أيهما أبرع في الإقناع وأقدر عليه، وأمهر في اختلاب النفوس، واستلاب العقول، واستهواء القلوب، واستباء الألباب، وتصوير الأشياء بهذه الصور القوية الرائعة البارعة، التي لا يحسها الإنسان إلا استسلم لها، وآمن بها، واطمأن إليها، وألقى بين يديها كل سلاح؛ أهو رئيس وزرائنا الرجل الطيب الذي سحر مجلس النواب أمس واسترهبه؛ حتى آمن بأن ميزانية وزارة الخارجية حق يجب إقراره والإذعان له والموافقة عليه، أم هو كاتب الشعب الذي سحر صباح اليوم قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين، واسترهبهم، واضطرهم جميعًا — ونحن منهم مع السرور — إلى الإيمان بأن رئيس الوزراء خطيب لا يُشقُّ له غبار، ولا تُطفأ له نار، ولا يطلع له نهار؟ فنحن في حقيقة الأمر حائرون دائرون بين الرجلين البارعين: بين رئيس الوزراء الذي انهزم له المعارضون جميعًا أمس، وكاتب الشعب الذي آمن له الكُتَّاب جميعًا اليوم.

ومن الحق أن نلاحظ أن بين هذين الرجلين البارعين فروقًا قد لا يصح أن تُهمَل حين يُراد الحكم بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في سحر البيان.

فلرئيس الوزراء من الأدوات والوسائل ما يعينه على أن يسحر العقول، ويخلب الألباب، ويُفْحِم الخصوم، ويقهر المعاندين؛ فهو رئيس الوزراء، وله من صفته هذه جلال ليس لغيره من الناس، فكلمته تزن عشر كلمات، وصوته يزن عشرة أصوات.

وهو إن خطب قبل أن يتولى الرياسة، أو خطب بعد أن ينزل عن الرياسة، لم يبلغ من إقناع الخصوم وإفحام المحاورين إلا عشر ما يبلغه حين يخطب وهو رئيس الوزراء.

ورئيس الوزراء رجل طيب، ولطيبة الرجال الطيبين أثر بالغ في إقناع المحاورين، وإفحام المجادلين، واضطرار الخصوم إلى التسليم؛ لأن هذه الطيبة بطبعها بركة تذلل المصاعب تذليلًا، وتمحو العقبات محوًا، وتجعل صاحبها قديسًا أو كالقديس، ثم هذه الطيبة تفعل في العقول فعلًا غريبًا، فتحملها على حسن الاستعداد لتصديق ما يقوله الرجل الطيب والإيمان له؛ لأن الرجل الطيب إذا تكلم لم يقل إلا حقًّا، أو ذلك شأن الرجل الطيب.

والرجل الطيب كذلك موفق لا يخطئ، ولا يتعرض للخطأ؛ لأن طيبته تعصمه من الخطأ أو التعرض للخطأ، فإذا عُلِمَ ذلك من أمره كانت النفوس إلى تصديقه أسرع، وإلى الانقياد له أميل، وعن الشك فيما يقوله أبعد.

فإذا أضفت إلى هاتين الصفتين صفات الظرف والرشاقة والخفة واللباقة، ثم أضفت إلى هذه الصفات كلها صفة البراعة في البيان، والاستئثار بالقوة في فن الخطابة، استطعت أن تتعرف الخصال التي تفوق بها رئيس الوزراء أمس؛ فأقنع النواب بأن ميزانية وزارة الخارجية حق لا ينبغي أن يمسه الشك، أو يرتفع إليه الجدال.

ومن هنا لا ينبغي أن تدهش حين تلم بالصور الخطابية الرائعة التي استعان بها رئيس الوزراء أمس لإقناع الخصوم، وإفحام المعارضين، فتراها في نفسها يسيرة ضئيلة ليس من شأنها أن تقنع، وليس من شأنها أن تفحم، ولكنها على ذلك قد أقنعت وأفحمت، وحققت لرئيس الوزراء من إقرار ميزانيته ما كان يريد، ومَنْ الذي يُقَدِّر أن مقارنة ما ننفقه نحن على وزارة الخارجية بما تنفقه بولونيا أو تشكوسلوفاكيا أو ما شئت من دول أوروبا كافية في نفسها لإقناع الناس؛ لأن ما ننفقه لا يجاوز الطاقة، ولا يزيد على ما ينبغي أن ننفق، ولكنها صفات رئيس الوزراء ومزاياه، وكلماته التي تعدل كل واحدة منها عشر كلمات، ونبراته التي تعدل كل واحدة منها عشر نبرات، وحركاته التي تعدل كل منها عشر حركات، وصوته الذي يعدل عشرة أصوات، واستعداد النواب للتأثر البليغ العميق بهذه الكلمات والنبرات، وبهذه الحركات، وبهذا الصوت.

كل ذلك هَيَّأَ لرئيس الوزراء ما ظفر به من الفوز أمس، ومهد الطريق لميزانية وزارة الخارجية فمرت من مجلس النواب بسلام.

أما كاتب الشعب فليس له شيء من كل هذه المزايا: ليس رئيس وزراء، وليس رجلًا طيبًا كرئيس الوزراء، وليس له من الظرف والرشاقة، ولا من الخفة واللباقة مثل ما لرئيس الوزراء، وإنما هو رجل مثلك ومثلي يقول كما تقول، وكما أقول، ويكتب كما تكتب، وكما أكتب.

فكلماته ككلماتنا، ونبراته كنبراتنا، لا تَعْدِل كل واحدة منها اثنتين، فضلًا عن أن تعدل عشرًا، وصوته كأصواتنا لا يعدل عشرة أصوات كصوت رئيس الوزراء؛ وهو مع ذلك قد استطاع أن يقنع قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين، وأنا منهم، بأن رئيس وزرائنا خطيب، خطيب لا كالخطباء العاديين الذين نسمعهم ونعجب بهم ونتأثر بما يقولون، خطيب لا كصدقي باشا، فقد كان صدقي باشا رجلًا هادئًا إذا خطب لا يعتمد إلا على جراءته المعروفة، وكان لا يحسن اختيار الكلام، وكان يخدع سامعيه بابتسامته التي لا تسحر إلا حين يكون رئيسًا للوزراء.

خطيب لا كزعيم المعارضة، وإن كان يذهب مذهب زعيم المعارضة في مجلس النواب؛ فيقارن بين مصر وأوروبا، ولكن زعيم المعارضة رجل معتدل المزاج، مقتصد في الصوت والحركة.

خطيب لا كعبد الحميد أفندي سعيد؛ لأنه لا يغلي ولا يفور، ولا يضطرب ولا يثور كعبد الحميد أفندي سعيد، ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك خطيب أخطب من هؤلاء جميعًا، وممن هم فوق هؤلاء جميعًا، وممن هم دون هؤلاء جميعًا.

ليس كالحجاج ولا كزياد؛ لأن هذين الخطيبين كانا إلى البداوة أقرب منهما إلى الحضارة، وكانا لا يحسنان اللغة الفرنسية، إنما كانا يُلِمَّان بها إلمامًا خفيفًا جدًّا، وكانا لا يُحْسِنَان إخراج الباء مخرجها الباريسي العذب.

خطيب لا كبريكليس وديموستين وسيسيرون؛ لأن هؤلاء جميعًا قدماء لم يحسنوا من فنون الخطابة ما أحسنه المحدثون.

رئيس وزرائنا خطيب لا يُشبَّه به إلا اثنان؛ أحدهما: خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، والآخر خطيب الجمهورية الفرنسية الثالثة فلدك روسو، ووجه الشبه بين خطيبنا المصري وبين الخطيبين الفرنسيين، أن خطيبنا كميرابو في أن الإعجاب به موقوف على رؤيته والاستماع له، كما قالت مدام دي ستال، فأنت تستطيع أن تعجب به من قرب، فأما من بعد فذلك شيء آخر. والغريب أنك تستطيع أن تعجب به، ولكنك لا تستطيع أن تنقل إعجابك إلى غيرك؛ لأنه إعجاب يفوق الوصف، وهو إعجاب يفوق لأن رئيس وزرائنا كميرابو خطيب يفوق الوصف.

ورئيس وزرائنا كفلدك روسو في أنه بركان يغطيه الثلج، وليس هو كأخي الخنساء علم في رأسه نار؛ فأنت إذا رأيت رئيس الوزراء أو تحدثت إليه أو سمعت له وهو يبدأ خطبته لم تُفْتَن به، بل طمعت فيه، واستهنت بقوته، فإذا ثار واستجمع للهجوم تساقطت الألفاظ من فمه كما يتساقط الصخر الملتهب من فم البركان؛ ولذلك طمع فيه المعارضون أمس، فلما همَّ بهم وهجم عليهم خافوا أن تصيبهم صخرة من هذه الصخور الملتهبة؛ فولوا الأدبار، ولاذوا بالفرار، وسلمت لوزارة الخارجية ميزانيتها، فعبرت مجلس النواب رشيقة حسناء تخطر وتتبختر حتى بلغت مجلس الشيوخ!

أرأيت إلى ما بين هذين الرجلين البارعين من الفروق: رجل له حظه من البيان، ولكن له أدوات أخرى ووسائل تمده وتواتيه وتعينه على الفوز؛ وهو رئيس الوزراء، ورجل آخر لا حظ له من الأدوات والوسائل إلا أن يكون النبوغ الذي لا حد له، واللسان العضب، والقلم السيال؛ وهو كاتب الشعب! وكلا الرجلين قد ظفر بما كان يريد، فأما رئيس الوزراء فأنقذ ميزانية الخارجية من الخصوم والماكرين! وأما كاتب الشعب فأثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك روسو!

ألست توافقني على أن كاتب الشعب أدنى إلى البراعة، وأعظم حظًّا من المهارة، وأشد استيلاء على أَعِنَّةِ البيان من رئيس الوزراء؟ أما أنا فمؤمن لهما جميعًا بهذه البراعة النادرة، والمهارة الباهرة، وكيف لا أؤمن بالبراعة والمهارة لمن ينقذ الميزانية من النواب، وكيف لا أؤمن بالبراعة والمهارة لمن يثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك روسو؟!

وكيف لا أهدي إلى الرجلين جميعًا أجمل الشكر وأعذب الثناء؟! فإن حديثهما لذيذ عذب، وألذ وأعذب من أحاديث السياسة والتعليم والاقتصاد!

وبعد، فماذا تنتظر مصر وقد جمع الله لها في شخص رجل واحد بين ميرابو وفلدك روسو؟ وماذا تنتظر مصر، وما لها لا تطلب إلى فرنسا، ثم إلى أوروبا، ثم إلى العالم كله الاعتراف لها بالزعامة في الخطابة بعدما سبَق مِن الاعتراف لها بالزعامة في السياسة؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.