تتألف شركات كثيرة ثم تنحل بعد زمن طويل أو قصير من تكوينها، وقلما يعنى أحد بأنها انحلت، ما لم يكن لحلها أثر واضح في الاقتصاد القومي، أما الشركة التي تتألف بين الرجل والمرأة لإقامة الأسرة فيثير انحلالها في الوسط الذي تحدث فيه أثرًا يتناول القريبين من هذه الأسرة والبعيدين عنها، وكثيرًا ما يتخطى هذا الوسط إلى الرأي العام القومي، بل كثيرًا ما يتخطاه إلى الرأي العام العالمي، وآية ذلك ما تنشره الصحف عن شئون الطلاق في البلاد المختلفة، فهو يعادل عشرات أضعاف ما تنشره عن الشركات التي انحلت. هذا مع أن الأسرة تتناول مصالح محدودة قاصرة على أفرادها، بينما تتناول الشركة مصالح كثيرين من أرباب الأسهم والفوائد فيها، فما علة ذلك، وما عبرته؟

أما عِلَّته فإن الأسرة هي النواة الأولى للعمود الفقري للمجتمع في حاضره ومستقبله، وإنها كذلك منذ أقدم الأزمان، ولهذا أحاطتها الأديان والقوانين جميعًا بقدسية خاصة. أما الشركات في الحياة الاقتصادية، فنظام طارئ سبقته نُظُم أخرى، وهو معرَّض بحكم التطور الاقتصادي في العالم لهزات قد تعصف به وتُحل غيره محله. فالاحتكار والالتزام واشتراك الحكومات في الإنتاج والتوزيع، كل هذه مظاهر شهدها الناس في أجيال مختلفة، وفي أمم مختلفة، وليس هناك مَن يستطيع القطع بأن نظام الشركات كما نعرفه اليوم سيبقى، أو أنه سينقرض كما انقرضت نُظُم سبقته.

وقد تأثرت حياة الأسرة بأطوار النظام الاقتصادي التي تعاقبت على العالم، فحياتها في عهد الصيد قد اختلفت عن حياتها في عهد الزراعة الذي أعقب عهد الصيد، وهي تختلف في العهد الصناعي الذي يسود العالم اليوم عنها في العهد الزراعي، لكن أطوار الحياة التي مرت بالأسرة لم تغيِّر من جوهرها، فهي اليوم كما كانت من قبلُ نواة المجتمع الأولى وعموده الفقري. وقد حاول الاشتراكيون في عهود سلفت، ثم حاول الشيوعيون في أعقاب ثورتهم سنة ١٩١٧، أن يبدلوا نظام الأسرة بنظام جديد يتمشى مع فكرة الاشتراكية، ومع فكرة الشيوعية، فلم تنجح هذه المحاولات ولم يُكتَب لها البقاء، بل وبقيت الأسرة في المجتمع الاشتراكي — كما هي في المجتمع الديموقراطي، وكما كانت في عهود الزراعة والصيد — النواةَ الأولى والعمود الفقري للمجتمع الإنساني.

لهذا كان انحلال رابطة الأسرة أمرًا يلفت النظر عند القريبين من هذه الأسرة والبعيدين عنها، وكان كثيرًا ما يتخطى هذا المحيط الضيق للرأي العام القومي، وإلى الرأي العام العالمي. فإذا انتشرت حوادث الطلاق في أمة أسرعَ المعنيون بشئون الاجتماع في هذه الأمة إلى درس الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الحوادث، وإلى التماس الأسباب لعلاج حال يرونها خطيرة بالنسبة لكيان المجتمع، ولعلنا في مصر نواجه هذه الحال في الوقت الحاضر على نحوٍ يقتضي التفكيرُ فيه التماسَ الدواء الناجح لعلاجه. وليست أمامي الإحصائيات التي أستطيع منها أن أقارن بين نسبة حوادث انحلال أواصر الأسرة المصرية في أوساطنا الزراعية، وفي أوساطنا الصناعية، وفي أوساطنا المثقفة، على أن ما أستطيع أن أقطع به هو أن انتشاره في الأوساط المثقفة يلفت النظر، ويقتضي الباحث الاجتماعي، كما يقتضي المشرع، العناية بأمره على أنه مرض من أمراض المجتمع، ويدعوه إلى أن يلتمس له أسباب العلاج.

وقد لا يكون عسيرًا أن يرى الإنسان أن فترة الانتقال التي يتخطاها المجتمع المصري في حياته الاقتصادية، وفي حياته الاجتماعية، وفي حياته الفكرية، لها أثر كبير في هذه الحال. لقد كنا منذ عشرات قليلة من السنين نؤمن بالرضا، وبأن ما قسمه الحظ لنا لا محيص من الرضا عنه وبه، سواء في ذلك ما قسمه لنا في رزقنا، أو في مركزنا الاجتماعي، أو في حياتنا العائلية، وكنا متأثرين بهذا الإيمان، نرضى بما قسمه لنا أيًّا كان ونحمد الله عليه. والرضا باب من أبواب الطمأنينة إلى الحياة، بل من أبواب السعادة فيها. أما أبناء اليوم فلا يرضون بالحظ المقسوم، بل هم يتندرون به ويطمحون إلى خير منه، ولا يعنيهم في سبيل طموحهم أن يحطموا ما بأيديهم، وقد تصل بهم ثورتهم إلى هذا الخير الذي يبتغونه، وقد تقصر بهم دونه، ويحدث أن تكون حياة الأسرة بعض ما يحطمون.

هذه حال ذهنية قائمة بنفس الشعب في مختلف طبقاته، وهي أعمق غراسًا في بعض الطبقات منها في البعض الآخر، وهي أكثر عمقًا في الطبقات المثقفة والمستنيرة، مع التسليم بأن هذه الطبقات أقدر من غيرها على مغالبة العقبات وتخطيها.

وهذه الحال الذهنية تتناول جوانب الحياة كلها، في نواحيها الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما، وهي حال لا توجب الانزعاج من الناحية القومية؛ لأنها دليل يقظة الشعب وبرمه واندفاعه يريد حياة أفضل مما ألف، وهي نتيجة طبيعية لشعور بقي مستجنًّا في نفس الشعب زمنًا طويلًا، ثم آنَ له أن يبرز إلى الوجود فيحطم قيودًا ثقالًا ناء الشعب بحملها زمنًا طويلًا، لكنها مع ذلك جديرة بالبحث والتحليل، حتى لا تستفحل وتدعو للانزعاج من ناحية قومية.

وقد ألفت الأمم المتحضرة، إذا تفشَّى فيها مرض اجتماعي أو نفسي أو غير ذلك من الأمراض، أن تؤلِّف لجنة من الإخصائيين لبحث واقتراح العلاج له، فكثيرًا ما تألفت لجان فحص حالات أقل خطرًا من الحالة التي تعانيها الأسرة المصرية في الوقت الحاضر. فواجب على المسئولين أن يعنوا بهذه الحال، وأن يؤلفوا لجنةً من علماء النفس والاجتماع والمعنيين بشئون التشريع، لعمل ما تقوم به من درسها وتحليلها وما تقترحه من أسباب علاجها يهديهم إلى التماس أمثل الطرق لهذا العلاج.

لقد كنا في الماضي نكتفي بجهود الأفراد في مواجهة مثل هذه الشئون الاجتماعية، وكان الذين يتصدون لها يلقون في كثير من الأحيان مقاومة من طوائف مختلفة تجعل التصور لبلوغ الغاية المقصودة عسيرًا وبطيئًا. ولم ينسَ أحد ما لقيه قاسم أمين من المقاومة حين نادى في أوائل هذا القرن بتعليم المرأة وسفورها، ولم ينسَ كذلك أحد أن التحاق الطالبات بالجامعة قد كان من عمل مديرها الأول، أستاذنا الكبير أحمد لطفي السيد، وأنه لحسن الحظ لم يلقَ في ذلك من المقاومة ما لقيه قاسم أمين حين قام برسالته وأعلن دعوته. وهذه الجهود الفردية جديرة بالحمد والثناء لا ريب، لكن الاعتماد عليها وحدها في تطور الأمة إلى الغاية التي يجب أن تبلغها، لا يسرع بمصر إلى ما تطمح إليه اليوم من أسباب الاستقرار في جوانب حياتها المختلفة.

ولا يحسب أحد أن ما هو واقع من حوادث الانحلال في روابط الأسرة لا يستحق كل هذه العناية، فهذا الانحلال يستفحل يومًا بعد يوم، وآثاره تمتد إلى حياة البلاد وإلى تفكير شبابها في مستقبلهم، وإلى إقبالهم على إنشاء الأسرة التي تكفل للوطن طمأنينته وعزته وقوته. أَمَا والأمر كذلك، فالخير كل الخير إلى المبادرة في هذه العناية محافظة على كيان النواة الأولى للمجتمع، واحتياطًا للمستقبل حتى لا يزداد المرض استفحالًا فيتعذر تلافيه وعلاجه.

ويزداد هذا الأمر وضوحًا إذا نحن تذكرنا الآية الكريمة: (). ولا يتغير ما بالنفس إلا بتسليط العلاج على النفس، وعلى الحالة الذهنية التي تتأثر النفس بها. وقد يكون لعلاج الحياة الاقتصادية على نحوٍ يرفع من مستوى العيش المادي أثره في كيان الأسرة، وقد يكون للبيئة الاجتماعية أثر كذلك إذا توفرت في هذه البيئة دواعي السكون إليها بوجود أسباب الصحة ودوافع السأم والملل، وقد يكون لعوامل أخرى في حياة المدن كبيرها وصغيرها وفي حياة الريف ما يحبِّب الناس فيها، ويدفع عنهم ما يثير أعصابهم ويقلق نفوسهم ويجعلهم سريعين إلى الغضب وإلى ما يدفع الغضب إليه من تقويض روابط الأسرة، وقد تخفِّف هذه العوامل من الحال التي يشكو الناس اليوم منها، لكن هذا كله لا يبلغ أن يستأصل العلة أو يغير من نفوس الناس، وإنما يغير منهم أن يُسلَّط العلاج على الحال الذهنية التي أدت إلى ما يقع من حوادث الانحلال في الأسر، وهذا العلاج هو ما يجب أن تصفه اللجنة التي أقترحُ تأليفَها، بعد أن تكون قد حلَّلت أعراض العلة وأسبابها الظاهرة والخفية.

أمَا وقد ذكرنا العلة والحاجة الملحة لعلاجها، فيجب أن نذكر ما لهذه الحال التي نتحدث عنها من عبرة جديرة بأن لا ننساها، جديرة بأن تظل ماثلة أمامنا وأمام اللجنة التي تؤلَّف، تلك أن حياة الأسرة ضرورة لا يمكن استبدال غيرها بها إذا أردنا بالمجتمع الخير؛ ولهذا لم تنجح محاولات الاشتراكيين والشيوعيين في أن يكون الأبناءُ أبناءَ المجتمع لا أبناء آبائهم وأمهاتهم، والسبب في عدم نجاحهم أنها لم تحسب للعاطفة في الحياة حسابًا، ولم يَدُرْ بخاطرها أن للأبوة وللأمومة من الأثر في تربية الأطفال وتنشئتهم ما لا يمكن تعويضه. ومنذ ألفي سنة أو تزيد قال أفلاطون دفعًا لرأي هؤلاء الاشتراكيين إنهم إذ يحسبون أنهم يستطيعون أن يحلوا المجتمع محل الأب والأم، إنما يصنعون ما يصنعه مَنْ يضيف قدرًا كبيرًا من الماء إلى ما عنده من العسل، ويحسب أن العسل تبقى له حلاوته. فَلْتكن جهود اللجنة التي تعالج أسباب الشكوى أساسها المحافظة على كيان الأسرة وتقويته على أنه النواة الأولى للمجتمع، وأن الاستغناء عن هذه النواة غير ممكن، بذلك تستطيع أن تؤدي للأمة خيرًا كثيرًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.