بيد أن التجربة وإن فشلت فما زالت لها ذيول تجرها وتتعثَّر فيها، والوزارة الحالية ليست إلا ذيلًا من ذيولها، فلن تزيد التجربة إلا فشلًا على فشلها.

كذلك قال الوفد في ندائه الذي أخذت الصحف تذيعه منذ أمس، والذي أقره النواب والشيوخ السابقون الذين انتخبتهم الأمة يوم انتخبتهم في حريةٍ كاملة، ونزاهةٍ شاملة، لا حَجْر فيها ولا تقييد، لا ترغيب فيها ولا ترهيب، لا سلطان عليها إلا للضمير وحده. وليس من شك في أن هذا النداء لم يكَد يذاع في الناس حتى أحس كل منهم أنه إنما كان صورة لما يجِد في نفسه، وصدًى لهذا الصوت القوي الذي ينبعث من ضميره. المصريون جميعًا ومنهم أساطين هذا العهد السعيد يشعرون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم، واستمعوا إلى ضمائرهم بأن الأمر في مصر قد كان شرًّا كله في ظل تلك الدكتاتورية الساقطة، وأنه ما زال شرًّا كله في ظل هذه الدكتاتورية الناهضة، وكيف لا يكون الأمر شرًّا كله حين نهض صدقي باشا بالحكم فألغى البرلمان، وعطَّل الدستور وحكَم منفردًا تسنده القوة والقوة وحدها، لا يعتمد على حب الشعب، ولا يصدر عن إرادته، حتى إذا أصدر الدستور الجديد، وأظهر تنفيذه وإجراء أحكامه، لم ينفذه إلا كما يحب هو وتحب القوة التي كانت تسنده، معطِّلًا حتى ما كان يشتمل عليه هذا الدستور الجديد من أحكام تكفل للمصريين أبسط حقوقهم في الحرية والعدل والمساواة.

فكان صدقي باشا يزعم لنفسه وللناس أن مصر تجري أمورها على خير ما تجري عليه أمور البلاد الدستورية، وكان صدقي باشا يخلو إلى نفسه، وكان أصحابه يخلون إلى أنفسهم، فيؤمنون بأن الحياة الدستورية في ظل هذا الدكتاتور الطاغية لم تكُن إلا وهمًا، وأن المصريين كانوا يُحكَمون حكمًا لا ترضاه الإنسانية المتحضرة. ومتى رأينا الإنسانية المتحضِّرة في هذا العصر الحديث تأخذ الناس بتحكم فردٍ واحد فتمنعهم من الحركة إلا له، ومن الانتقال إلا إليه، ومن إلقاء الخطب إلا في مدحه والثناء عليه؟ ومتى رأينا الإنسانية المتحضرة ترضى أن يسلط بعض الناس على بعض في غير احترام للحق، ولا اعتراف بالعدل، ولا تنفيذ للقانون. حتى إذا انتهى الأمر إلى القضاء، فأظهر شَرَّه ونُكره، أبت الوزارة، أو أبى رئيسها أن يصلح ما أعلن القضاء فساده، أو يُقوِّم ما أثبت القضاء اعوجاجه، كأن اتصال الفساد، وانتشار الشر، وحماية المفسدين والأشرار: ضرورةٌ لبقائه في الحكم. وبقي في الحكم يغري بعض الناس ببعض ويبسط يد بعضهم على بعض، لا يتحرَّج من ذلك، ولا يأبى أن يزعم أنه العدل والإنصاف والإصلاح.

كان هذا كله، لا يستطيع صدقي باشا أن يجادل فيه، ولا يستطيع أصحاب صدقي باشا أن ينكروا منه قليلًا ولا كثيرًا. وكان مع هذا كله شر عظيم أفسد أخلاق الناس وقطع ما بينهم من صلات المودَّة والقربى. فهذا الصديق يتنكَّر لصديقه خوفًا من السلطان، وهذا الصديق يكيد لصديقه ابتغاء مرضاة السلطان، وهذا الموظف يقترِف الإثم، وهو يعلم أنه يقترف الإثم يُقدم على ذلك كارهًا لأنه يخاف السلطان، أو يقدم على ذلك راضيًا لأنه يتملَّق السلطان. وهؤلاء المصريون قد انتشروا في أقطار الأرض يتجسَّسون ويتحسَّسون، وينقلون أنباء الناس ما ظهر منها وما بطن، ويخترعون من هذه الأنباء ما لا يصور حقًّا ولا واقعًا؛ طمعًا فيما يعطيهم السلطان من المال.

كل هذا كان، وكان معه شر عظيم أصاب الناس في أرزاقهم وأقواتهم؛ حتى عجز الآباء لا أقول عن أن يُعلِّموا أبناءهم أو يُرَفِّهُوا عليهم، بل عن أن يكسبوا لهم ما يحتاجون إليه من أيسر القوت، وحتى اضْطُرَّتْ أُمٌّ إلى أن تعرض ابنتها للبيع على المصلين، وهم يخرجون من بيت من بيوت الله. وحتى اضْطُرَّ أَبٌ إلى أن يُضْرِمَ النار في أبنائه، وفي زوجه، وينظر إليهم يائسًا بائسًا، قانطًا حتى من رحمة الله، والنار تمشي في أجسامهم مشيًا.

كل هذا كان، وكان معه شَرٌّ عظيم أرخصَ على الناس نفوسهم ودماءهم، وأحلَّ للناس ما حرَّم الله، فأسرفوا في القتل بغيًا وعُدوانًا، وانتهكوا حُرُمات الدين والقانون جهرًا وسرًّا، وتَحَدَّوُا السلطان وقتلوا من جنده وشرطته، يدفعهم إلى ذلك ما هم فيه من اليأس وسوء الحال.

كل هذا كان، وكان معه شر عظيم ذل له المصري أمام الأجنبي، وعزله الأجنبي برغم المصري. فكانت كلمة الأجنبي مسموعة نافذة، ورأي المصري مهدرًا مرفوضًا، وكانت ثروة الأجنبي تنمو ويَطَّرِدُ نُمُوَّهَا، وكانت ثروة المصري تذوب وتذوب، حتى لا يبقى منها شيء، وكانت الشركات الأجنبية تظفَر بكل عون وتسعد بكل تأييد، بينما كانت ظهور المصريين تلهبها السياط إلهابًا، وبينما كانت أيدي المصريين وأرجلهم تعمل فيها القيود والأغلال.

كل هذا كان، وكان معه شر عظيم آثَرَ السلطان فيه فريقًا من الموظفين على فريق، وأفسد السلطان فيه ما يجب أن يكون بين خُدَّامِ الدولة من تعاوُن صادق قوامه النصح والإخلاص، وفرض السلطان فيه أولياءه وأصفياءه على الناس فرضًا، وآثرهم بالخير كله وترك لغيرهم البؤس والذل والهوان. وانتهى كل ذلك إلى أقبح ما ينتهي إليه الشر من الفشل والإخفاق، فلا صدقي باشا مدت له أسباب الحياة السعيدة الناعمة، ولا صدقي باشا ضمن له البقاء في الحكم والاحتفاظ بالسلطان؛ لأن الخصوصية لا تترك بوضع مبالغ كبيرة تحت تصرفه.

… الذي يمكنه من تسليم البضاعة للإنجليز، وإنما أضاع صدقي باشا صحته، وفقَد منصبه، ورد إلى شر ما يرد إليه المتجبرون، والأمة التي سلط عليها ما سلط من البأس وصب عليها ما صب من العذاب، تنظر إليه ساخرة حائرة، تشمت فيه ليكون عبرة للطغاة ونكالًا لمن يحاول ظلم الأمم والشعوب، أم ترثي له وتُشفق عليه لأنه على كل حال مصري، قد طغى وبغى ثم لقي جزاء البغي والطغيان، فكان جزاءً ثقيلًا وبيلًا.

فأوفد حين صور هذا الشر كله للناس في ندائه لم يصور لهم إلا ما يحسون ويجدون، ومن المحقَّق أن الوفد لم يخطئ ولم يتجاوز الصواب في قليل ولا كثير حين أنبأهم بأن التجربة المنكرة قد فشلت، ولكنَّ لها ذيولًا ما تزال تجرها وتتعثر فيها، وهذه الذيول كثيرة قد تطول إلا أن تقطعها الحوادث قطعًا وتبتُرها الخطوب بترًا؛ فسقوط صدقي باشا لم يَرُدَّ إلى الناس حريتهم، وإنما ظلت هذه الحرية سجينة قد بولغ في سجنها، أسيرة قد تشدد خلفاء صدقي باشا في أَسْرِهَا، وظلت ذيول الظلم والقهر مجرَّرة في أقطار مصر تمنع الناس أن يقولوا ما يشعرون به، أو أن يأتوا من الأمر ما يريدون. ما تسخير الجنود في رشيد؟ ما تسخير الجنود في القاهرة يوم الأحد؟ ما تسخير الجنود في القاهرة أمس؟ إنما هو ذيل من ذيول التجرِبة المُخفِقة ما يزال يخطر بين الناس فيصيبهم بالأذى من يمين، ويصيبهم بالأذى من شمال.

نعم، وسقوط صدقي باشا لم يَرُدَّ على الناس رخاءهم وثراءهم، ولم يبسط لأحد منهم في الرزق، ولم يمكنهم من أن يدفعوا الجوع عن أبنائهم وبناتهم وعن أخواتهم وأمهاتهم، وإنما هم اليوم كما كانوا أمس بائسين يائسين، مُعدَمين محرومين. نعم، وسقوط صدقي باشا لم يحقن لهم دماءهم، ولم يحفظ عليهم نفوسهم، وإنما ظل الأمن كما كان مضطربًا مختلًّا، وظل الخوف كما كان باسطًا ظِلَّهُ المنكر على المدن والريف جميعًا.

نعم، ولم تعلُ كلمة المصريين على كلمة الأجانب ولم يصبح المصريون أحرارًا في بلادهم، أَعِزَّةً في وطنهم، وإنما هم اليوم كما كانوا أمس خاضعين لما شاءت لهم الظروف السيئة من الاستغلال والاستذلال. أخفقت التجربة كما قال الوفد، وأيُّ إخفاق أشد نُكرًا من أن يضطرب أمر القائمين بها إلى هذا الحد فيُنكِر بعضهم بعضًا ويَمكُر بعضهم ببعضٍ، ويتربَّص بعضهم ببعض الدوائر، ويهيئ بعضهم لبعض المكروه، ويتحكم نائب حزب الشعب في رئيس حزب الشعب. ويكيد حزب الاتحاد لإلفه العزيز وحليفه الصديق، ويَجِدُّ المديرون في حرب من كان لهم بالأمس رئيسًا يخصهم بكل ما في الدولة من خير ويحمي بعضهم حتى من سلطان القانون.

كل هذا دليل واضح على أن التجربة قد أخفقت كما يقول الوفد إخفاقًا منكرًا. ولكنه دليل واضح أيضًا على أن ذيول هذه التجربة ما زالت كما يقول الوفد، مجررة تتعثَّر التجربة فيها، وتتعثر فيها مع التجربة حياة المصريين وآمالهم.

هذه وزارة تنهض بالحكم في الرد، ولا تعمل شيئًا، إلا ما كانت تعمله الوزارة الساقطة من تسخير قوة مصر لإذلال أبناء مصر. وبينما هي تسلك الطريق المنكرة التي سلكتها الوزارة الساقطة، إذا هي تجد ما وسعها الجِدُّ في محاربة سَلَفِهَا العظيم والكيد له وإرغامه على أن يلقي السلاح؛ هي إذن ذيل من ذيول التجربة تمضي إلى اليمين فتذل وتقهر، وتَعِدُ في غير عمل ولا قدرة على العمل، ثم تمضي إلى الشِّمال فتنحرف عن طريقها وتُنَكِّل بالذين أنشَئوها ومهَّدوا لوجودها تمهيدًا. وكان من حقها أن تعتمد عليهم وتعتز بهم وتستمد منهم القوة والحياة.

أخفقت التجربة كما يقول الوفد، ولكن ذيولها ما زالت طوالًا تخفق في الجو فتنشر فيه شرًّا وفسادًا، وستبين الأيام من أَمْرِ المصريين ما لا بد أن يظهر. وسيعلم الناس أبقي عند المصريين صبر على ذيول التجربة بعد أن صبروا على التجربة نفسها. وسيعلم الناس أتستطيع ذيول التجربة أن تعيش كما عاشت التجربة نفسها، أم أن عمر الذيول أقصر من عمر أصحابها.

هليوبوليس

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.