أهداها مجلس الوزراء إلى موظفين كبيرين، كان لهما على مرافق الدولة سلطان عظيم، والعيد من غير شك أشد الأيام ملاءمة لتقديم الهدايا إلى الناس، فويل للناس إذا لم يتبادلوا المعروف ويقدم بعضهم إلى بعض الخير في أيام الخير والبر والمعروف.

ولعلك قد فهمت أن هذه الهدية إنما هي هدية العزل، وتحفة الإحالة على المعاش، التي طابت عنها نفس مجلس الوزراء أمس لمدير الأموال المقررة، ومدير مصلحة الأملاك السابق. وقد كان فريق من الناس يسيء الظن بالوزارة، ويقدر أنها بطيئة لا تحب الإسراع إلى الخير ولا التعجل في تقديمه إلى الناس، فزعموا أن مجلس الوزراء بدأ يدرس قصة استبدال المعاشات، وأنفق في درسها وقتًا طويلًا، ثم آثر أن يرجئ هذا الدرس إلى ما بعد العيد.

وكان هؤلاء الناس يظنون أن مجلس الوزراء رأى في هذه القصة أهوالًا عظامًا، وأحداثًا جسامًا، ورأى أن الظروف التي تسبق العيد لا تلائم درس الأهوال والأحداث، ولا تلائم استخلاص النتائج التي تنتجها الأهوال والأحداث؛ فآثر الأناة والإرجاء، وفضل الانتظار والإبطاء، ولكن وزارتنا حريصة كل الحرص فيما يظهر على العمل بالحكمة القائلة: إن خير البِرِّ عاجله.

والواقع أن هذه الحكم السائرة تتناقض فيما بينها تناقضًا شديدًا، وهي بهذا التناقض تدفع الناس إلى ضروب من الاختلاف والتناقض أيضًا، فإذا كان خير البر عاجله، فإن هناك حكمة أخرى تقول: إن في التأني سلامة، وحكمة ثالثة تقول: إن العجلة من الشيطان. واختلاف هذه الحكم يُمَكِّنُ المسئولين من أن يأتوا ما يشاءون من الأمر واجدين لكل عمل علة وتأويلًا، ولكنه يمكن العذال واللائمين من أن ينقدوا كل شيء، وينكروا كل شيء، ويتحككوا بكل شيء، فإذا أسرع مجلس الوزراء بتقديم هذه الهدية القيمة إلى هذين الموظفين الكبيرين عملًا بأن خير البر عاجله، لامه اللائمون وعتب عليه العاتبون عملًا بأن العجلة من الشيطان، وبأن في التأني سلامة يَحسُن أن تُبتغَى، وفي العجلة ندامة يَحسُن أن تُتَّقى.

ومهما يكن من شيء، فقد آثر مجلس الوزراء تعجيل الخير، وأهدى إلى هذين الموظفين في أيام العيد هذه التحفة النفيسة، والناس يقولون: إن مجلس الوزراء لم يسرع ولم يتعجل، وإنما تأنَّى فأسرف في الأناة، وأجَّل فأطال في التأجيل، فقصة استبدال المعاشات لم تنشأ أمس، ولا أول من أمس، ولم تُثَرْ منذ أسبوع أو منذ أسبوعين، وإنما نشأت منذ عهد بعيد، وأُثِيْرَتْ منذ زمن طويل، والتمست الوزارة لإصلاحها فنونًا من الحل، واتخذت لعلاجها ضروبًا من الحيل؛ فمنحت مدير الأملاك السابق أجازة لم يطلبها، ومنحت مدير الأموال المقررة أجازة طلبها، ثم أقصت مدير الأملاك السابق عن مصلحة الأملاك. ولعلها كانت تريد أن تُقْصِي مدير الأموال المقررة عن الأموال المقررة بعد أن تنتهي إجازته الطويلة أو القصيرة.

ولكن لكل شيء أمدًا، ولكل أجل كتابًا، وقد أذن الله لمجلس الوزراء أن يدرس هذه القصة إلى منتصف الليل يوم الخميس، ثم إلى منتصف الليل يوم السبت، وأن يتخذ فيها ما اتخذ من القرارات، وكان هناك استجواب يُهيَّأ لمجلس النواب، هيأه ثلاثون أو دون الثلاثين، فلما كان الصباح ذات يوم نقص المستجوبون ستة، ولما كان المساء نقص المستجوبون ستين. ومن يدري؟ لعل مجلس الوزراء بعد أن اتخذ ما اتخذ من القرار، وأهدى ما أهدى من التحف أن يُلهِم بعمله هذا بقية المستجوبين فيلغوا الاستجواب، ويريحوا النواب من هذا العذاب.

ولكن أحاديث الناس على كل حال لا تنقضي، ومطامع الناس لا تقف عند حد، وحاجات الناس لا سبيل إلى إرضائها. وهل تظن أن قرار مجلس الوزراء على ما فيه من كرم وجود، وعلى ما فيه من ملائمة للذوق والرفق ووضع الأمور في مواضعها؟ هل تظن أن هذا القرار قد أرضى الناس، أو كفهم عن الحديث، أو صرفهم عن الخوض فيما لا شأن لهم به، ولا حق لهم فيه؟ أنت إذن لا تعرف المصريين، ولا تقدر إسرافهم وإلحاحهم في التجني، وحبهم في اللوم والنقد؛ لا لشيء إلا لأنهم يحبون اللوم والنقد.

فهم يتساءلون لماذا أحالت الوزارة هذين الموظفين على المعاش، وعزلتهما من منصبيهما في أيام لا يحسن فيها العزل والإقصاء، ألأنَّهما أحسنا؟ فما هكذا يكافأ الإحسان، أم لأنهما أساءا، فإن الإحالة على المعاش ليست بالجزاء الذي يلقاه من أساء، وإنما الذين يسيئون إلى الدولة ويصرفون أمورها في غير الحق، وعلى غير الصواب؛ يلقون أنواعًا أخرى من الجزاء، لهم شُرع التأديب ومجالسه، ولهم شرع القضاء ومحاكمه، وما الفرق بين من يسيء إلى الدولة فيُعْزَل ليس غير، ومَنْ يغضب عليه وزير أو وزراء من غير إساءة، أو شيء يشبه الإساءة؛ فيعزل ليس غير.

وإذا كان الموظفون يستطيعون أن يخطئوا أو أن يسيئوا عن عمد، وأن يضروا الناس أو أن ينفعوا أنفسهم بغير حق، ثم لا يلقون جزاء على ذلك إلا الفصل أو النقل، فما الذي يمنعهم من أن يغلوا في الإساءة، ويحتاطوا لمثل هذا اليوم الذي يقرر مجلس الوزراء إحالتهم على المعاش؟ وهب موظفًا صغيرًا لا يزيد مرتبه على عشرة جنيهات أساء إلى الدولة، أو أسرف في أموالها، أو انتفع من منصبه بغير حق ولا مراعاة للقانون؛ أفيكتفي وزيره بإحالته على المعاش، أم يبدأ بإحالته على مجلس التأديب، فإن كان الحكم صارمًا رضي، وإن لم يكن صارمًا رفعه إلى المجلس المخصوص؟ ولعله أن يأمر فتُتَّخَذ معه إجراءات أخرى قضائية لا يستطيع أن يتخذها مجلس التأديب أو المجلس المخصوص.

أهناك فرق بين كبار الموظفين وصغارهم: هؤلاء يخطئون أو يسيئون فيصيبهم الفصل، ويحل بهم العقاب الصارم، وأولئك يخطئون أو يسيئون فيُكتفى بإحالتهم على المعاش؟ والمصريون لا يتحدثون بهذا الحديث إلا لأنهم يريدون أن يفهموا، فهم يأبون أن يُصدِّقوا أن هذين الموظفين الكبيرين قد فُصِلَا أمس عفوًا أو تحكُّمًا أو لغير ذنب. هم يأبون أن يصدقوا هذا لكثرة ما قيل وما أُثير، وللقرارات الأخرى التي اتخذها مجلس الوزراء؛ فهو يكلف لجنة التحقيق أن تمضي في تحقيق مسائل أخرى، وهو يقف استبدال المعاشات حتى يُقَدِّمَ قانونًا بإلغاء هذا الاستبدال، وهو لا يأتي هذا كله إلا لأن هناك مخالفات خطيرة، كما قالت الصحف، دعته إلى أن يقف هذا الموقف الصارم بعد أن طالت أناته، وإلى أن يقف هذا الموقف في أيام يحسن فيها الرفق واللين.

وإذن فقد يريد المصريون أن يعلموا أكان موقف مجلس الوزراء هذا أشد ما ينبغي أن تقفه الوزارة الحازمة الصارمة، التي لا تقصر في رعاية مصالح الدولة وحمايتها من العبث والفساد، أم هو موقف روعيت فيه الرحمة والرفق وحرمة العيد، وإذن فما بال الرحمة والرفق وحرمة العيد لا تُرَاعَى مع خزانة الدولة، وأموال الشعب التي يقال: إنها لقيت من الشطط في استبدال المعاشات شيئًا غير قليل، أحفَظَ مجلس الوزراء فدفعه إلى ما اتخذ من قرار؟

والمصريون طوال الألسنة، مسرفون في اللوم، فهم يقولون: ولِمَ خَصَّ مجلس الوزراء بهديته هذه هذين الموظفين، وأكبر الظن أن في دواوين الحكومة موظفين آخرين ليسوا أقل منهما استحقاقًا لهذا النوع من هدايا العيد؟ ولكنا نتعب كثيرًا إذا أردنا أن نرضي المصريين، ونحقق ما يطمعون فيه ويطمحون إليه من إقامة الحكم على العدل والمساواة والإنصاف.

فلندع المصريين إذن وما يلهجون به، ولندعهم وما يخوضون فيه، ولنقبل من الوزارة كل ما تأتي، ولنقبل منها كل ما تقول؛ فإن من المحقق أن وزارتنا معصومة بطبعها، نزيهة بطبعها، عادلة بطبعها، مصيبة بطبعها أيضًا، لا تأتي إلا الخير، ولا تقول إلا الحق، ولا تفكر في غير الصواب. وإذن فحسبنا ما تتفضل به علينا مما تراه عدلًا وإنصافًا، فأما ما نراه نحن عدلًا وإنصافًا فلننتظره؛ فقد تسمح لنا الأيام بتحقيقه في وقت قريب أو بعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.