوا احتجاجهم إلى صاحب العرش في بلد يقال: إنه دستوري، وإن فيه وزارة مسئولة أُنشئت لتتصل بالسفارات ولتتصل بها السفارات، ولتجنب العرش مثل هذه الاتصالات التي لا تلائم ما ينبغي له وللدولة من جلال وارتفاع عن التبعات مهما تكن! ولكن صدقي باشا يرى أن الموقف لم يسؤ. وأكبر الظن أن الموقف لن يسوء عند صدقي باشا إلَّا إذا اضطرته الظروف إلى أن يتخلى عن الحكم ويعود إلى نادي محمد علي يتندر فيه بالحكومات القائمة حين يصبح وحين يمسي، ويرسل منه إلى الأهرام أحاديثه اللاذعة عن تصرف هذا الوزير أو ذاك.

الشيء الذي ليس فيه شك هو أن وزارة صدقي باشا أبعد الوزارات عن ملاءمة الظروف التي تحيط بالحياة المصرية الآن من الناحية الداخلية والخارجية جميعًا، فكل شيء قد تغير منذ استقال صدقي باشا سنة ١٩٣٣، تغيرت الحياة الخارجية والظروف السياسية العالمية، فلم يبقَ خطر ولا قيمة للسياسة التقليدية الناعمة الملساء التي اعتمد عليها صدقي باشا مع السفير البريطاني في وزارته الماضية، وأصبح كل شيء يقتضي الحزم والجد والصرامة والاستعداد للمضي إلى آخر الشوط. وقد كان صدقي باشا رئيسًا للوزراء أيام كان السير برسي لورين مندوبًا ساميًا، فهو قد تعود الحكم على أساس غير أساس الاستقلال، تعود الحكم على أساس أن الصوت البريطاني يجب أن يكون أرفع من الصوت المصري، ومع أنه أمضى مع الذين أمضوا معاهدة سنة ١٩٣٦، فإن عقليته ما زالت عقلية التسلط الإنجليزي وعقلية التلطف مع الإنجليز.

وتغيَّرت الحياة المصرية الداخلية، فأصبحت للشعب آمال ومطامح لم تكن ظاهرة أثناء وزارته الأولى، ووجدت حكومات قدرت هذه الآمال وسعت إلى تحقيقها، وقويت بذلك ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بحقه في العدل الاجتماعي وتشدده في بلوغ هذا الحق مهما تكن الظروف.

وكان صدقي باشا يسخط في نادي محمد علي مصبحًا وممسيًا على هذا التطور، يهزأ مما كانت الحكومات تسميه إنصافًا، ويهزأ مما كانت الحكومات تسميه التيسير على الناس، ويعلن الإشفاق على ميزانية الدولة من جهة وعلى سلطان الأغنياء والأقوياء من جهة أخرى، ويخاف الخوف كله من إشعار الشعب بحقه وكرامته، ولا يجعل للأمة المصرية إلَّا غايةً واحدةً يراها المثل الأعلى في الرقي والنهوض، وهي أن تستصلح الأرض وتقوي صحة الشعب ليعمل الشعب لسادته، ولتنتج الأرض لهؤلاء السادة ما ينفقون بغير حساب. وليس أدل على ذلك من أن عقل صدقي باشا لا يزال الآن كما كان من قبل، يتحدث في السياسة فيفرق بين الخاصة والدهماء، فُطِرَ على أن في الناس كبارًا يتسلطون وصغارًا يخضعون، وفُطر على أن في الناس سادةً يمتازون وضعفاء يُستغلون. ومهما تحدث الأحداث من حوله، فهو لا يستطيع أن يغيِّر فطرته ولا أن ينشئ لنفسه مذهبًا جديدًا.

وصدقي باشا ليس منفردًا بهذه الفطرة المحافظة، بل له فيها شركاء كثيرون، يقبلون التطور السياسي والاجتماعي على مضض؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقاوموه فضلًا عن أن يمنعوه، وهم من أجل ذلك يجارونه متكلفين لا صادقين، ينتهزون به الفرص ويتربصون به الدوائر، تؤمن به ألسنتهم وتكفر به قلوبهم.

فصدقي باشا وأصحابه يعلمون حق العلم أن الدستور يسوِّي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين نابه وخامل. وصدقي باشا يعلم أن هذه المساواة إنما جاءت مطابقة لطبيعة الأشياء، فالناس جميعًا قد سلكوا إلى الحياة طريقًا واحدةً، ولدتهم أمهاتهم على نحو واحد، وهم سيخرجون من الحياة من طريق واحدة هي الموت، أخرجهم اللَّه من الأرض ويعيدهم إلى الأرض لا يفرق بينهم من ذلك في قليلٍ ولا كثيرٍ.

وصدقي باشا وشركاؤه يعلمون ذلك حق العلم، ولكنهم لا يحبون أن يؤمنوا به، ولا أن يطمئنوا إليه؛ لأنهم يحبون أن يمتازوا وأن يتفوقوا وأن يستعلوا وأن يستكبروا، وهم من أجل ذلك يذكرون الخاصة التي يجب أن تسود وتمتاز، والدهماء التي يجب أن تذعن وتنقاد. وأغرب من هذا أن صدقي باشا وشركاءه يعلمون حق العلم أن الخاصة في مصر إنما هي خاصة بالمصادفة، خُلقت من تراب كما خلق غيرها من الناس، ولم تخلق من النار كما خُلقت الشياطين، ثم أتاح سوء النظام الاجتماعي لآبائها الأقربين أن يستغنوا بعد فقر، ويرتفعوا بعد ضعة، ويتعلموا بعد جهل؛ فأصبحوا خاصة ممتازين بحكم المصادفة، وكان من الممكن أن يظلوا كغيرهم من هذه الدهماء لا يمتازون بشيء.

من أجل ذلك يلاحظ المصريون أن حياتهم تتردد دائمًا بين عهدين: عهد تذكر فيه كثيرًا ألفاظ الدهماء والغوغاء والرعاع وما إليها من هذه الألفاظ التي تبين امتياز الممتاز وانقياد المنقاد، وهذا العهد هو الذي تستأثر القلة فيه بالحكم، فتفكر في نفسها أكثر مما تفكر في الشعب، وتعتد بامتيازها أكثر مما تعتد بقوة الشعب، وتعتمد على مهارتها أكثر مما تعتمد على تأييد الشعب، لا لشيء إلَّا لأن لديها امتيازًا تحرص على استبقائه، وتأبى أن تفرط فيه. فإذا سخط الشعب فسخط الشعب لا يعنيها ولا يضيرها ولا يؤذيها إلَّا حين يعرِّض مصالحها وامتيازها للخطر. وإذا طمح الشعب إلى الرقي وسمت نفسه إلى الكرامة وانصلاح الحال، فهذا هو الذي يقضُّ مضاجعها وينغص عليها الليل والنهار؛ لأن رقي الشعب معناه تحقيق المساواة، وهذا معناه إلغاء الامتياز، وإلغاء الامتياز معناه أن يصبح الناس جميعًا سادة، لا يستطيع واحدٌ منهم كصدقي باشا أن يتحدث في الراديو فيذكر الدهماء ويحمِّلهم تبعة ما وقع من الأحداث.

أرأيت أيها القارئ أن وزارة صدقي باشا هي أقل الوزارات ملاءمةً لظروف الحياة المصرية. الحياة المصرية الحاضرة تريد أن تكون في مصر وزارة تستطيع أن تثبت للإنجليز، وأن تقول لهم: لا، وأن تحتج عليهم حين يتجاوزون حدود المعاهدة، وأن تطلب إليهم في حزمٍ وصرامةٍ ألَّا يعبثوا بالوعود بعد أن بذلوها، وألَّا ينكثوا العهود بعد أن أكَّدوها، وألَّا تقيم جنودهم بعد أن انهزم أعداؤهم بمعونة مصر، وبعد أن انتقلت حماية الأمن العالمي إلى هيئة دولية عالمية.

وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء؛ لأنه لم يتعود إلَّا أن يفاوض السير برسي لورين المندوب السامي البريطاني. ولم يكد يمضي أسبوع، ماذا أقول؟! لم تكد تمضي أيام ثلاثة على تأليف وزارته حتى وقعت الأحداث، وأثبت صدقي باشا أنه أضعف من أن يحتمل العبء ويلائم الظروف الجديدة، فتخاذل وتواكل وترك الإنجليز يسبقونه إلى الاحتجاج، وأتاح لباطلهم أن يظهر ويستعلي، وفرض على حق المصريين أن يخجل ويستخفي؛ لأن صدقي باشا ليس من رجال هذا العصر في شيء.

والحياة المصرية في هذا العصر محتاجة إلى وزارة تشعر مع الشعب حين يشعر، تألم لألمه، وتشقى لشقائه، وتأبى أن تشبع وهو جائع، وتأبى أن تنعم وهو بائس، وتأبى أن تطمئن ودماؤه تُسفك بأيدي الإنجليز.

وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء، وآية ذلك أنه تحدث إلى الشعب بعد أن سفك دمه في القاهرة، فلم يعزه ولم يواسه ولم يعلن إليه أنه سينصفه بعد أن ظُلم وسيرد له حقَّه كاملًا، وإنما لامه وأنَّبه وألقى على الدهماء — أي على الشعب — تبعات الأحداث، ولم يكد يشير إلى الإنجليز المعتدين إلَّا في تلطف وتظرف وأدب واستحياء.

كل هذا لأن صدقي باشا وأمثاله في وادٍ، ولأن الشعب في وادٍ آخر. لتصدقني هذه القلة القليلة التي تتنافس في الحكم وتتهالك عليه أن عصر التسلط والامتياز قد انقضى، والتكلف وحده هو الذي يبقيه في مصر، ولكن التكلف لا يستطيع أن يمتد إلى غير غاية. فليرح هؤلاء السادة أنفسهم، وليريحوا من أنفسهم، وليقنعوا إن أُتيحت لهم القناعة، ولينعموا بما أتاح اللَّه لهم من ثراء وجاه ونعيم، وليخلوا بين الشعب البائس وبين الجهاد الكريم؛ لعل الشعب أن يظفر من حقِّه ببعض ما يريد، لعله أن يخفف ولو قليلًا من هذه البأساء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.