هل رضي القُصَّرُ الغافلون؛ فقد رضي الأوصياء المعصومون؟!

وأظنك تعرف القُصَّر الغافلين مَنْ هُمْ؛ فهم المصريون جميعًا، وأظنك تعرف الأوصياء المعصومين مَنْ هم؛ فهم الإنجليز والوزراء الذين يُعِينُونَ على تنفيذ سياسة الإنجليز؛ فالمصريون قُصَّر غافلون ما في ذلك شك، يجهلون منافعهم، ويضيعون مصالحهم، ويسرفون في أموالهم، ويبددونها تبديدًا، ويزدرون كراماتهم، وينتهكون حرماتهم، لا يرعى القوي منهم حرمة الضعيف، ولا يحفظ العزيز منهم حقًّا للذليل، ولا يُقَدِّرُ الحاكم منهم كرامة للمحكوم.

كانوا كذلك قبل أن يمسهم الإنجليز بجناح من رحمة، وكانوا كذلك قبل أن يدركهم الإنجليز بشيء من عطف ومعونة وإحسان، كانت بلادهم مستقر الظلم والجَوْرِ، وكانت أرضهم مرتع الفوضى والاضطراب، كانوا نهبًا للناهب، وغنيمة للغالب، ومطمعًا للطامعين. فما هي إلا أن يقبل الإنجليز؛ فإذا أبواب السماء تتفتح لهم بعد أن كانت مغلقة من دونهم، وإذا ينابيع الخيرات تُفَجَّر لهم من الأرض تفجيرًا بعد أن كانت ناضبة ليس فيها قطرة من ماء ولا ذرة من نعيم، وإذا هم يَعِزُّون بعد ذل، ويغنون بعد فقر، ويجدون نعيم الحرية وقد كانوا عبيدًا!

ثم تمضي الأعوام والأعوام وقد طُرِدَ الذل والبؤس عن مصر طردًا، وذهبا يتلمسان في الأرض العريضة موطنًا آخر، وأخذ المصريون ينعمون حتى أبطرتهم النعمة، ويسعدون حتى دفعتهم السعادة إلى الأشر، وما هي إلا أن تحين الفرصة إذا هم يعلنون السخط ويجهرون بالغضب، ولا يترددون في الكفر بالنعمة وجحود الجميل والإساءة إلى المحسنين، وإذا هم يضطربون ثم يثورون ثم يُلِحُّون في طلب الاستقلال، ثم يسفكون في سبيل ذلك دماءهم، ويحتملون في سبيل ذلك الأهوال والخطوب، والإنجليز مع ذلك يصبرون ويصابرون، ويأخذون هؤلاء القُصَّرَ الغافلين بالرفق واللين، ويقولون لأنفسهم: أطفال يلعبون! فإذا كانت أصول التربية لا تسمح بأن يُمنَح الأطفال كل ما يريدون، فإنها تُوجب أحيانًا ألا يُحرَموا كل ما يريدون!

وما ضرنا أن ننزل لهؤلاء الأطفال عن بعض ما يسمون إليه ويطالبون به، وأن نمنحهم شيئًا من هذه اللعب التي يَتُوقون إليها، ونعطيهم شيئًا من هذا الاستقلال ليلعبوا به أيامًا أو أشهرًا أو أعوامًا، حتى إذا شبعوا من اللعب وزهدوا في اللعبة أخذناها منهم، ورددناها إلى ذلك الوعاء الذي نحفظ فيه للأطفال لعب الأطفال، وللشعوب التي تطلب الاستقلال حقوقها في الاستقلال.

وكذلك أعلن الإنجليز أننا مستقلون، وكذلك صدق الأطفال أنهم مستقلون؛ فأخذوا يسيرون سيرة المستقلين، وأخذوا يطمعون في أن يديروا أمورهم بأنفسهم، ويَسُوسُوا مصالحهم دون تدخل الأوصياء، بل بدون استشارة الأوصياء.

وكاد أن يصبح جدًّا ما مزح الإنجليز به، وكاد هذا اللعب أن يجر إلى أمور ليست من اللعب في شيء، وكاد الأطفال أن يستقلوا حقًّا، وكاد القُصَّر أن يَرْشُدُوا، وكادت مصر أن تبلغ ما كانت تريد؛ هنالك انزعج الأوصياء ورأوا أن الأمر خليق بالتفكير وخليق بالعمل وخليق بالحزم، وما أسرع ما فكروا وعملوا وكانوا حازمين! وما أسرع ما ردوا الأمر إلى طبيعته فجعلوه لعبًا بعد أن كاد يصير جدًّا، وجعلوه لهوًا بعد أن كاد يصبح حقًّا لا شك فيه!

قالوا للمصريين الذين كانوا ينظرون إلى أمورهم نظرة الجد: إليكم عنها، دعوا هذه الأمور؛ فلم تُخْلَقُوا لها ولم تُخْلَقْ لكم؛ أنتم لا تحسنون اللعب، ولا تتقنون المزاح، أنتم تزعمون أنكم مستقلون مع أن أوان استقلالكم لم يأن بعد، وما زالت بينكم وبين هذا الاستقلال طرق بعيدة ساحقة وآماد عريضة واسعة؛ فانتظروا حتى يدنو النئي ويقرب البعيد، ودعوا أماكنكم لقوم آخرين يحسنون اللعب إذا دُعُوا إليه، ويجيدون العبث إذا رغبوا فيه.

وهَمَّ المصريون الذين كانوا يظنون أنهم مستقلون، همُّوا أن يمتنعوا وأن يخالفوا؛ فقيل لهم: لا تسرفوا ولا تفرقوا؛ فقد أخذناكم بالرفق حتى ظننتم بنا العجز، وسُسْنَاكُم باللين حتى قَدَّرْتُم أننا ضعفاء، فإمَّا أطعتم وتركتم هذا الجد للذين يحسنون اللعب في مواطن اللعب، وإلا فانظروا فهذه بنادقكم أنتم، ومدافعكم أنتم، وسياطكم أنتم، وعصيكم أنتم مهيأة للعمل، وهذه سجونكم أنتم مفتحة الأبواب، فيها من الغرف الضيقة والواسعة، وفيها من العمل الخفيف والعنيف ما ينتظركم إن أبيتم الطاعة وأصررتم على الخلاف.

وَهَمَّ المصريون أن يقاوموا؛ لأنهم كانوا قد أخذوا يقتنعون بأنهم مستقلون، وكانوا قد أخذوا يؤمنون بأنهم أحرار في بلادهم يُصرِّفون أمورهم بأنفسهم كما يحبون لا كما يحب غيرهم من الناس، ولكن البنادق نطقت فعرفت كيف تُسْكِتُ الناطقين، ولكن السياط والعصي تحركت فعرفت كيف تضطر المتحركين إلى السكون، ولكن أفواه العذاب تفتَّحت عما فيها من الشر فعرفت كيف تُلْجِمُ أفواه الأحرار.

ورُدَّ المصريون الذين كانوا يرون الاستقلال جدًّا، ويقررون أنه حق إلى حيث لا يستطيعون أن يقولوا ولا أن يعملوا ولا أن يتحركوا، وجِيءَ بمصريين آخرين ليسوا من السذاجة وسلامة القلوب بحيث يصدقون كل ما يُقال، وإنما هم مهرة مكرة، لهم براعة وفيهم لباقة، يلعبون ويخيلون إلى الناس وإلى أنفسهم أنهم يجدون، يأتمرون ويخيلون إلى الناس وإلى أنفسهم أنهم يأمرون، يطيعون ويخيلون إلى الناس وإلى أنفسهم قبل الناس أنهم يبتكرون.

ومن ذلك اليوم رُدَّت الأمور إلى نصابها واستقرت الأمور في أماكنها، وعاد الاستقلال كما كان يوم تمخضت عنه وزارة الخارجية البريطانية لعبًا لا جدًّا، وباطلًا لا حقًّا، ولهوًا يعجب الناظرين.

ومن ذلك اليوم اجْتُثَّت الفوضى من أصولها، وصلحت الأمور بعد فسادها، واستقرت نفوس الناس واستراحت ضمائرهم، وانتظمت حركة القلوب في الصدور، وأفاق المصريون من ذلك الحلم الذي خَيَّلَ إليهم أنهم كرام أحرار مستقلون.

نعم؛ من ذلك اليوم ظهر فضل الأوصياء المعصومين، وظهر نقص القُصَّرِ الغافلين، واستيقن العالم المتحضر كله أن هذا الشعب المصري المغرور كان يطمع في غير مطمع، ويسمو إلى غير ما يجب أن يسموا إليه أمثاله من حياة الأحرار الراشدين. منذ ذلك اليوم ظهر أن المصريين كانوا قد أفسدوا أمورهم حقًّا، وأن صدقي باشا وأصحابه وخلفاءه، قد أقبلوا فقوَّموا المعوج، وأصلحوا الفاسد، ورفعوا مصر بعد أن خفضها أولئك الأحرار.

ولا تَنْسَ أن الأمر لعب كله؛ لأن الإنجليز يريدونه على أن يكون لعبًا كله، كانت الرشوة قد فَشَتْ في مصر حين كان الأحرار ينهضون بأمورها؛ فجاء صدقي باشا وأصحابه؛ فمحوا آثار الرشوة محوًا، وعفوها تعفية، وأشهدوا العالم على أن وزارتهم أطهر الوزارات وأنقاها، وأحزم الوزارات وأصلبها في الحق، وأقساها على المفسدين.

وكان الظلم قد فشا في مصر حين كان الأحرار ينهضون بأمورها، فجاء صدقي باشا وأصحابه فأقنعوا العالم المتحضر كله بأن وزارتهم أعدل الوزارات وأرشدها، وأدناها إلى الخير، وأحرصها على الرفق، وأعنفها على أصحاب الجور. وشهد بذلك الأجانب وشهد بذلك الإنجليز.

ثم لم يلبث أن رُفِعَ ستار، وإذا مفاجأة لا تشبهها مفاجأة، وإذا المندوب السامي يُنْقَلُ. لماذا؟! لقد كانت الأمور مستقرة، والأحوال مستقيمة، والعدل موفورًا، ومصالح الناس مرعية، والصلة بين المصريين والإنجليز متينة نقية، واللعب مستمرًّا على أحسن ما يستمر اللعب.

ولكن هذا النقل نفسه لون من ألوان اللعب، وفصل من فصول القصة الهازلة.

ثم يُرفَع ستار وإذا مفاجأة أخرى ليست أقل من المفاجأة الأولى خطرًا، صدقي باشا يهوي عن الحكم، وعبد الفتاح باشا يصعد إلى منصب الحكم. لماذا؟! لأن الأمور تجري على أحسن ما تجري عليه الأمور، ولأن الاستقلال يمضي على أحسن ما يمضي عليه الاستقلال، ولأن الدستور يُرعَى كأحسن ما يُرعَى الدستور، ولأن المصريين لم يفرغوا بَعْدُ من اللعب. فقد كانت سياسة صدقي باشا حسنة جدًّا؛ حتى أعلن خليفته أنه سيمضي فيها ولا ينحرف عنها، وكانت سياسة صدقي باشا سيئة جدًّا، حتى أخذ خليفته يكشف عن بعض ما اشتملت عليه من الآثام والموبقات، وإذا حكاية القطن، وإذا حكاية الكورنيش، وإذا حكاية الاستبدال، وإذا حكايات لا تُحصَى كانت كلها شرًّا اقترفته سياسة صدقي باشا وكشف عنه الرجل الطيب.

ولكن سياسة صدقي باشا على ذلك كانت كلها خيرًا؛ فالرجل الطيب ماضٍ في تنفيذها، يسلك نفس الطرق التي كان يسلكها رئيسه القديم وخصمه الجديد!

والغريب أن يعلن الرجل الطيب أن سياسة صدقي باشا كانت خيرًا وأنه سينفذها، ولكنه مع ذلك يخاصم صدقي باشا ويناوئه ويرفع الستار بعض الشيء عن شيء يسير مما كان يخفيه عهد صدقي باشا السعيد.

هذا غريب عند أولئك المصريين القصر، الذين كانوا ينظرون إلى أمور مصر نظرة الجد، والذين كانوا يظنون أنهم مستقلون، والذين كانوا يحسبون أن الذين ينهضون بأمور الحكم يجب أن يحتملوا أثقالها حقًّا، وأغرب من هذا أن الإنجليز الذين كانوا يرضون كل الرضا عن صدقي باشا، قد أصبحوا يسخطون كل السخط على صدقي باشا ويرضون كل الرضا عن خليفته؛ فهم يدورون مع المصريين، مع المصريين المهرة يرضون إن رضوا، ويسخطون إن سخطوا، أو قل إن المصريين المهرة يدورون مع الإنجليز؛ فيظهرون الرضا حين يجب إظهار الرضا، ويظهرون السخط حين يحسن إظهار السخط.

وعلى هذا النحو كان صدقي باشا نعمة الله على مصر؛ فأصبح صدقي باشا نقمة الله على مصر، وعلى هذا النحو كان عبد الفتاح باشا رجلًا لا خير فيه يحسن إخراجه من الوزارة وإقصاؤه عن حزب الشعب، ثم أصبح رجلًا فيه كل الخير، يَحْسُن أن يتولى رئاسة الوزارة، وأن يتولى رياسة حزب الشعب!

ويُرْفَعُ الستار وإذا مندوب سامٍ جديد يخلف مندوبًا ساميًا قديمًا، ولكن لماذا؟ لقد كان المندوب السامي القديم ماهرًا بارعًا موفقًا منتصرًا، ففيمَ ذهب وفيمَ أقبل خليفته؟! لأن المصريين والإنجليز ما زالوا في حاجة إلى اللعب، ولأن فصول القصة لم تنتهِ بعد، ولأن مصر مدرسة من مدارس التمرين، يتعلم فيها كبار الإنجليز فنون الوصاية على القُصَّر والإشراف على أمور الغافلين، ولأن الإنجليز لا يريدون أن يستأثر السير برسي لورين بالكفاية، والمهارة، والبراعة، والانتصار، وإنما يريدون أن يأخذ المندوب السامي الجديد من هذه الخصال السياسية العليا بنصيب.

وكذلك أقبل المندوب السامي الجديد محايدًا كما كان المندوب السامي القديم محايدًا، متدخلًا كما كان المندوب السامي القديم متدخلًا، مصانعًا كما كان المندوب السامي القديم مصانعًا، مظهرًا مع ذلك شيئًا لم يكن يظهره المندوب القديم؛ وهو الميل إلى الإنصاف والإنقاذ والإصلاح الذي يَرُدُّ إلى المصريين شيئًا من الطمأنينة، وحظًّا من الرضا وراحة البال، والذي يلهي المصريين قبل كل شيء عن السياسة العليا؛ لأن المصريين لا يصلحون للسياسة العليا، ولا ينبغي لهم أن يسموا إليها، وحسبهم أن يأكلوا ويشربوا ويناموا، ويعيشوا عيشة الحيوان الذي لا يشقى بالعقل ولا بالتفكير.

فهل رضي القصر الغافلون كما رضي الأوصياء المعصومون؟! وهل أحب المصريون هذه الحياة الحلوة الوادعة، التي لا يُكلَّفون فيها مشقة ولا جهدًا ولا عناء، وإنما يقوم عنهم غيرهم بالأعباء، ويحتمل عنهم غيرهم تكاليف الحياة؟! وهل آمَنَ المصريون بأن الراحة خير من التعب، وبأن اللعب خير من الجد، وبأن الحياة لا تستحق قلق النهار وأرق الليل، وإنما هي لذة يجب أن تُغْتَنَمَ، وفرصة يجب أن تُنْتَهَزَ، وأيام يجب أن تمر؟! وهل قنع المصريون بأن أبواب اللعب ما زالت أمامهم مفتوحة، بشرط أن يفهموا اللعب على وجهه؛ فلا يجدُّوا حين يُطلَب إليهم المزاح، ولا يعتقدوا أنهم مستقلون حين لا يُطلَب إليهم إلا أن يتوهموا ويوهموا الناس أنهم مستقلون؟!

أما إنْ قَبِل المصريون هذه الشروط فليس من شك في أن أمورهم ستُرَدُّ إليهم ردًّا، وليس من شك في أنهم سينعمون من الحكم بمثل ما نعمت به الوزارة الساقطة، وبمثل ما تنعم به الوزارة القائمة، وليس من شك في أنهم سيكسبون عطف الإنجليز وحبهم ومعونتهم وتأييدهم.

أليس في مناصب الحكم ما يغريهم؟! أليس في عطف الإنجليز ما يسيل لعابهم ويملأ قلوبهم شوقًا وحنينًا؟! أليس فيما يلقون من الألم، وما يحتملون من الجهد، وما يقاسون من المشقة ما يحبب إليهم هذا الذي يدعون إليه؟!

كلا؛ لأن هناك إلى جانب هذه الأصوات الحلوة المغرية أصواتًا أخرى مُرَّةً عنيفة مخيفة تمتلئ بها قلوب المصريين وعقولهم وضمائرهم؛ وهي أصوات الوفاء للمجد المصري القديم، وأصوات النهوض بأمانة المجد المصري الحديث، وأصوات هؤلاء الشهداء الذين سقطوا في ميدان الشرف، وهم يدعون بحياة الاستقلال. هذه الأصوات ترد المصريين — وستردهم دائمًا — عن أن يلعبوا بحقوق مصر، أو يقصروا في الذود عن مصر، أو يرضوا لمصر شيئًا غير الذي كان يطلبه أولئك الذين صعدت نفوسهم إلى السماء، وهي تدعو بحياة الاستقلال.

كلا؛ لم يرضَ القُصَّر الغافلون ولن يرضى القُصَّر الغافلون، وإنْ رَضِيَ الأوصياء المعصومون!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.