مسألةٌ يمكن الاتفاق عليها، بل يجب الاتفاق عليها قبل كلِّ كلامٍ في دعوة العبث ودعوة اللامعقول. وهما غير مترادفين ولكنهما مشتركان في كثير من وُجُوه الخلاف عليهما بين الناقدين والعابثين.

ينبغي أن نتفق على التفرقة بين العبث وإدراك العبث …

فإن العَبَثَ لَغْوٌ وسخافةٌ بغير غاية أو بغير معنى.

ولكن إدراك العبثِ غايةٌ مقصودةٌ لها معناها، ولو كان هذا المعنى فصلًا حاسمًا بين العمل المقصود واللامقصود إذا جرينا على منهجهم اللغوي في المعقول واللامعقول.

إن الماء المختلط بالأتربة والنفايات عَكِر.

ولكن العين التي تدرك أنه عَكِر ليست بِعَكِرَةٍ، ولا يجوز لنا أن نُعَكِّرَهَا عَمْدًا لكي يصبح النظر موافقًا للمنظور … على قول أولئك الأدعياء الذين يعطوننا كلامًا مختلطًا مُعَكَّرًا؛ لأن العالم في رأيهم خليط من الأكدار، ولا سبيل إلى تصفيته على شكل من الأشكال.

وكل عبث فهو خالٍ من الغاية، ولكن غاية من؟

لا بد من هذا السؤال؛ لأن كاتب القصة غير بطل القصة وغير قارئ القصة، وغير الطابعين والناشرين للقصة …

فمهما يكن من عبثِ الحياة التي يَحياها بطلُ القصة حسب تصور المؤلف، فإن القصة نفسها غاية مقصودة لا عبث فيها ولو كانت تمثل العبث كله على كل صورة من صوره في الواقع أو في الخيال.

وما من شيء يكشف لنا مهازل هؤلاء «العبثيين» من فلاسفة الحي اللاتيني وزبائنهم في البلاد الأخرى، كما يكشفه لنا أكبر الأمثلة التي ضربوها لعبث المقادير التي تتسلط على حياة الإنسان وحياة الكون كله في نهاية المطاف.

ذلك هو مثل «سَيْسَفُوس» الذي تقول لنا أساطيرُ اليونان إن الأرباب غضبت عليه فعاقبته بالعمل الدائب، لا ينقطع ولا يزال يتكرر على صورة واحدة، كلما انتهى منه عاد إليه كما بدأ إلى غير نهاية.

فهو مسلسل إلى جبل شامخ يصعد بالصخرة من أسفله إلى قمته العليا، ثم تعود الصخرة كلما بلغ بها تلك القمة فتأخذه متدحرجة إلى القرار؛ ليعود هو مرة ثانية وثالثة ورابعة إلى الصعود بها دواليك بغير راحة ولا استقرار، بين أعلى القمة وأسفل القرار.

فإذا شاء ناقد أن يُسمِّي عملًا من هذه الأعمال عبثًا بغير غاية، فعليه أن يقول لنا مَن هو صاحب الغاية التي يريد أن ينسبها إليه. أهو الأرباب؟

كلا؛ لأن العمل كله من جانبها ليس بالعبث على وجه من الوجوه، ولن يكون عبثًا ما كان له سبب مفهوم وما كانت له كذلك غاية مفهومة.

أما السبب هنا فهو واضح مفهوم جد الوضوح والفهم، وهو الغضب الذي يدعو إلى النقمة.

وأما الغاية هنا فهي العقوبة التي يشعر المغضوب عليه بأنها عقوبة مفروضة عليه، ولن تكون كذلك إذا كانت عملًا يحقق له غاية يختارها لنفسه بغير غضب من الأرباب.

بل من الجائز جدًّا أن تتجرد المسألة من العبث بالنسبة ﻟ «سَيْسَفوس» المقضي عليه بتلك العقوبة، إذا كان معنى العبث مرادفًا لمعنى غير المفهوم؛ فإن «سَيْسَفوس» يفهم في كل حركة من حركاته لماذا يتحركها … وماذا يتبعها بعد انتهائها … وماذا دعا إليها قبل ابتدائها، ويفهم أنه لو لم يُغْضِب الأرباب لَمَا فَرَضَتْ عليه الأربابُ شيئًا منها، ويفهم أن المسألة جد لا هزل فيه، وليس بعبثٍ ولا هزلٍ ما نعرف أسبابه ونعرف أنه القضاء المبرم الذي نؤدي به فريضة العقاب.

فإذا أراد فيلسوف الحي اللاتيني أن يجعل صاحبه «سَيْسَفوس» مثلًا للإنسان في الكون الأبدي الذي لا أول له ولا آخر، فَلْيَقُل لنا كيف يحكم على هذا الكون الأبدي بالخلو من الغاية في النهاية، وليست له نهاية؟ …

وليقل لنا إذا كان للكون نهاية في رأيه ولو إلى العدم: كيف يحكم على غايته بما يراه اليوم أو بما سيراه الأعقاب بعد الآلاف وبعد الملايين من السنين؟

تلك غاية يجهلها، ولا بد أن يجهلها وأن يجهلها مثله كلُّ مَن تصدَّى للحكم عليها.

وإذا صحَّ عنده أن الكون «أبدي» لا يوجد من ورائه شيء خارج عنه، فلماذا لا تكون غايته هي هذا الذي يحدث فيه ويتكرر حدوثه كما نراه ويراه مثلنا كلُّ مَن رآه؟

لماذا لا يكون هذا كله غاية مطلوبة لذاتها؟ وكيف تكون الغاية في تعريفه وتقديره إذا شاء أن يتصورها واستطاع أن يخلقها، أو وجب عليه أن يخلقها كما يريدها جادًّا غير عابث، وقاصدًا غير مَسُوق إلى غرضه هو وليس إلى غرض أحد سواه.

فالحكاية ليست من السهولة بحيث يتخيلها فلاسفة التقاليع، وليس من السهل أن يعبث فيها مَن يرسل عنانه مع العبث على هواه.

ومهما يكن من عبثِ هذه الدنيا فإن السؤال عن الغاية التي يتعلق بها حُكم العبث خليق أن يرد إلى العقل أطول عنان من أعنة اللامعقول الجموح.

وليقولوا عن العبث ما يشاءون، ولكنهم سيعلمون راغمين أن إدارك العبث جد لا هزل فيه، وأن العين «العكرة» لا تصلح للنظر إلى الماء المعكر ولا إلى الماء الذي يقطر بالصفاء! …

***

وليس كاتب هذه السطور هو الذي كتب السطور التالية التي يقول كاتبها الحكيم: ليس معنى اللامعقول «أنه موقف ضد العقل، فأنا لست من هذه الطائفة … إن ما يصدر عَنِّي إنما يصدر تحت سيطرة عقلي، وإني قصدت عمدًا استخدام كلمة اللامعقول … وهي شيءٌ آخر غير مسرح العبث كما يُسَمَّى في أوروبا وأمريكا …»

وكاتب تلك السطور هو كاتب سطور مثلها سبقتها في صفحات الكتاب، وقال فيها بحكمته التي يستمدها من اسمه ومسماه:

إن الغموض في الفنِّ إذا كان نتيجةً فهو نقصٌ، وإذا كان سببًا فهو دجلٌ … وإذا تعمَّدَ الفنانُ منذ البداية أن يكون غامضًا، واتخذ الغموض سببًا أو غرضًا لذاته بغية الإدهاش، والصدم، والتعمية؛ فهو دجل …

وقائل هذه الكلمات وتلك الكلمات معًا هو أَوْلَى القصاصين عندنا أن يقولها، وأن يعرف الدجالين الذين صدقت عليهم من جانب السبب ومن جانب النتيجة في وقتٍ واحدٍ، مِمَّن يُسَمِّيهم بالمجددين، وربما هاله أن يسمع مِنَّا عَنْهُم وَعَن أتباعِهِم وأشْيَاعِهِم وَصْفَهُم بالدَّجَلِ والرَّقَاعَةِ؛ لأنهم يحملون شُهرة كَشُهْرَةِ «بيكاسو» في التصوير، وهو يهدم فنَّ الرسم واللون، ويهدم الأشباه والأشكال، ويمارس التنجيم بالفُرشة وهي لم تُخلَق من أدوات التنجيم.

ومَن تُرى يكون ذلك الكاتب الحكيم؟

هو — بغير حاجة إلى فُرشة بيكاسو — عبقريُّنا القصصي توفيق الحكيم أَوْلَى القصاصين أن يقولها؛ لأنه هو أديب القصة «الفكرية»، قصة الحوار المحكم الذي لا يفلت من زِمام العقل لحظة في سؤال ولا جواب، ولا يزال يستدني الخيال من وادي التيه لينظمه في حلقة من حلقات تلك السلسلة الذهنية متلاحقًا بها أطراف الحوار.

وليس الحكيم من تلك «الطائفة» كما قال …

ولكنه — وهذا عيبه يا خسارة! — لا يزهد في حسن الرأي من المعجبين بها، ومن كل طائفة لها معجبون يحسنون التهويش و«التحشيش» ولو مقدار نَفَسَيْنِ اثنين! …

وما أشبه حسن الرأي من هؤلاء بأسوأ الآراء!

***

وتبقى لنا بين عبثِ الناقدين ونقدِ العابثين كلمةٌ تَخُصُّنَا بمقدارِ ما يخصُّ الكاتب «العام». كلام يذيعه أو يُذاع عنه على مَسمعٍ ومَنظرٍ مِمَّن يستمعون أو ينظرون إلى «التلفزيون».

لم يكن نصيبنا من نقد السهرة «التلفزيونية» عبثًا كله بحمد الله؛ فإن الذين اشتركوا في ذلك النقد قد دَلُّوا في كثيرٍ مِمَّا قالوه على خِبْرَةٍ فَنِّيَّةٍ جديرة بالالتفات إليها والاستفادة منها في هندسة الصوت والإضاءة.

ولكنهم سلكوا إلى الخطأ من باب الصواب في أصوب ما قالوه.

فَمِن الناقدين غير العابثين مَن عَابَ على النقل الصوتي أنه لم يَسْلَم من عوارض الأصداء الخارجية، وهو عيبٌ قد يُلاحَظ في كلِّ موضعٍ إلا في هذا الموضع بعينه؛ لأن هذه الأصداء كانت لازمة كل اللزوم في موضعها الذي ظهرت فيه، بل كان من الواجب على ناقل الصوت أن يتعمَّد إبقاءها أو خلقها — بهذا القدر المحدود — لو لم تظهر في أثناء الحديث.

إن الناقد الخبير قد عَابَ على المسجلين أنهم لم يحيطوا موضع الحديث بمناظر الدار التي سُجِّلتْ فيها ومناظر الحي الذي يُحيطُ بتلك الدار.

ولكنه يعود فيأخذ عليهم أنهم أثبتوا صوت الأذان ومقارع النجارين إلى جانب مكان التسجيل، ولعلها علامة على «الوسطِ» كلِّهِ تُغْنِي عن صور الدكاكين ومعالم الشرفة من حيث صدر صوت الأذان.

وقد كان ثبوت ذلك في التسجيل ضروريًّا في تلك اللحظة بعينها؛ لأن الحديث قد استطرد بعدها على الأثر إلى ذِكر مزايا الدار مِن قبلُ ومِن بعدُ، وقِيل في تلك المزايا إن الدار كانت عند ابتداء السكن فيها بعيدةً عن أصداء الطرق والدق التي تُسمَع حولها الآن!

***

وأصاب الناقدُ الذي لاحظ أنني نسبت ميراث النظام تارة إلى الوالد وتارة إلى الوالدة.

وأصاب كذلك في قِلة التحويل على هذا الاختلاف الظاهر؛ لأن الإنسان قد يرث من أبيه كما يرث من أمه، وقد تكون الخصلة الواحدة ميراثًا من كلا الأبوين، ولا يهتدي الابن إلى فاصل يشعر به بين ما ورثه من أحدهما بغير الأثر المحسوس من عمل مشابه لخلائق أبيه أو خلائق أمه.

ومِمَّا أحمده للناقد الأديب أنه نَبَّهَ إلى ذلك الاختلاف؛ لأنه حقيق بالتنبيه إليه …

ولكنني أحسبه من قبيل الصواب الذي جاءه الخطأ من بابه، أو جاءه من النافذة إن لم يكن من الباب الكبير!

إن الاختلاف هنا أدلُّ على طبيعة الذكريات «التلقائية» من كلِّ توافقٍ مُتَعَمَّدٍ يصدر من عملِ الذهن بعد الإمعان في التفسير والتقسيم، وبعد إطالة النظر في وجوه التحليل والتعليل.

ولقد كان من وحي هذه الذكريات التلقائية أنني تذكرت ما ورثته من الأب بعد الإلمام بعملٍ من أعمال الآباء في الحياة الخارجية، ومنها تنظيم دار المحفوظات وحصر الأوراق الرسمية التي كانت مهملة موزعة بين المخازن أيام حملة الدراويش، وتذكرت ما ورثته من الأم بعد الإشارة إلى شدتها التي لُقِّبَتْ من أجلها «بالمشدة»، وهي لا تكف عن توجيهاتها في تنظيم البيت.

وكان هذا الاختلاف التلقائي هو بعينه الوفاق «المطابق» للمأثور عن ميراث الأبناء من الأبوين، وللعقيدة التي أَدِينُ بها عن مجال العمل الطبيعي بين الجنسين في الحياة الخارجية أو الحياة البيتية.

وحمدت «اللامعقول» من نقد السهرة كما حمدت المعقول؛ لأن النقد السليم «جدًّا» هو النقد الذي يسلمك من شرِّهِ بيديه، ويصدق غاية الصدق في الدلالة على باطله بلسانه.

وإنه لمشكور غاية حَقِّهِ من الشكرِ ذلك الناقد الذي قال إنني حملت على اللامعقول بغير سببٍ، وأنكرتُ الشِّعْرَ الذي يُسمُّونَهُ حُرًّا، أو يُسَمُّونَه جديدًا بغيرِ دليلٍ …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.