يُخيل إلى الكثيرين منَّا أن الناس لا يقومون في الحياة بواجبهم إلا أن يُلفتوا له، ويُطلب إليهم أداؤه، وهذا الشعور هو الذي يجعل صاحب قضية من القضايا يرجوك كي تكلم محاميَه حتى يهتم بدراسة دعواه، أو تكلم القاضي لغير شيء إلا أن يفصل في الدعوى بالعدل، وهو الذي يجعل المريض يرجوك كي تكلم طبيبه، ليُلقيَ إليه باله ويجعله موضع عناية خاصة، وقد ألحَّ عليَّ يومًا أحدهم أن أخاطب له طبيبًا أجنبيًّا يشتغل في مصر ولم أكن أعرفه، فأردت لأخلص من إلحاحه أن أحيله إلى صديق لي من الأطباء المصريين كي يخاطب له هذا الطبيب الأجنبي، وما كان أعظم إعجابي بجواب صديقي الطبيب حين رد عليَّ يقول:

لو أنك طلبت إليَّ أن أخاطب زميلًا مصريًّا لهان الأمر عليَّ؛ لأننا جميعًا متعوِّدون أن نسمع مثل هذا الرجاء، فأما صاحبي الطبيب الأجنبي فيعتبر حديثي إليه كي يعتنيَ بمن توصي به إهانة له؛ إذ معناه الواضح عنده أنه لا يُعنَى بأداء واجبه، إلا إذا نُبِّه لذلك تنبيهًا خاصًّا، وهذه جارحة لا يقبلها، ثم إن حديثي إياه لن يزيده عناية بمريض؛ لأنه هو يعرف كيف يؤدي واجبه.

وحاولت أن أُقنع صاحبي بصحة رأي صديقي الطبيب فلم يرضَ أن يقتنع، وهل في مصر شيء — على ما يقول — يسير إلا بالمحسوبية والرجاء حتى الطبيب وحتى المحامي وحتى القاضي وحتى الممتحن، وكل من سوى هؤلاء ممن يشغل عملًا حرًّا، أو عملًا حكوميًّا لا يؤدي عمله إلا تحت ضغط الإلزام أو تحت ضغط الرجاء! وهذا الذي يقوله شعور نما — مع الشيء الكثير من الأسف — نموًّا عظيمًا جدًّا في مصر، وليس يحُول دون اطِّراد نموه ما ينطوي عليه من معانٍ تدل على فقرٍ في الخُلق الذاتي، وفي الخُلق الاجتماعي ليس من شأنه أن تشرُف به أمة من الأمم، أو تطمع معه في خطوات واسعة تُسيِّرها إلى الرُّقي، رغم حاجة مصر الملحة إلى هذه الخطوات الواسعة. فمن المعاني التي ينطوي عليها هذا الشعور أنه استهانة بمعنًى من معاني الرشوة واعتبارها مباحة إلى حدٍّ ما! أليس معنى رجائي إياك أن تقوم بعمل من الأعمال إكرامًا لي أني أعدك مقابل ذلك أن أؤديَ لك مثل هذا العمل يوم يعرض لك ويكون في مقدوري أداؤه؟ و«كله سلف ودين» على ما يقولون! أليس معناه كذلك عدم ثقة الواحد منا بحرص الآخر على أداء واجبه أداءً صحيحًا؟ فالمفروض أن كل طبيب يؤدي لمرضاه جميعًا كل ما يستطيع من عناية، وأن كل محامٍ يدرس القضايا التي تُوكل إليه بكل عناية ودقة، وأن كل قاضٍ يحكم بين الناس بالعدل. هذا هو المفروض الأول في الناس جميعًا. فتنبيههم إلى هذا المفروض ورجاؤهم أن يقوموا به، معناه: عدم ثقة من شعورهم بالواجب إزاءه، وفي هذا — على حد قول صديقي الطبيب — إهانة ليس لسكوتنا عليها معنًى إلا أننا نسلم ولو إلى حد، بصحة ذلك الشعور السيئ، وبأن ضميرنا ليس من اليقظة لكي ينبِّهنا إلى واجباتنا بحيث نحتاج إلى منبهٍ سواه.

والحق أني إذا أسغت الرجاء لفتح باب العلم أمام طالب العلم، أو باب العمل أمام طالب العمل، أو في سبيل استدرار العطف — من أي نوع كان — على جدير بالعطف، فإني لا أفهم الرجاء مطلقًا لتنبيه إنسان إلى أداء واجبه، وبخاصةٍ إذا كان هذا الإنسان من طائفة تهذبت مداركها الخُلقية تهذيبًا يجعل مثل هذه التنبيه جارحًا لشعور من يوجَّه إليه ولكرامته، وإني لأشعر بالرعدة تسري إلى نفسي حين أسمع أن قاضيًا يُلفَت نظره إلى قضية خاصة لكيلا تؤجَّل، أو لكي يُعنَى بقراءة أوراقها، تسري الرعدة إلى نفسي؛ لأن القضاء ضمير فوق كل اعتبار، فإذا لم يتنبَّه هذا الضمير من تلقاء نفسه إلى أداء الواجب الأسمى المُلقى عليه — واجب إقامة العدل بين الناس — لم يكن تنبيهه إلى هذا الواجب إلا إقرارًا بعجزه، بل بفساده، على أن سمو واجب القاضي لا يجعله في الحقيقة يتعلق بالضمير أكثر ممَّا يتعلق واجب أي إنسان من الناس كذلك بضميره، ولعل هذا التقزز الخاص الذي أُحس به في ناحية التقدم إلى القضاء بالرجاء كي يقوم بواجبه يرجع إلى أني اشتغلت عشر سنوات بالمحاماة، فكنت دائم الاتصال بالقضاء، دقيق الإحساس لذلك بما يتصل بعمل القاضي والمحامي، دقيق التقدير لضخامة واجب العدالة المُلقَى على عاتقهم أن يتعاونوا في سبيله، لكن كل واجب — أيًّا كان نوعه — يتصل بالضمير اتصال إقامة العدل بضمير القاضي. فهذا الذي نصَّب نفسه معلمًا أو أستاذًا عليه واجب عظيم هو أيضًا لا يقل عن واجب القاضي سموًّا ورفعة: واجب تهذيب الناشئة، وإنارة السبيل أمامهم ليروا بقلوب مستنيرة، وعقول ذكية خلاصةَ ما أنتجت قرائح الإنسانية في الماضي، حتى يهتدوا به ويُضيفوا إليه للمستقبل. والطبيب الذي يقوم بمهمة إنسانية جليلة يتصل واجبه بضميره، حتى لَيخيَّل إليَّ أنه يبيت معذَّب النفس كلما شعر بأن واحدًا من المرضى الذين يُعنَى بهم تضنيه الليلَ همومُه وآلامُه. ورجل الفن، هذا الذي يستخلص من جمال الحياة رحيقه ليزيد به الحياة جمالًا وروعة، أكبر الناس همًّا حين يشعر بأنه كان في مقدوره أن يضيف إلى الفن جديدًا فقصَّر في ذلك، أو لم تسعفه الظروف على القيام بواجبه. والعامل أيًّا كان عمله، والموظف أيًّا كانت وظيفته، والأم في البيت، والتلميذ في المدرسة، هؤلاء يتصل واجبهم بضميرهم اتصالًا يجب أن يشعروا به شعورًا قويًّا عميقًا آخذًا بمجامع النفس والقلب يحبب إليهم أداء الواجب، ويجعل في هذا الأداء لذاته خير عوض ينتظرونه لطمأنينة بَالِهم وراحة نفوسهم.

الذين يشعرون بهذا الشعور، ويُحسُّون بهذا الإحساس يألمون ألمًا عميقًا حين يرجوهم إنسانٌ أن يحسنوا القيام بواجبهم، ويشعرون بأنه يوجِّه إلى ضمائرهم سهمًا جارحًا بل قتَّالًا. مع هذا ترى الكثيرين منَّا لا يشعرون بالغضاضة إزاء مثل هذا الرجاء، ويتقبلونه بقَبول حسن. فهل معنى ذلك أن ضمائرنا تُحسُّ بالحاجة إلى ما يحفزنا لأداء الواجب؟ لعل كثيرين لا يشعرون بهذه الحاجة، ويؤذي ضمائرهم أن يستمعوا إلى هذا الرجاء، لكنهم أَلِفوا في عُرفنا الاجتماعي تسامحًا نحو هذه الإهانة؛ فلم يروا بدًّا من أن يَظهروا من جانبهم هم أيضًا بمظهر التسامح، ولو أن كل واحد منهم أظهر لمرتجيه ما يشعر به من غضاضة، لترك ذلك في نفس الأقلين إعجابًا كإعجابي بالطبيب الذي أشرت إليه أول الحديث، ثم لترك ذلك في نفس الأكثرين مطعنًا على هؤلاء الذين يقدِّرون واجبهم تقديره الأوفى؛ ومرجع السبب في هذا إلى أن الذين تتصل فكرة الواجب عندهم بالضمير وبالنفس — حتى لنرى في تنبيه صاحبها لواجبه جرحًا لكرامته — ما يزالون بيننا عددًا قليلًا. أما الكثرة فما تزال تزن الواجب بمقدار المنفعة التي تُحصِّلها من وراء أدائه، وتعمل في حدود ذلك القانون الاقتصادي الذي يُعلن الفرديون إيمانهم به: قانون المجهود الأقل. فلو أنك استطعت أن تُحصِّل منافع ضخمة وأرباحًا هائلة من غير أن تقوم بأيِّ عمل أو تنفق أيَّ مجهود أو تؤديَ أيَّ واجب، فأنت (الشاطر) الذي يشار إليه في أوساط كثيرة بالبَنان. أنت قاضٍ، فإذا استطاع الرُّقي أن يسرع إليك من غير أن تجهد نفسك في نظر ما يطرح أمامك من القضايا، ولكن لأن لك بوزيرٍ أو كبيرٍ صلةً، فأنت الرجل الموفَّق في الحياة والذي يُعترف له بأجَلِّ المزايا. وأنت طبيب، فإذا عرَفت كيف تخدع الناس بوسائل ينكرها العلم ويعافها الطب ولا يقرها إلا الدجل، ثم كان لك من وراء دجلك كسب كبير، فأنت المحسود بين الناس على أنك من رمقته العناية واختصه الحظ بأفضاله. وأنت محامٍ، ولك في كسب القضايا وسائل تعافها الذمة ويأباها الضمير؛ تكذب على القاضي في الوقائع التي تقصها له، ولا تأبى عليك نفسك تلفيق الشهود، ولا الإيهام برشوة القضاة؛ ولذلك يعظم إيراد مكتبك، فأنت إذًا مَثل النبوغ؛ لأن النبوغ بقدر المقابل المادي الذي يحصل صاحبه عليه، وهذه الجهود التي تتنافى مع الواجب، ويأباها الضمير هي أبدًا جهود ضعيفة، ولكنها وفيرة الربح لأن صاحبها قليل الذمة، وقلة الذمة في أحيان كثيرة باب واسع، بل هو أوسع أبواب الكسب الحرام أو الحلال.

بهذا يقدِّر الكثيرون منَّا معنى الواجب، ولهذا يرى الكثيرون أن مقابل العمل — لا العمل لذاته — هو الذي يجب حسابه وتقديره لقياس العمل على مقتضاه. فإن استطعت الحصول على هذا المقابل نفسه جزاءً لعمل أقل، فأنت (شاطر) أيضًا، وأنت تستحق الإعجاب. ألَا تسمع إلى الشكوى العالية من جانب موظفينا، وقلة عملهم في مكاتبهم؟ هؤلاء الموظفون لا يقدِّرون الواجب عليهم ما داموا يقتضون آخر الشهر رواتبهم، وما دامت تصلهم في مواعيدها علاواتهم وترقياتهم، فضلًا عن طمعهم في علاوات، وترقيات استثنائية. وأي شيء وأية قوة تقتضيهم هذا الواجب ومضاعفة ما يبذلون من جهد، إلا إن استطاعت أن تؤخر علاواتهم أو ترقياتهم. وغير الموظفين في هذا كالموظفين، سواءٌ كل من استطاع أن يُلقيَ عن عاتقه عبئًا من الأعباء أو يفر من مسئوليةٍ من المسئوليات، كان ذلك غاية في المهارة ومنتهى الشطارة، ما دام ذلك لا يُنقص ما يقتضيه، فكلما قل عمله زادت مهارته، وكلما فر من واجبه ملقيًا به على عاتق غيره حسب ذلك له حذقًا وكياسة، ومن أجل هذا رأيت الذين أغناهم الحظ عن الكدح لا تتَّقد في نفوسهم شعلة الواجب المقدسة، ولا يُحسُّون بأن عليهم للحياة نصيبًا من السعي هم يَخونون الحياة إذا لم يقوموا به، وهؤلاء وأولئك ممن لا تهتز ضمائرهم طربًا لأداء الواجب، أو همًّا للتقصير فيه أنانيون غاية الأنانية، وأنانيتهم كأنانية اللص سواء؛ اللص يسرق مال الأفراد، وهؤلاء يسرقون حقوق الجماعة، وهم مع ذلك لا تتحرك نفوسهم، ويعتبرون جريمتهم موضعًا للاغتباط بل موضعًا للفخار.

هذا الشعور الحقير موجود مع الأسف عند الكثيرين، وهو الذي يدفع البعض ليرجوَ صاحب العمل أن يُعنَى بعمله، ثم لا يجد هذا الأخير في رجاءٍ معناه اتهامُه بالتقصير، وسوءُ التقدير للواجب أيَّ غضاضة على نفسه. ولو أن شعورنا بالواجب هُذِّب كما يجب أن يُهذَّب، لو أن هذا الشعور حل من نفوسنا محل الإيمان فصار أداء الواجب فرضًا علينا نقدسه كما يقدس العابد صلاته وصيامه، ثم لو أنا آمنا كذلك بأن أداء الواجب يقتضي النزاهة فيه، والإخلاص له، وعدم النظر إلى المقابل المادي الذي نجنيه من ورائه، والتضحية في سبيله بالوقت والجهد، بكل ما يحتاج إليه من وقت ومن جهد، ثم قدَّرنا أن خير جزاء لنا عن القيام بواجبنا هو رِضَى النفس، وطمأنينة الضمير، إذنْ لَمَا رأيت أحدًا من الناس يقصد إليك كي ترجوَ أحدًا ليحسن أداء واجبه، ولَاعتبرنا جميعًا مثل هذا الرجاء سُبَّة لا يليق أن تصدر من رجل مهذب، ولا أن توجَّه إلى رجل مهذب.

من أجل أن ينموَ هذا الشعور فينا، ويصبح خُلقًا اجتماعيًّا عامًّا، ويصير الخُلو منه هو النقيصة التي تنظر إليها الجماعة بعين المقت والازدراء، يجب تعهُّد هذا الشعور في أطفالنا وفي صبياننا وفي ناشئتنا جميعًا، يجب أن نغرس في هذه النفوس: إنك تعمل الخير غير مبتغٍ من فعل الخير جزاءً ولا شكورًا، وإنك تؤدي الواجب؛ لأن ضميرك يجعل فرضًا لزامًا عليك أن تقوم بأدائه، لا لأن لهذا الواجب مقابلًا ماديًّا تقتضيه. يجب أن تُغرَس هذه القواعد في النفوس على أنها بعض قواعد إيمان الجماعة، وما لا سبيل لها إلى العيش بدونه، ويجب أن تؤمن الجماعة بذلك إيمانًا صحيحًا، يجب أن تدرك عن علم وعقيدة أن ما هو شائع اليوم بيننا من مظاهر الأنانية الوضيعة يُضيع على الجماعة جهودًا ضخمة مخلصة ما كان أعظم فائدتها للأمة كلها ولكل فرد من أفرادها لو أنها لم تَضِع، ثم ما كان أكبر ما تدفع به إلى نفس القائمين بها أنفسهم من سعادتهم لو أنهم توجهوا إليها خالصة نفوسهم راضية قلوبهم مُحسَّة ضمائرهم بأنها تتأذَّى وتُهان لكل تقصير في الواجب. يوم يؤمن أطفالنا وشبابنا ورجالنا جميعًا بهذا، يشرق في الأفق نور جديد، هو نور الإيمان بمبدأ من أسمى المبادئ الإنسانية العليا، وبحسبك لتقدِّر هذا أن تدرك أن الفيلسوف أوجست كونت لما وضع فلسفته ورتَّب عليها «ديانة الإنسانية»، جعل الإيمان بالواجب في مقدمة ما شاد عليه دينه الوضعي، كما أن الفروض في الأديان السماوية هي المقدَّمة على كل شيء، والفروض هي الواجبات الأولى نؤمن بها ونؤديها بنزاهة، وتوجُّه خالص لله في أدائها. فهذا الاتفاق بين الدين الوضعي لعقل كبير، وبين الأديان السماوية المنزَّلة يجعل منزلة الإيمان بالواجب من حياة الفرد وحياة الجماعة بحيث يكون أيُّ شك فيها أو أيُّ عمل على خلافها تحقيرًا للعقل وللعاطفة وللقلب وللإيمان، ولكل ما هو إنساني في الإنسان.

أفيتفق شبابنا وإيانا في هذا الذي نقول؛ فيروا في الشعور بالواجب، وفي الإيمان به صورة من صور المَثل الأعلى الأوَّلية التي يجب أن ترتسم في أعماق النفس الإنسانية ارتسامًا قويًّا يوجهها في كل أعمالها وتصرفاتها؟ إن يكن ذلك، فلعلهم يشاركوننا في الدعوة إلى الإيمان بالواجب، ولعلهم يرون معي أن النفوس الخالية من هذا الإيمان نفوس خربة لا فائدة منها للجماعة، ولا فائدة منها لذويها، ولا فائدة منها لأصحابها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.