بعد يوم نحتفل في مصر بذكرى ميلاد الدنيا، ونفرحها بشبابها؛ لأن بعضهم يقول: إن عمرها بعد غد لا يزيد على سبعة آلاف سنة … في حين أن العارفين بهذه العجوز المتصابية يقولون: إن سبعة آلاف مليون سنة أقل من سنها عند الرضاع.

والبحث في الأصول متعب على كل حال، وفرحة الدنيا بشبابها تسرها وتسر أبناءها، ولا تسوء أحدًا.

فليكن عمرها بعد غد ما يكون، سبعة آلاف سنة، أو سبعة آلاف مليون سنة، أو سبعة وبعدها أصفار لا تنتهي، أو سبعة وقبلها أصفار بلا أول يعرف ولا آخر يوصف.

ليكن عمرها بعد غد ما يكون، فهي قد ولدت بالسلامة، وهي تذكر لنا مولدها بعلامات، وعلى حسب هذه العلامات نعرف يوم الميلاد بغير تعداد.

من علامات الميلاد: شمس تعتدل وأرض تنبت الثمر والبقول، وطير تمرح، وحيوان يسرح، وإنسان بينها يمشي على قدمين، وليس يهمه أن يمشي بهما إلى أي مكان.

شمس تعتدل قبل كل شيء؛ وشمس تعتدل قبل كل شيء معناها في عرف الأقدمين: نهار وليل مستويان.

وهذه أول علامة، فهل هي صادقة؟

لا نظن … أو هي غير صادقة على التحقيق، وتلك بعض العلامات على كذب الدنيا في مسألة العمر، وغيرها من العلامات كثير.

قالوا: إن الدنيا خلقت معتدلة ثم اعوجت باختيارها، فاختلف النهار والليل وهذا أول اختلاف، ثم جعل النهار ينقص والليل يزداد حتى بلغا غايتهما من النقص والازدياد في مولد الشمس الجديد آخر العام.

أما بعد غد — يوم شم النسيم — فبينه وبين ذكرى ميلاد الدنيا أربعة وثلاثون يومًا، أي أكثر من أربعة أسابيع.

لماذا يا ترى هذا التأخر في القيام بواجب الاحتفال بتلك الذكرى السعيدة؟ السبب مرة أخرى هو الاختلاف. أي اختلاف؟ أهو في هذه المرة اختلاف الليل والنهار؟ كلا، وألف مرة كلا، بل هو اختلاف أبناء آدم وحواء، واختلاف أتباع موسى وأتباع عيسى من جهة، ثم اختلاف أتباع عيسى من بعض الجهات.

إن أتباع موسى وأتباع عيسى لا ينبغي أن يحتفلوا بعيد الفصح في يوم واحد، فلا بد من تقديم أو تأخير.

وبعد تعطيل العيد عشرات السنين في القرون الأولى، بقي من بقي على الموعد القديم، واتفق من اتفق على موعد جديد، وهو يوم الإثنين الأول بعد يوم الأحد الأول، بعد القمر الأول، بعد يوم الاعتدال …

ولا يظن المتعجلون أن الحكاية بهذه السهولة التي يتصورونها، وأن ذوي العقول وذوي الأيدي قصروا في بذل الجهد الجهيد للتوفيق والتوحيد.

إن عصبة الأمم على جلالة قدرها عالجت هذه المشكلة قبل ثلاثين سنة — أو بالضبط في سنة ١٩٢٥ — وحاولت أن تثبت عيد الفصح في يوم واحد يحتفل به العالم كله، فعجزت عن هذا التوحيد كما عجزت عن كل توحيد، وانتقلت إلى رحمة الله قبل أن تُثبت ميلاد الدنيا من جديد.

وظن البرلمان الإنجليزي بجلالة قدره أنه مستطيع ما لم تستطعه عصبة الأمم بجلالة قدرها، فظل ثلاث سنوات يبحث هذه المشكلة إلى سنة ١٩٢٨ … ثم قرر الاحتفال بالعيد يوم الأحد الأول، بعد يوم السبت الأول، من شهر أبريل. وإلى الآن لم يعمل أحد بذلك القرار.

يوم كانت الدنيا دنيانا

على أن أبناء مصر — يوم كانت الدنيا دنياهم، يحتفلون بميلادها على هواهم — كان لهم يوم لا يتغير لعيد الربيع وعيد الاعتدال، وكان أبناء الدنيا جميعًا يحتفلون معهم بذلك العيد في موعد فلكي واحد، وكان من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب يسمى على اسم الزهرة ربة الجمال والحسن والاعتدال. وما اسمه اليوم عند أبناء أوروبا الوسطى وأبناء أوروبا الغربية؟

اسمه «إيستر» من الاسم الجرماني القديم Eostre من اسم الزهرة «إشتار» — أو عشتار — وهو اسم النجم عندهم في أكثر اللغات، فهل هو إلا عارية من الشرق الذي يعيرونه ويعيِّرونه الآن؟! والحق على الدنيا بعد كل هذا.

لقد جربتنا الدنيا قديمًا فوجدناها ووجدنا عيد ميلادها، وفرحناها بشبابها. فلتجرب اليوم من تختارهم، وتقبل عليهم، وتبيض لهم على الوتد كما يقال! فإنهم فرقوها ومزقوها وحسبوا عمرها بملايين السنين، بل بملايين الملايين.

تستاهل … فإن كان قد ساورها الندم بعض الشيء فطريق الشرق معروف، والعود أحمد، ولو بعد ألوف وألوف.

شم النسيم في الشتاء

والخطب مع هذا هين إذا وقف عند هذا الاختلاف بين قمر وقمر وبين أسبوع وأسبوع، وغاية فرقه أو فروقه لا تزيد على أسابيع.

أما الخوف الأكبر فهو أن نترك شم النسيم يزحف ويزحف حتى نحتفل به في الشتاء، ولا حمص أخضر يومئذٍ، ولا حنطة في الحقل، ولا حملان من مواليد الحول في الربيع.

إن الهرم الأكبر بجوانبه الأربعة نحو الجهات الأربع يدل على أن المصريين أيضًا قد عرفوا هذا الخطر قديمًا، فحسبوا الوقت وحسبوا مواعيد الفصول وحسبوا اتجاه الفلك إلى الشرق والغرب والشمال والجنوب، وخرجوا من ذلك بتصحيح دقيق يعودون إليه ثم يعودون إليه على توالي القرون.

بعد ألوف السنين

أما نحن — أبناءَ العصر الحديث — فإن دام بنا الإهمال على هذا المنوال فسوف يحتفل — من سوف يحتفلون بشم النسيم — في إبان الشتاء.

واحسبها على أصابعك أيها القارئ اللبيب!

السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وخمس ساعات وثمانٍ وأربعون دقيقة وستٍّ وأربعون ثانية، لا تنقص ولا تزيد.

والسنة على حساب التقويم ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وست ساعات.

فالفرق بينهما إحدى عشرة دقيقة وأربع عشرة ثانية. اجمعها واحسبها واضربها تجد أنها تفرق يومًا كل مائة وثمان وعشرين سنة … فإذا دام الحال على هذا المنوال ألف سنة بعد ألف سنة فلا «ملانة» ولا بصل ولا قمح للطعام في حقول الشتاء، ولا شم نسيم على الطراز القديم.

إن بقي نسيم!

والعزاء الوحيد يومئذٍ — إن صح أنه عزاء — أن شم النسيم سوف يأتي بغير نسيم وبغير أنوف تشم النسيم.

ما وظيفة القذيفة الذرية إن لم تعمل هذه العملة وتنقل هذا اليوم السعيد إلى يوم سعيد آخر؟! ما هي وظيفة القذيفة الذرية إن لم تخربها وتجعل عاليها سافلها وتحول ذكرى ميلاد الدنيا إلى ذكرى وفاتها يرحمها الله، أو يلعنها الله؟! وإذا لعنها الله فيوم وفاتها عيد سعيد، لعله أسعد من يوم ميلادها القديم أو الجديد.

في كل يوم نسمع عن الذرة التي تحطم إذا انفلقت، أو نسمع عن الذرة التي تحطم إذا التحمت، وقد نسمع غدًا عن الذرة التي تحطم وهي مفلوقة وتحطم وهي ملحومة! وكم عنصرًا عندنا في الطبيعة الدنيوية؟ لقد كادت تبلغ المائة مطبوعة ومصنوعة، وكل منها يشتمل على ذرات، وليست ذرة بأحسن من ذرة، وليس أحد بأحسن من أحد.

فإذا انطلقت الذرات مفتخرة بعناصرها معتزة بجواهرها، وتسابقت في التحطيم والتهشيم من هيروشيم إلى ألف هيروشيم، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل من الآن: يا رحمن يا رحيم، على هذا العالم «المرحوم» من جديد وقديم.

وبعد قرون وقرون … يحتفلون بشم النسيم، ولكنه احتفال أرواح بذكرى الوفاة، وليس احتفالًا بالميلاد على هذا التقويم أو ذلك التقويم، وفوق كل ذي علم عليم.

والأطباق الطائرة

وكأنما هذه العناصر الأرضية لا تكفي للقيام باللازم كله حتى تعان عليه بجنود من السماء على طبق، أو على أطباق! وتقول لنا أخبارنا الصحفية: إن «فريقًا من علماء نيوزيلندة وزملائهم في القارات ينتظرون اليوم الخامس والعشرين من شهر يونيو المقبل بصبر نافد … ويتوقعون وصول فريق من سكان المريخ في الأطباق الطائرة زوارًا لكوكبنا المتواضع، وإنهم ليشعرون بخيبة أمل كبيرة إذا لم تصل هذه الأطباق حاملة سكان المريخ …»

يقول رئيس الجماعة: إن الأطباق الطائرة تأتي عادة من المريخ، وإن المريخ في الخامس والعشرين من يونيو المقبل سيكون في اتجاه الأرض مباشرة وعلى خط مستقيم معها ومع الشمس ولا تزيد المسافة بينه وبين الأرض على أربعين مليونًا من الأميال ونحو نصف مليون …

أما إذا لم تصل هذه الأطباق في الموعد المنظور فموعدها إذن سبتمبر سنة ١٩٥٦؛ إذ لا تزيد المسافة بينهما يومئذٍ على خمسة وثلاثين مليونًا ونحو نصف المليون …

مشيناها خطًا كتبت علينا

ومن كتبت عليه خطًا مشاها

ولكن «المضروب واع»

في يوم كيوم شم النسيم المقبل، خرجنا إلى الريف وقضينا الصباح في الحقول، وأمر مضيفنا بإعداد الطعام في الحقل، فأشرفت على الطبخ والتحضير فتاة فلاحة يصحبها ولدها الصغير لا يزيد عمره على ثلاث سنوات.

ونوديت الفتاة من جانب الغيط المجاور فأسرعت إلى تلبية النداء وتركت ولدها الصغير إلى جانب النار، فجعلنا نصيح بها: «خديه معك» فإن بقاءه إلى جانب النار غير مأمون … ولم تكترث الفتاة أقل اكتراث، بل جعلت تقول وهي منصرفة إلى موضع النداء: لا تخافوا عليه؛ «المضروب واعي».

وانطبع هذا المنظر في ذاكرتي؛ لأني لم أزل أنظر إلى ناحية الطفل حتى عادت إليه أمه، وثبت حقًّا أن «المضروب واعٍ» بغير كلام؛ لأنه على تحويمه حول قدر الطعام لم يقترب من النار أكثر من بضع أقدام.

وأخشى أن أقول — أو على الأصح أرجو أن أقول: إن نوعنا البشري — حفظه الله — مضروب واعٍ كذلك المضروب بين إغراء الطعام والخوف من النار.

لقد عرف هذا المضروب سر النار من أيام سكنى الكهوف، وسر النار مع حفظ النسبة لا يقل عن سر الذرة في أخطاره ومنافعه وأضراره، وها هو ذا يحمي نفسه من خطر النار عشرات الألوف من السنين، ولو شاء لاحترقت بها الديار وهلك بها الديارون.

وأغلب الظن أن «المضروب» سينجو من هذه النار الحديثة وينتفع بها في أمور لا تخطر الآن على بالٍ، أكبر الظن أنه سينتفع بها في كبح البهيمية التي تلبس لباس الوحشية في هذا العصر المخيف، وأنه سيعلم بها أصحاب العدد الكثير قيمتهم إذا تطاولوا بها على أصحاب الرأي والنفع والتدبير.

أما أطباق المريخ فسوف يطول انتظارها بعد يونيو هذه السنة وبعد سبتمبر سنة ١٩٥٦؛ فقد جربنا تسكع هذه الوفود العلوية بين أجواز الفضاء قبل الآن، ويخيل إلينا أنها تنوي وتعدل منذ أجيال، أو يخيل إلينا أنها تستقبل الأرض ثم تقترب منها، ثم تلمح ما فيها عن كثب فتعود أدراجها وتيمم ناحية أخرى من المنظومة الشمسية أو ما يحسن في عينيها من المناظيم.

منذ خمسة وعشرين قرنًا تحدث النبي حزقيل عن هذه الأطباق؛ حيث قال في الإصحاح الأول من سفره: «وإذا بكرة واحدة على الأرض بجانب الحيوانات بأوجهها الأربعة … منظر البكرات وصنعتها كمنظر الزمرد، وللأربع شكل واحد وصنعتها كأنها كانت بكرة وسط بكرة.»

وعاد إلى ذكر هذه البكرات في الإصحاح العاشر، فقال: «بكرة واحدة بجانب الكروب الواحد وبكرة أخرى بجانب الكروب الآخر. ومنظر البكرات كشبه حجر الزمرد، ومنظرهن شكل واحد للأربع، كأنه كان بكر وسط بكرة.»

وقد صح ما قاله حزقيل عن الخسوفات والكسوفات بحساب الفلك، وصحيح ما قاله عن البكرات وعن شكلها وعن لونها؛ لأنها ظاهرة تكررت في أزمنة كثيرة، ومنها زماننا هذا على أصدق ما قيل من أوصافها، بعيدًا من التهويل والتشويق والتشويش.

وقد كان من أنبياء العهد القديم أنفسهم من يحذر قومه من تفسير هذه الظواهر على غير وجهها، كما قال إرميا في إصحاحه العاشر: «لا تتعلموا طريق الأمم، ومن آيات السماء لا ترتعبوا؛ لأن الأمم ترتعب منها …»

وليس أكثر من هذه الظواهر التي رواها بليني الطبيعي ورواها الطبيعيون والمؤرخون بعده إلى القرون الوسطى وما بعد القرون الوسطى، ومنها ما يشبه هذه الأطباق أو تلك البكرات، ومنها ظهور الأسهم والحراب والسيوف كأنها سراب السماء، ومنها ظهور شمسين أو ثلاث شموس في وقت واحد، وقد رآها بليني وتحدث عمن رأَوْها واعترف بعجزه عن تفسيرها على وجه مقبول.

وقد أحصى المؤرخون منذ القرن السابع عشر ألوانًا من هذه الظواهر في أنحاء القارة الأوروبية، ولا تزال الكرة الأرضية بمأمن من طوارق تلك النذر إلى هذه السنة بعد منتصف القرن العشرين.

أما في العصر الحديث فقد أحصى العالم الفلكي «دونالد منزيل» أستاذ الظواهر الجوية بجامعة هارفرد أمثلة متفرقة من هذه الظواهر التي تشبه الكرات أحيانًا وتشبه الأطباق أحيانًا أخرى، ونقل منها صورًا ونماذج مما شوهد في بحار اليابان وكوريا ومما شاهده ركاب الطيارات، وركاب السفن. وقد سجلوا مشاهداتهم في المجلات والكتب قبل القرن الحاضر، ولا يزالون يسجلونها لتحقيقها وتفسير أسبابها، كما يسجلونها لتزويد الناس بالمخاوف المشتهاة. وهي على ما يظهر مشتهاة متمناه، يجدون منها الكثير حقًّا وفعلًا فلا يقنعون بها، ولا يغنيهم ذلك عن اختراعها والإضافة إليها من صنع الوهم وتلفيق الخيال.

ولتكن تلك الأطباق الطائرة ما تكون … لتكن إذن رسلًا متسكعة، في أجواز الفضاء، تغتنم فرصة الانطلاق من المريخ أو من الزهرة لتطوف الكون كله قبل أن تبلغ محطة الوصول على الكرة الأرضية، ولتكن فرجة سماوية من قبيل النيازك والصواريخ، يتشاغل بها سكان الفلك الأعلى جادين أو لاعبين، ولتكن على أسوأ الظنون نذرًا تتوعد سكان الأرض بغارة من الأعداء أو بنقمة من الفضاء … إنها كيفما كانت ليست بالخطر المستعجل ولا من البدع المخيف ولا من طوارئ الزمن الجديدة عليه.

وإن الخطر الذي تبدو طوالعه في القرن السادس قبل الميلاد ثم يأتي القرن العشرون وهو باقٍ حيث كان وكما كان، لمستطيع أن يبقى بعد اليوم عدة قرون، ولواجد في القرن الأربعين من يقول: هكذا كانوا يخافون قبل خمسة آلاف سنة، وهكذا كانوا يخافون في عصر القذيفة الذرية، وهكذا نخاف اليوم، أو لا نخاف.

والمضروب واعٍ … والمضروب «رد شقاء» … والمضروب يجب أن يفزع كما يفزع الأطفال، وهم يعرفون من يفزعهم ويستعيدونه اللعبة وأعينهم مفتوحة في الظلام، وفي النور!

يوم من أيام الحياة

ولنترك مرصد المستقبل يطلع لنا شم النسيم في الصيف أو الشتاء. ولنرجع إلى ماضيه لنذكر بحق أنه يوم من أيام الحياة: منذ أكثر من ثلاثين سنة، دعانا صاحب مكتبة من أبناء الحي الحسيني إلى شم النسيم في علوة الدرَّاسة، وقال: إنها مصطاف الصالحين، وإنها إذا راق الجو فيها لم يكن له نظير، وإذا تغير وتكدر فهو كذلك في كل مكان … وكان ظريفًا حقًّا صاحبنا صاحب المكتبة.

كنت مع الأستاذين المازني والسندوبي، وكنا نمر ببرج «الظفر» فنقول: هكذا تنقلب التواريخ في مصر، فما أبعد الشقة بين برج الظفر كما كان بالأمس وبين «البرج الزفر» كما يسمونه اليوم.

فقال صاحب المكتبة: خلوه «زفر» هذا النهار، فمائدتكم بعد ساعة كلها زفر: فسيخ وطعمية وحبائش وبصل وكل ما تشتهون من هذا القبيل … ولولا أننا أتينا على تلك المائدة فعلًا لما صدقنا أننا فعلناها وأقدمنا على تلك المجازفة. وكذلك أثبتنا لأنفسنا أننا كنا في يوم من أيام الحياة.

إن لنا أصدقاء مشغولين على الدوام بتنظيم الوجبات على حسب المواد وخصائص الغذاء.

مقدار كذا من مولدات الحرارة، ومقدار كذا من مولدات اللحم والشحم والعظام، ومقدار كذا من فيتامينات الأبجدية جمعاء: باء ودال وسين، وغيرها من ودائع الأنابيب والعلب والمعاجين.

وحسن ولا ريب تنظيم الطعام على حسب مطالب الأجسام، ولكن الذي أخالفهم فيه أن البنية الحية ينبغي أن تبقى بنية حية مع كل نظام وعلى كل طعام، وأول خصائص البنية الحية أنها تعوض النقص، وتقاوم الضرر، وتحتال على توجيه الزيادة إلى النفع والسلامة، فإذا كنا نعطيها كل شيء في كل يوم بمقدار لا يزيد ولا ينقص، فقد خرجت من عداد الأحياء ودخلت في عداد الآلات، وأصبحت بعد زمن قد تعودت أن تتلقى لوازمها وفقدت مزية التعويض والتمثيل وتدارك النقص وتصريف الزيادة …

فلا بد للحياة من مزايا الحياة، لا بد نعم من التنظيم والتقسيم ولكن على هذا الشرط بعد كل نظام ومع كل طعام، وهو شرط الاعتماد على البنية الحية من آنٍ إلى آن.

لقد كان شم النسيم على تلك المائدة يومًا من أيام الحياة ولا جرم؛ فقد كانت الحياة وحدها تعمل بغير قيد ولا رقابة، وتغلبت وحدها على نصائح الطب وتصنيف الوجبة و«الرجيم»، وحبذا الفضل في ذلك لشم النسيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.