إن الحرص على الهوية ينبع من حب الذات والوطن والتاريخ وذكريات العمر والأجيال، فلا ملامة على التعلق بالهوية، ولكن لا يصح أن يتمادى هذا التعلق إلى حد إضفاء التقديس عليها، ولعله — باستثناء الدين — لا يوجد ما هو مقدس في الهوية، فهي في الجملة مكونة من عناصر قابلة للتطور والتغيير والتجديد، بل الحذف والإضافة كيفما تقتضيه حكمة الرقي والتقدم في طريق الإنسان الطويل نحو الحياة الكاملة.

إن الدفاع عن الهوية — لا لسبب إلَّا أنها هويتنا — باطل، كما في التنكر للهوية — لا لسبب إلَّا انبهارًا بهوية حضارة أخرى — باطل أيضًا. كلا الموقفين غير معقول، ولا أصالة فيه، ولا ينتج عنه إلا الاختلال والخطأ، وهو لا يعني إلَّا التمسك بما يضرُّ ولا ينفع، أو بما ضرره أكبر من نفعه.

ويؤكد هذا المعنى عرض العناصر التي تتكون منها الهوية، فهي تتكون من العادات والتقاليد والأفكار والأذواق، والحكم على تلك العناصر — سواء في ذاتها أو عند مقارنتها بأمثالها في الحضارات الأخرى — يجب أن يُبنى على ما تتضمن من خير أو شر، أو ما تحقق من نفع أو ضرر، أو ما يسندها من صدق أو جمال، وبناء على تلك المناظرة المتواصلة؛ ينتهي بنا الأمر إلى المحافظة على هويتنا برفض كل غريب أو التأثر بالغير، ولا ضرر إذا انتهى بنا إلى تفضيل عناصر برمتها على نظائرها عندنا، المهم أن نعمل باستقلالية في التفكير وحرية في الاختيار، وسيسفر التفاعل عن هوية جديدة لن تلبث أن تصير تراثًا وهوية آباء وأجداد.

علينا أن نواجه عصر القرية الكبيرة الواحدة بكل شجاعة وثقة بالنفس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.