أما تسمع ما يقول عباد: طابت لك المدينة الآن.

قال عبد الملك بن مروان هذا الكلام وهو يلتفت إلى رجل لعله قد بلغ الخمسين من العمر أو قاربها أو تجاوزها قليلًا، وكان هذا الرجل في أكبر الظن نحيفًا مهزولًا، رديء الصحة، حاد المزاج، يتكلف التجلد والصبر، ولكن طاقته للتكلف قد نفدت أو كادت، وكان هذا الرجل لا يُرى إلا كئيبًا محزونًا؛ فإذا تكلم لم يسمع الناس منه إلا حديثًا فيه وجد وشوق، وفيه حسرة ولوعة، وقد يسمعون منه شعرًا ملؤه اليأس والقنوط.

وكان هذا الرجل على ذلك كله مُعتدًّا بنفسه، معتزًّا بقومه، لا يكاد يحفل بعبد الملك بن مروان لولا أنه أمير المؤمنين. فلما قال له عبد الملك ما قال لم يبتسم ولم تنجلِ عن وجهه غبرة الكآبة، ولم يبرق في عينيه الحادتين برق الأمل، ولا تألَّق على جبينه ضوء الرجاء، وإنما أطرق برأسه إلى الأرض وقطب جبينه، وقال بصوت منخفض تكاد تخنقه العبرة:

إني لأحمق من يمشي على قدم

إن غرني من حياتي حال عباد

أنشا يقول: لنا المِصْران قد فتحا

ودون ذلك يوم شرُّه بادي

كان هذا الرجل أبا قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عبد الملك يُنبئُه بما زعم له عباد بن زياد من أن جيوش بني أمية قد انتصرت في العراق، ففتحت لها الكوفة والبصرة — وكان عبد الملك يُقدِّر أن فتح العراق مقدمة طبيعية لفتح الحجاز وانتزاعه من يد ابن الزبير — فكان ينبئ بذلك أبا قطيفة يُريد أن يَسرَّه، وأن يُسرِّيَ عنه، وأن يفتح له بابًا من الأمل، ويثير في نفسه الكئيبة شعورًا باسمًا بأن رجوعه إلى المدينة قد أصبح قريبًا، ولكن أبا قطيفة لم يصدق خبر عباد، ولم يصطنع من الأدب ما ينبغي في مجلس أمير المؤمنين؛ فأعرض عن الخليفة وأنشد هذين البيتين:

إني لأحمق من يمشي على قدم

إن غرني من حياتي حال عباد

أنشا يقول: لنا المصران قد فتحا

ودون ذلك يوم شرُّه بادي

وأكبر الظن أن عبد الملك لم يَرُقه ذلك من ابن عمه الشاعر، فأسرَّها في نفسه وأمسك عن ابن عمه مع ذلك لرَحِمه وعصبيته، ولأن سياسة الدولة كانت تقضي على عبد الملك أن يكون حليمًا، وأن لا يصطنع العنف، وماذا يفيده العنف وهو محتاج إلى أن يترضى كل من حوله في هذه الأيام التي ما يزال نصف البلاد الإسلامية فيها خارجًا عن سلطانه، خاضعًا لابن الزبير؟

أمسك عبد الملك عن ابن عمه وأسرَّ في نفسه حقدًا. وكم كان يُسِرُّ عبد الملك في هذه الأيام من الحقد والضغينة! وكم كان يُمنِّي نفسه إذا خلى إليها بذلك اليوم الذي ينتقم فيه من أبناء عمه هؤلاء الذين قبلوا إمرته كارهين، والذين يظهرون له من الكبرياء والإعراض ما لا ينبغي أن يُواجه به أمير المؤمنين! وكم كان عبد الملك يتمنى ذلك اليوم الذي يُعاقِب فيه أبناء عمه أولئك الذين آثروا الحجاز على الشام، وملك قريش على ملك أمية، ونصرة مُضَر على نصرة قضاعة، فقبلوا سلطان ابن الزبير مؤيدين له أو صابرين عليه!

صبر عبد الملك على ابن قطيفة، ولكنه لم يمسك عنه لسانه، بل جعل يعيبه ويتنقصه في غيبته، وبلغ أبا قطيفة ذلك فلم يقبله ولم يصبر عليه، ولكنه لقي الشر بالشر، وأجاب على تنقُّص الخليفة إياه بهجاء الخليفة، والفخر عليه، وتهديده بالتلميح حينًا والتصريح حينًا آخر، فقال:

أنا ابن أبي معيط حين أُنْمِي

لأكرم ضِئْضِئٍ وأعَزِّ جيل

وأُنْمِي للعقائل من قُصيٍّ

ومخزوم فما أنا بالضَّئيل

وأروَى من كُرَيز قد نَمتَني

وأروَى الخير بنتُ أبي عَقيل

كِلَا الحيَّينِ من هذا وهذا

لعمرُ أبيك في الشرف الطويل

فعدِّدْ مثلَهن أبا ذبابٍ

ليعلَمَ ما تقول ذوو العقول

فما الزرقاء لي أُمًّا فأَخْزَى

ولا ليَ في الأرزاق مِن سبيل

وأبو ذباب عبد الملك، والزرقاء امرأة من كندة كانت من أمهات عبد الملك، وكان يُعيَّر بها، كما يقول أبو الفرج، وقال أبو قطيفة أيضًا يهجو عبد الملك:

نُبِّئتُ أن ابن العَمَلَّس عابني

ومَن ذا مِن الناس البَريءُ المسلَّم؟

مَنَ انتم؟ مَنَ انتم؟ خبِّرونا مَنَ انتم

فقد جعلت أشياء تَبدُو وتُكتَمُ

والبيت الأول من هذين البيتين مخروم ينقصه حرف في أوله ليستقيم وزنه على بحر الطويل، وينبغي أن تقرأ البيت الثاني ملغيًا همز أنتم، ناقلًا فتحتها إلى نون من ليستقيم وزنه أيضًا، وليس في هذا النقل ولا في ذلك الخَرْم عيب، وإنما ذلك شيء مألوف، والنقل خاصة مألوف شائع في شعر قريش وحديثها وقراءتها للقرآن، وليس لهذين البيتين قيمة شعرية ممتازة، ولكن للبيت الثاني قيمته السياسية الخطيرة حين يسأل الشاعرُ بني مروان عن أنفسهم ثلاثة مرات في الشطر الأول، وحين ينبئهم في الشطر الثاني بأن أشياء قد جعلت تبدو وتكتم. وفي هذين الأمرين ما فيهما من النذير.

ويروى أن عبد الملك لما سمع هذين البيتين قال: ما ظننت أنَّا نجهل، والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطعت جلده بالسياط. وسواء أكانت رعاية الحرمة هي التي منعت عبد الملك من عقوبة أبي قطيفة أم كانت السياسة، فقد سلم جلد أبي قطيفة من السياط، وما كان أشد خوفه من السياط وعبثها بجلده، ألم يكن قد كتب إلى أبيه وهو والٍ للكوفة من قبل عثمان شعرًا يشفق فيه من سوط الخليفة، إن لم يدركه أبوه فيزوجه، أو يهدي إليه جارية؟

أظن أن ما قدمته يعطيك عن هذا الرجل صورتين قويتين جدًّا، الأولى أنه كان رجلًا بأدق معاني هذه الكلمة، والأخرى أنه كان رجلًا رقيق القلب، حساسًا، قوي الشعور، وفيًّا، صادق الحنان. ولا بد من كلمتين قصيرتين أوضح بهما هاتين الصورتين، فأما رجولة شاعرنا فليس فيها غرابة أن عرفنا من هو، ويكفي أن نقول: إنه عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. كان أبوه الوليد بن عقبة من سادة بني أمية وأشرافهم، وأشدهم خصومة للإسلام وازورارًا عليه، يقال: إن الآية الكريمة نزلت فيه، وهي قوله تعالى: () (الحجرات: ٦).

وقد أسلم وظهر حُسن إسلامه، وولاه عثمان الكوفة، ولكنه ظلم وفجر وأسرف في شرب الخمر، وصلى بالناس وهو سكران، فزاد في صلاة الصبح ركعة، ثم التفت إلى الناس فقال: «وإن شئتم زدناكم.» فعزله عثمان وأقام عليه الحد. وعقبة بن أبي معيط أبو الوليد كان من أشد قريش فتنة للنبي وأصحابه قبل الهجرة، فلما ظفر المسلمون في وقعة بدر أُسِر عقبة فقتله النبي صبرًا، أما صاحبنا عمرو بن الوليد فلم يتول أمرًا من أمور الدولة، ولا عني بالسياسة، ولا هَمَّ بترك المدينة حتى حين ولي أبوه الكوفة، وإنما عاش في المدينة عيشة الفتيان الأغنياء الأعزاء يلهو ويستمتع بالحياة ما سمحت له الظروف بذلك.

ولعله نعم بالحياة حقًّا أثناء العشرين سنة التي ولي فيها معاوية أمير المسلمين، فلما مات معاوية ونهض بعده يزيد امتحن هذا الرجل في أحب شيء إليه، وأكرم شيء عليه؛ وهي حياته الهادئة الناعمة في المدينة، فظهرت صورته الثانية، وهي صورة الرقة والحنان وصدق الشعور. والواقع أن هذه الصورة لم تظهر عند هذا الرجل وحده، وإنما ظهرت عند جماعة من قريش، وظهرت في شكل مؤثر جدًّا. هذا عبيد الله بن قيس الرقيات يفيض ديوانه بالحزن والأسف؛ لأنه صاحب مصعب بن الزبير إلى العراق فبعد عن المدينة، فلما كانت وقعة الحرة جاءته الأنباء، فامتلأ شعره جزعًا على من أُصيب فيها من قريش، وكان عبيد الله زبيريًّا، وكان أبو قطيفة أمويًّا، ولكنهما جميعًا قرشيان عاشا في المدينة فأحبَّاها حبًّا لا يعدله حب.

وهذه حميدة حفيدة عبد الرحمن بن عوف تزوجت رجلًا من أهل الشام ورحلت معه كارهة عن المدينة، فلما كانت في بعض الطريق سمعت من يتغنى بشعر لأبي قطيفة في الحزن على المدينة والحنين إليها، فشهقت شهقة أتت على حياتها.

ما أشد تأثير الإسلام في نفوس قريش! كانت حياة أبي قطيفة هادئة وادعة في المدينة أثناء خلافة عثمان وخلافة معاوية، وكان بنو أمية أصحاب الكلمة في المدينة في هذا الدهر، منهم عثمان أمير المؤمنين، ثم منهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص اللذان كانت ولاية المدينة بينهما أيام معاوية، وكان سعيد بن العاص رجلًا من رجال قريش كريمًا سخيًّا شجاعًا، سهل الخلق، سمح النفس، تمتلئ العين مهابة بالنظر إليه، وتمتلئ النفس أُنْسًا بالحديث معه، وكان أبو قطيفة صديقًا لابنه عمرو بن سعيد، وكانت الحياة في ذلك الوقت نعمة كلها لبني أمية وبني هاشم في المدينة.

وكان بنو أمية وبنو هاشم يتنافسون في الكرم والجود أيهم يكسب الأنصار، وأيهم يسهل الحياة للناس من حوله؟ وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بأخبارهم في هذا التنافس، وكان لسعيد بن العاص قصر خارج المدينة يعيش فيه إذا اعتزل الحكم، ويجعله مثابة للطامعين، وأمنًا للخائفين، وكان الشعراء مفتونين بسعيد، ولِمَ لا؟ أليس قد أغنى الحطيئة وآمن الفرزدق من زياد؟ حضرت سعيدًا الوفاة فقال له ابنه عمرو: لو نزلت إلى المدينة، قال: يا بني، إن قومي لن يكرهوا أن يحملوني على أعناقهم ساعة من نهار، ولكن إذا مت فاذهب إلى معاوية وأخبره بديني، فسيعرض عليك قضاءه عني فلا تقبل، ولكن بِعْهُ هذا القصر؛ فإني إنما اتخذته نزهة، وليس هو بمال، ثم أدِّ بثمنه ما عليَّ من دين.

فلما مات حمل إلى البقيع فدفن فيه، وتقبل عمرو عزاء الناس عند القبر، وقد أعدت له الرواحل، فركب إلى دمشق ونعى أباه إلى معاوية، فتوجع شيخ قريش وترحم على كريم قريش، ثم قال: أعليه دين؟ قال عمرو: نعم، ثلاثمائة ألف درهم، قال معاوية: هي عليَّ، قال عمرو: لا، ولكنه أمرني أن أبيعك قصره، قال: قد اشتريته بدينه. ثم حمل الدين إلى المدينة فأداه عمرو عن أبيه، وكانت كلها منحًا وعد بها سعيد ولم يجدها عنده، فكان يكتب بها الصك لأصحابها.

وفي هذه الحياة السهلة الناعمة قضى أبو قطيفة نيفًا وعشرين عامًا، فلما كانت فتنة ابن الزبير أُخرِج بنو أمية من الحجاز، وفيهم أبو قطيفة، فامتلأت نفسه جزعًا على المدينة، وامتلأ شعره حنينًا إليها، وكان بحق شاعر الحنين إلى الأوطان في الإسلام، واقرأ هذه الأبيات:

القصر فالنخل فالجماء بينهما

أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

إلا البلاط فما حازت قرائنه

دور نزحن عن الفحشاء والهون

قد يكتم الناس أسرارًا فأعلمها

ولا ينالون حتى الموت مكنوني

واقرأ هذه الأبيات:

ليت شعري وأين مني ليت

أعلى العهد يَلْبنٌ فَبَرام

أم كعهدي العقيق أم غيَّرته

بعدي الحادثات والأيام؟

وبأهلي بدلت عكًّا ولخمًا

وجذامًا وأين مني جذام؟

وتبدَّلت من مساكن قومي

والقصور التي بها الآطام

كل قصر مشيد ذي أواس

يتغنى على ذراه الحمام

أقرِ مني السلام إن جئت قومي

وقليل لهم لدي السلام

سمع عبد الله بن الزبير هذا الشعر فقال: حن والله أبو قطيفة. وعليه السلام ورحمة الله. من لقيه فليخبره أنه آمِنٌ فليرجع. فأُخبِر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعًا، فلم يصل إليها حتى مات.

ألست ترى أن أبا قطيفة صريع الحنين إلى الوطن؟

كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن شعره وأخباره! ولكنها أول ما يلقاك في كتاب الأغاني إذا نظرت فيه، فاقضِ مع هذا الشاعر ساعة فلن تندم عليها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.