قل: إنه كان أمس، وقل: إنه ما زال متصلًا اليوم، فقد احتفلت الأسرة القضائية به واتصل بأول العام فلم يكن عيدًا لمعنى واحد، بل كان عيدًا لمعنيين أو لمعانٍ مختلفة كثيرة لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكان غيره من الأعياد الخليقة بهذا الاسم حافلًا بما يملأ النفوس بهجة وحبورًا، وبما يثير في القلوب ألمًا وحزنًا. فأين المصري الذي لا يبتهج ولا يغتبط حين يرى أسرة القضاء مبتهجة مغتبطة؛ لأنها تحيي عيدها الذهبي، وتودع نصف قرن أنفقته جاهدة، مخلصة صادقة في إحياء العدل وتأمين الناس على أحب ما يطمعون في الأمن عليه وفي إحياء مصر بالعدل ورفع ذكرها بين الأمم وإعلاء كلمتها بين الشعوب وتستقبل نصف قرن جديد — أو قل: تستقبل الزمان كله — بقلوب يملؤها الإيمان بالعدل والحرص على حمايته، وصيانته والارتفاع به عن أغراض الحياة وأمراضها التي تفسد على الناس أمورهم، وتشوه مثلهم العليا وتردهم لولا العدل إلى حياة لا تليق بالإنسان؟ أين المصري الذي لا يبتهج حين يرى أسرة القضاء مبتهجة، بتوديع ما ودعت من أيامها الخصبة، واستقبال ما تستقبل من أيامها السعيدة؟ بل أين المصري الذي لا يشعر بأن ابتهاج الأسرة القضائية إنما هو ابتهاج مصر كلها، وعهد لمصر على الزمان أنها ستمضي جادة في طريق مستقيمة يسيرة إلى الرقي واستكمال حظها الطبيعي من الاستقلال؟ كل المصريين كان مشاركًا لأسرة القضاء في عيدها أمس، وكل المصريين كان سعيدًا بهذا العيد، وكل المصريين كان يشعر أمس بما كانت تشعر به أسرة القضاء من العزة والكرامة، وكان يشعر بما لم تكن تشعر به أسرة القضاء من حب لها وازدهاء بها، واستشعار لهذه العزة المقدسة التي يشعر بها الرجل الحر في بلد حر يظله قضاء حر.

ولكن أين المصري الذي لم يكن يشعر في الوقت نفسه أمس بحزن لاذع وألم ممض حين يرى السياسة تدخل بين أسرة القضاء فتفرقها فريقين، وتشقها قسمين، وتدفع طائفة منها إلى الأوبرا وسيمراميس وطائفة أخرى إلى فندق هليوبوليس؟

ليقل أنصار الوزارة ما يقولون، وليقل الوزراء أنفسهم ما يقولون؛ فلن يستطيعوا أن ينكروا أن السياسة قد اقترفت أمس إثمًا عظيمًا، وأن أسرة القضاء كلها قد أحست أمس ما أحس المصريون جميعًا من الحزن اللاذع والألم الممض لهذه الفرقة التي لم يكن يدعو إليها داعٍ، ولا يدفع إليها دافع لولا هذه الأهواء التي تعبث بنفوس الساسة فتُحمِّلهم وتُحمِّل غيرهم من الأبرياء شططًا ما كان ينبغي أن يحتملوه. لقد كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها هذا العبء الذي لا طاقة لها بها؛ عبء التفريق حين يجب التأليف. ولقد كانت تستطيع أن تجنب أمتها هذا الألم الذي لم تكن في حاجة إليه؛ ألم النظر إلى الإخوة يشتركون في الابتهاج بالعيد، ولكنهم لا يستطيعون أن يجتمعوا لإظهار هذا الابتهاج؛ فيظهره كل فريق منهم بمعزل عن صاحبه، تأتلف القلوب والنفوس، وتفترق الأجسام والأصوات؛ لأن هذا السلطان السياسي المادي قد منع الأجسام والأصوات من أن تجتمع وتلتقي. كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها وتجنب الأمة هذه الفرقة التي حدثت أمس فآلمت المصريين وصورتهم في نفوس الأجانب تصويرًا لا يلائم الحق ولا يمثل الواقع؛ لأن المصريين ورجال القضاء منهم بنوع خاص متفقون غير مفترقين ومؤتلفون غير مختلفين، ولا سيما في حب العدل وإكبار القضاء.

كانت الوزارة تستطيع ذلك لو أنها استطاعت أن تضبط نفسها وتكبح ميولها وأهواءها وتنسى السياسة في أشياء لا ينبغي أن تدخل فيها السياسة، وتذكر المثل العليا في أشياء لا ينبغي أن يذكر فيها إلا المثل العليا. وقد أشار إلى ذلك قاضي القضاء أمس في عبارة مهما تكن رفيقة، فقد كانت لاذعة شديدة القسوة، مصورة لما كان يحسه القضاة ورجال النيابة أمس من الألم لاضطرار المحامين إلى ألا يشاركوهم في أعيادهم المادية وإن شاركوهم في أعيادهم المعنوية كلَّ المشاركة. ولست أدري كيف وقعت هذه العبارة الرفيقة القاسية على الوزارة وتصرفها من قلوب الوزراء وضمائرهم وقلوب أنصار الوزراء وضمائرهم؟ ولكني أعلم أنها وقعت من قلوب المصريين موقع الحكم على هذا التصرف الذي لا يوصف بأقل من أنه كان اندفاعًا مع العواطف الجامحة، لا سلطان للإرادة الهادئة المطمئنة عليه.

كان المصريون جميعًا مبتهجين أمس مع أسرة القضاء، وكان المصريون جميعًا محزونين أمس مع أسرة القضاء. وكان الوزراء لو فتشت عن قلوبهم وقرأت في نفوسهم في موقف يشبه موقف الحياد لا يبتهجون ولا يبتئسون، وإنما يؤدون عملًا من هذه الأعمال الرسمية، وينهضون بتكليف من هذه التكاليف التي لا ينهض بها الوزراء في أيام الحفل والأعياد.

وبينما كان المحامون مجتمعين في هليوبوليس، وكان إخوتهم مجتمعين في سيمراميس كان المصريون يتحدثون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا أفادت الوزارة من هذا الاندفاع وما انتهى إليه من التفريق؟ أرادت أن تخرج مكرمًا من نقابة المحامين فجمعت حوله قلوب المحامين على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وآرائهم، وأتاحت للأستاذ فكري أباظة أن يلقي كلمته البليغة أمس فيسجل فيها أن الحكومة والبرلمان لو أرادا تكريم هذا الرجل وتسجيل إكبارهما له وإعجابهما به لما بلغا من ذلك ما بلغاه أمس حين أرادا إقصاءه عن نقابة المحامين. أرادت أن تظهر قوة وبأسًا وأن تبين أنها قادرة على أن تأمر فتكره الناس على إنفاذ ما تأمر به، فلم تزد على أن جمعت أكثر من ثلاث عشرة مائة من المحامين أقبلوا من أقطار مصر كلها ليظهروا — وقد أظهروا بالفعل — تضامنهم واحترامهم لأنفسهم وحسن فهمهم لمعاني العدل والإنصاف والمحاماة والقضاء.

وفيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن عدد المحامين الذي كانوا يجتمعون في هليوبوليس قد أربى على الألف، وكلهم منكر لما فعل الوزراء، ساخط على ما فعل الوزراء، يحكم عليه في قسوة حازمة عادلة لا تقبل هوادة ولا لينًا؟ فيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن ألفًا ونصف ألف من المصريين المثقفين الممثلين في غير شك لأقطار مصر قد اجتمعوا ليقضوا على تصرفها قضاء لا لين فيه؟ لم يكونوا يفكرون في شيء، إنما كانوا يستمعون لغناء أم كلثوم وتوقيع الموقعين، ويشهدون مناظر الرقص مع الشاهدين. أما الذين كانوا يقدرون اجتماع هليوبوليس ويفهمون مغزاه ويتمثلون نتائجه ويتخذونه مقياسًا للحكم على تصرف الوزارة، هم المصريون الذين لم تفكر فيهم الوزارة، وإنما فكرت في نفسها، ولم تحفل بهم الوزارة وإنما حفلت بنفسها.

كان أمس عيدًا، وكان كغيره من الأعياد حافلًا بالمواعظ البالغة والعبر النافعة، ولكنه لم يكن على ذلك يخلو من الفكاهة. والله عز وجل رفيق بالناس عطوف عليهم يبتليهم بالحزن، ويمتحنهم بالألم، ولكنه يسوق لهم ما يبعث في نفوسهم العزاء، ويسري عنهم من الهم بعض ما يجدون. فقد كان المحامون أمس يجتمعون إلى الشاي ويجتمعون إلى الخطب، وأي خطب؟ كلها جِدٌّ حازم صارم كأنه العدل. وكانت الوزارة في الوقت نفسه تحيي لرجال القضاء حفلة ساهرة لا بأس بها ولا غضاضة فيها على القضاة. ولكنها على كل حال لم تكن تحب التقاليد ولا توافقها ولا تطمئن إليها. فليس بالغناء بأس فيما يقال، وليس بالتوقيع بأس فيما يذاع من كلام الناس. ولكن الغناء والتوقيع في رمضان لا يوافق التقاليد، وإنما تلاوة القرآن الكريم هي التي تلائم التقاليد لو فكر وزير التقاليد، بل لو فكرت وزارة التقاليد، فأما مناظر الرقص، وما أدراك ما مناظر الرقص! ففيها قولان؛ فأما المعتدلون فلا يرون فيها بأسًا بشرط أن لا يكون الشهر شهر الصوم، وأما المتحرجون فيرون فيها البأس كلَّ البأس، في شهر الصوم وفي شهور الإفطار. وأما التقاليد فتحرمها في معهد التمثيل وتبيحها في سيمراميس بمحضر من كبار الدولة ووجوهها. وأما شيخ الأزهر ورجال الدين وعبد الحميد أفندي سعيد فلا يقولون شيئًا الآن؛ لأنهم في شغل بطاعة الله عن نقد الناس.

لتسعد أسرة القضاء كلها بعيدها أمس ولتكن أيامها كلها أعياد! وليسعد المصريون بالقضاء وأعياد القضاء، ولتهنأ الحكومة بما أحرزت أمس من فوز أقل ما يوصف به أنه كان صورة صادقة للقوة البالغة والذوق الجميل!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.