نحن مطالبون بالعمل في كل حين، كأنما هو الأمانة التي حملناها في هذه الدنيا لتعميرها، وفي هذه الفترة بالذات من حياتنا يصبح العمل فريضةً لا يجوز أن تغيب عنا لحظة واحدة.

ولعله لا يكفي أن نلتزم بالعمل، بل علينا أن نحبه، فليس مثل الحب طاقةً ودافعًا، بل لا يكفي أن نحبه، فمن حُسْن الطالع أن نحبه أكثر ولو درجةً واحدةً من الثمرة المرجُوَّة منه، حقًّا، إن الثمرة حق مشروع لكل عامل، ولكن شدَّ ما يتعرض الإنسان للمحن إذا أحبها أكثر من العمل نفسه، عند ذاك يمسي العمل مجرد وسيلة، وربما — عند الإحباط أو الضيق — استبدل الإنسان وسيلة بأخرى، فينزلق للتشتُّت أو يتهاوى في الضياع.

ولعل حب العمل أكثر من ثمرته هو الذي سندَ العبدَ لله في سنوات طويلة من الإحباط لم تَلُحْ له فيها بارقة أمل، لكنني وجدت في العمل غايةً تُغنِي عن أية غاية، وبرغم المرارة أحيانًا فلم تخلُ الحياة من بهجة وتطلُّع ونشاط. من هنا يكتسب الصبر معنًى جديدًا، فلا يعني الرضا بالواقع بدون قيد أو شرط، ولكنه يعني العكوف على العمل، والعمل وحده، مع الإيمان المطلق به وبالقيم السامية في الحياة. هو صبر إيجابي لا سلبي، متحرك غير جامد، متوكل لا متواكل، لا يضع في حسابه الحظ أو الخرافة. هو صبر ديمقراطي أيضًا إن صحَّ هذا التعبير، ينظر حوله بعين فاحصة، ينقد ويعارض بلا حقد، يقول للمحسن: «أحسنت»، كما يقول للمسيء: «أسأت»، ينكر الانتهازية، ويحتقر الوسائل غير المشروعة، ويترفَّع عن الصغائر، ويتحمل العناء، ولكنه يرفض الهزيمة والضياع، فلا تعجب إذا قَيَّضَ له الله أن يكتسح في طريقه الانتصارات الرخيصة، والنُّفايات والبهارج الكاذبة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.