لو أَطَعْتُ نَفْسِي لَتجاوَزْتُ هذا الموضوعَ، وعَدَلْتُ عن إملاء هذا المقال؛ لأن موضوعه هو آخر الموضوعات التي ينبغي لِمِثْلِي أن يعرض لها.

وحَسْبُك أن تعلم أني أريد أن أتحدث إليك عن كتاب ظهر في فرنسا منذ أسابيع، موضوعه التصوير عند المصريين القدماء، وصاحبه رجل من أرفع رجال الفن في فرنسا مكانةً اليوم؛ هو الأستاذ أندريه لوت الذي يعرفه أصحاب الفن جميعًا في مصر؛ لأنه زارهم عامين متواليين، وتحدَّث إلى شبابهم في كلية الفنون الجميلة وفي غيرها من الأندية حيث كانوا يجتمعون إليه، وتحدث إلى شيوخهم في القاهرة والإسكندرية، وتحدث إلى الجمهور من أهل القاهرة في محاضرات عامة ألقاها في الجمعية الجغرافية …

وإذا قلت إن أصحاب الفن في مصر يعرفون الأستاذ أندريه لوت، فلم أَقُلْ شيئًا ذا خطر؛ لأن أصحاب الفن في أقطار الأرض كلها يعرفون هذا المصور العظيم حق المعرفة، كلهم رأى آثاره وأُعْجِبَ بها، وكلهم قرأ كتبه وأُعْجِبَ بها أيضًا، فهو رجل عالمي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، عالمي بما أنتج من الآثار الرائعة، وعالمي بما ألَّفَ من الكتب الممتعة، وعالمي بعد ذلك أو قبل ذلك، بثورته على الفن التقليدي المقرر المألوف في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وفي المجمع الفرنسي للفنون الجميلة أيضًا.

وهذا كله يكفي لأتردد في إملاء هذا المقال عن كتابه هذا الرائع الذي ظهر في هذا الصيف، وواضح كل الوضوح أن غيري من أصحاب الفن، ومن الذين يحسنون العلم بالتصوير والقول فيه، أجدر مني بنقد هذا الكتاب أو تقريظه … وأقدر مني على نقد هذا الكتاب أو تقريظه.

وأنا من أجل ذلك أترك لهم النقد والتقريظ، وأكتب عن هذا الكتاب لأدل عليه وأنبه إليه أولًا، ولأسجل بعض الخواطر التي اضطربت في نفسي حين تفضل فأهدى إليَّ هذا الكتاب، وحين قرأته على ثقة مني بأني سأفهم أَقَلَّه، وبأن أكثره سيند عني وسيستعصي عليَّ، وأين أنا من التصوير وأين التصوير مني؟! … وكيف السبيل إلى فهم كتاب قوامه هذه الصور الكثيرة التي يعرضها ليستدل بها على ما يقرر من رأي ويثبت بها ما يصدر من حكم؟!

ومع ذلك، فقد أُنْسِيتُ نفسي وقتًا غير قصير حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، وأُنْسِيتُ نفسي أوقاتًا طوالًا أخرى حين قُرِئَتْ عليَّ نصوص هذا الكتاب.

أُنْسِيتُ نفسي وشُغِلْتُ بشيء آخر، بل بأشياء أخرى كثيرة، أولها أن هذا الكتاب يصدر باللغة الفرنسية، ويؤلفه مصور فرنسي عظيم. وكنت أتمنى وما زلت أتمنى أن يصدر كتاب مثله باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، أو بما شاء الله من اللغات الأجنبية، وأن يكون مؤلفه مصورًا مصريًّا عظيمًا، وهذا كله يقتضي أن تُعنَى مصر بالفن الجميل في نفسه أكثر مما عُنِيَتْ به إلى الآن، وأن تُعْنَى مصر بعد ذلك بالفن الجميل الحديث، وبالفن الجميل المصري القديم؛ لِتَعْرِفَ أين يقع فنها القديم من الفنون الجميلة فيما مضى من الأزمان، ومن الفنون الجميلة في العصر الذي نعيش فيه؛ أيقع منها موقع الفن الطفل من الفنون التي استكملت نضجها ونموها، أم يقع منها موقع الفن الناضج الكامل الذي يكتفي بنضجه وكماله، وإنما أفاض منها على فنون الأمم الأخرى نضجًا وكمالًا.

كنت وما زلت أتمنى أن تُعنى مصر الحديثة بالفن الجميل، وأن توازن بين فنها الحديث وفنها القديم، وأن ترى أمتصلة هي بتاريخها أم منقطعة هي عن هذا التاريخ، أمتأثرة هي في فنها الحديث بفنها القديم أم معرضة هي عنه ومتأثرة بالفن الغربي الحديث الذي يَعْبُر البحر إليها بين حين وحين، والذي يعبر أبناؤها البحر إليه من حين إلى حين أيضًا.

ولكني أبحث عن هذا الكتاب المصري في لغتنا العربية أو في أية لغة أخرى من اللغات العالمية فلا أجده، ولا أجد ما يدلني على أني سأظفر به اليوم أو غدًا … لأن مصر الحديثة لم تمنح الفن الجميل بَعْدُ ما ينبغي له من العناية، بل لم تمنح الثقافة الفنية ما ينبغي لها من العناية على كثرة المجتهدين الموفقين من شيوخنا وشبابنا في محاولة الإنتاج الفني.

وينبغي أن يُقال الحق مهما يكن قاسيًا ممضًّا، وأن نعفي أنفسنا من التبعة التي يجب أن نحتمل ثقلها، وهي تبعة النصح والإرشاد، مهما تكن عواقب النصح والإرشاد.

فمصر المعاصرة مقصرة في ذات الفن الجميل تقصيرًا لا يليق بحاضرها ولا يليق بماضيها، ولا يلائم المستقبل الذي تسمو إليه، فيها مدرسة للفنون الجميلة، أستغفر الله! بل كلية للفنون الجميلة … ولكن هذه الكلية يُنظَر إليها على أنها عبء ليس من احتماله بد، ويُنفَق عليها مال لا أدري أقليل هو أم كثير، ولكنه أقل مما ينبغي على كل حال، وقد أُهْمِلَتْ هذه الكلية حتى أصبحت مدرسة كغيرها من المدارس، تجري الأمور فيها كما تجري في مدارس وزارة المعارف، وتتأثر بالتقاليد الكتابية المعروفة أكثر مما تتأثر بهذا النشاط الخصب الذي يبعث فيها الحياة ويجعلها مصدر وحي فني رائع متصل منتج، وتتقيد بالقيود المألوفة في مصر؛ فطلابها يجب أن يظفروا بالشهادة الثانوية قبل أن يلتحقوا بها، وأن يؤدوا الامتحانات في آخر كل عام، وأن ينفقوا فيها أعوامًا معدودة، ثم يظفرون منها بالدبلوم، ثم يتوسلون بهذا الدبلوم ليظفروا بمنصب من مناصب الدولة في التعليم أو في غير التعليم، فهي كلية تخرج الموظفين لا أكثر ولا أقل.

وقد أُنْشِئَ في هذه الكلية قسم حر لا يتقيد بالقيود التي فُرِضَتْ عليها في الالتحاق بها والخروج منها، فأخذ يؤتي ثمرات قيمة، وأخذ يثبت أن المصريين حين تُتاح لهم حرية الفن قادرون على أن يتفوَّقوا ويُنْتِجوا، ويبلغوا ما يبلغه الشباب في الأمم الأخرى، من حب الفن وإتقانه والبراعة فيه، ولكن وزارة المعارف تهمل هذا القسم الحر أشد الإهمال، وقد كدت أملي أنها تقاوم هذا القسم الحر أشد المقاومة. والفن الجميل كالأدب الرفيع وكالعلم الخالص في حاجة إلى التأييد والتشجيع والمعونة ليعيش أولًا، ويزدهر ثانيًا، ويتيح لأصحابه التفوق والامتياز بعد ذلك. وأين نحن مما ينبغي للفن الجميل والأدب الرفيع والعلم الخالص من المعونة والتشجيع والتأييد؟!

في هذا كله فكرت حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، ثم لم أكد أقرأ أطرافًا منه حتى فكرت في شيء آخر لعله أن يكون أعظم منه خطرًا وأجل منه شأنًا، وقد طال ما أكثرت القول فيه حتى مللتُ وملَّني الناس، وهو أن المصريين يذكرون وطنهم معجبين به، مُؤْثِرين له ويملأون أفواههم بهذه الكلمة الرائعة «مصر الخالدة»، فإذا سألتهم عن خلود مصر: ما مصدره؟ وما عسى أن يكون؟ لم تجد عندهم شيئًا ذا بال، وإنما عللوك وعللوا أنفسهم بهذه الألفاظ التي لا تُغْنِي عنهم ولا عن غيرهم شيئًا؛ فذكروا مجد الفراعنة، وذكروا الأهرام وأبا الهول، وآثار الأقصر والكرنك وغيرهما من مواطن الآثار! ثم لا يتجاوزون هذا إلى شيء يدل على فقههم لِمَا يذكرون، وإنما هي ألفاظ تملأ الأفواه، ويَحْسُن وَقْعُها في الآذان وتثير في نفوس قائليها وسامعيها صُوَرًا غامضة لا تمتاز بالجلاء ولا بالوضوح.

فإذا أردنا أن نحقق خلود مصر، التمسنا تحقيقه عند الأجانب فيما ألَّفُوا من كتب التاريخ، وفيما صوَّرُوا من أدب مصر القديمة … وفيما أحبوا من فنها القديم أيضًا.

نحن لا نكاد ننظر في كتب الأجانب هذه حتى نستيقن أن مصر ليست خالدة فحسب، ولكنها مُلْهِمَة أيضًا، مُلْهِمَة دائمًا وناطقة دائمًا، ولكن الأجانب هم الذين استأثروا أو كادوا يستأثرون إلى الآن بإلهام مصر المتصل، وبالدروس الرائعة التي تلقيها على الإنسانية في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. هم قرءوا لغتها القديمة واستطاعوا أن يكتبوا تاريخها القديم، وهم فهموا آثارها القديمة واستعانوا بفهمها على تحقيق تاريخها وتاريخ غيرها من الأمم، وهم يعرفون إلى الآن من حقائق مصر الفرعونية، ومن حقائق مصر في عصر اليونان والرومان، بل من حقائق مصر الإسلامية أكثر مما نعرف! ونحن ساهون لاهون نملأ أفواهنا بالكلمات الجوفاء التي لا تُحقِّق شيئًا ولا تُغْنِي عنها شيئًا.

وما رأيك في أن مصر قد ألهمت هيرودوت منذ خمسة وعشرين قرنًا، أروع ما كتب كاتب قديم عن بلد أجنبي؟! وما رأيك في أنها ألهمت فلاسفة اليونان وشعراءهم وكتابهم آيات في الأدب والفن والتاريخ؟! وما رأيك في أنها قد صنعت مثل ذلك بالرومان، وهي تصنع الآن أكثر وأروع بالقياس إلى الغرب المعاصر؟!

وهي على ذلك بالقياس إلى أبنائها جامدة هامدة وخرساء صامتة، لا تلهمهم شيئًا ولا تقول لهم شيئًا، لا أستثني من أبنائها إلا أشخاصًا يُحصَون إحصاء لا مشقة فيه ولا عسر.

مصر إذن ملهمة، ولكن لغير أبنائها، متحدثة ولكن إلى غير أبنائها … قد شُغِلَ عنها أبناؤها بأنفسهم وبمنافعهم القريبة العاجلة.

هذا المُصوِّر العظيم أندريه لوت قد يزور مصر سنة ١٩٥٠م وسنة ١٩٥١م، وقد نيف على الستين وقارب السبعين من عمره ونضج فنه وآتى ثمره كأحسن ما يؤتي الفن ثمره، ولكنه لا يكاد يزور مصر، ويقف عند آثارها، ويحدق في فنِّها حتى يتأثر أعمق التأثر، وإذا فنه الناضج الكامل يتطور في الشيخوخة كما يتطور الفن في عصر الشباب، وإذا هو ينتج آثارًا جديدة يشيع فيها الوحي المصري والفن المصري والجمال المصري، وإذا هو يعرض آثاره الجديدة مرتين في باريس فيبهر من زار معرضيه بهذه النزعة الجديدة الفتية التي أوحتها إليه مصر، ثم هو لا يكتفي بما جنى من فنه الجديد في مصر، ولكنه يؤلف كتابًا عن الفن المصري يقول الإخصائيون إنه لم يُسبَق إليه، ويقول الإخصائيون أيضًا إنه قد كشف لأول مرة عن التصوير المصري القديم؛ فأظهر للمصورين المعاصرين أشياء لم تكن تخطر لهم على بال، وأظهر للمصورين المعاصرين في فرنسا وفي غير فرنسا أن التصوير المصري القديم لم يكن يسيرًا ولا ساذجًا ولا تصوير أمة حديثة العهد بالفن، وإنما كان تصويرًا ناضجًا كأقصى ما يمكن أن يكون النضج، تصويرًا سبق إلى ما يحاوله أصحاب المذاهب الجديدة في التصوير من الابتكار والاختراع والخروج بالفن من التقليد الموروث.

والمؤلف لا يقول ذلك دون أن يُقِيمَ عليه الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا جدالًا، فأبرع المصورين المعاصرين إذن حين ابتكروا ما ابتكروا من فنهم الجديد لم يزيدوا على ما صنع المصريون القدماء شيئًا.

كذلك يقول الأستاذ أندريه لوت وهو حجة فيما يقول، لا ينازعه في ذلك منازع.

كم أحب أن يقرأ المصريون هذا الكتاب وأن يقرأه أصحاب الفن منهم خاصة، وكم أحب آخر الأمر أن يقرأ هذا الكتاب وزيران من وزرائنا، أحدهما وزير الشئون البلدية والقروية، لعل قراءة صحف من هذا الكتاب تحمله بأن يُعنى بآثارنا في الصعيد، فيمهد إليها الطرق ويتيح لها أن تكون أفصح منطقًا حين تتحدث إلى السائحين وإلى المصريين أيضًا، والآخر وزير الإرشاد، فسيرى حين يقرأ هذا الكتاب أن مذهبنا في نشر الدعوة لمصر محتاج إلى كثير من العناية والتجديد.

أما بعد، فإني أشكر للأستاذ أندريه لوت هذه الخدمة الرائعة القيمة التي أسداها إلى مصر، وأنا أعلم أنه إنما فكر قبل كل شيء في أن يسدي خدمة إلى الفن والعلم جميعًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.