رسالة الصليب الأحمر والهلال الأحمر رسالة بر ورحمة؛ فهما يواسيان المنكوبين في الحروب، ومن نزلت بهم الكوارث من جراء هياج الطبيعة وثورانها. والأديان السماوية كلها، والإسلام والمسيحية في مقدمتها، تدعو إلى البر والرحمة، وتجعلها في مقدمة أغراضها. والسيد المسيح — عليه السلام — مثال البر والرحمة والعفة والسلام، والنبي محمد — صلى الله عليه وسلم — أكبر داعٍ للأخوة الإنسانية. والمبادئ التي نادى بها عيسى، ونادى بها محمد، لتكون نبراس الهداية للناس جميعًا، ألقت على الناس دروسًا في المحبة والإخاء يذكرونها في صلواتهم وأدعيتهم. ولكنهم، مع الشيء الكثير من الأسف، قلَّما يطبقونها في واقع الحياة، بل إن أكثرهم ليستأثرون بأنانيتهم ويَدَعُون إخوانهم في الإنسانية يعانون الأهوال والهموم، وقلَّما يمدون إليهم يدًا، إلا أن تكون لهم صلة خاصة تدفعهم إلى معاونتهم، أما معاونة من لا صلة لهم به فلا تدور بخاطرهم، وإن دعاهم الداعي إليه، وإن ذكرهم أنه بعض الواجب الذي تفرضه عليهم عقيدتهم، ويوجبه عليهم دينهم.

وقد آمن رجال الصليب الأحمر، والهلال الأحمر، بهذه المبادئ السامية التي جاءت بها الأديان السماوية، ولكنهم لم يقفوا بإيمانهم عند الكلام عن البر والرحمة، وعن الإخاء والمحبة، بل ترجموا هذه المبادئ السامية إلى العمل ونقلوها في واقع الحياة، وكانوا بذلك منفذين لتعاليم عيسى، ولتعاليم محمد، تنفيذًا عمليًّا لا تقف معه هذه التعاليم في حدود النفس والعاطفة، بل تنتقل منهما إلى غمار الحياة، إذ يمد الهلال الأحمر، ويمد الصليب الأحمر أيديهم إلى أولئك الذين يعوزهم البر والرحمة؛ لينتشلوهم من كوارث نزلت بهم وأوشكت أن تحطم حياتهم، وتجعل العالم أسود قاتمًا أمام أنظارهم.

وهذا الانتقال بالمبادئ السامية من حيز الفكر إلى حيز العمل هو ما تدعو إليه الأديان السماوية وتفرضه. وإذا نحن رجعنا بأبصارنا إلى الظروف التي قامت فيها هذه الأديان، بدا ذلك لنا بوجهٍ لا يحتمل الريب؛ فالمبادئ السامية ليست من خَلْقِ الأديان، بل تحدث الناس عنها قبل المسيحية وقبل الإسلام في مختلف بلاد العالم. تحدث عنها حكماء الهند والصين، وتحدث عنها فلاسفة اليونان وحكماء الرومان، لكن تثبيتها في نفوس المجاميع مبادئ، والانتقال بها إلى الحياة العملية قد كان لهذه الأديان السماوية فيه الفضل الأكبر. لما جاء المسيح وأذاع موعظته في الناس، أذاعها ليقاوم بها شرور الطغيان الروماني والفساد الخلقي مقاومة فعَّالة. كانت هذه المقاومة سلبية في بعض الأحيان، لكنها كانت إيجابية كذلك في أحيانٍ أخرى. والمقاومة السلبية للشرك تقل أثرًا في القضاء عليه عن المقاومة الإيجابية. وكذلك كان شأن النبي العربي، جاء ليعلم الناس مبادئ العدل والأخوة بتطبيقها في الحياة تطبيقًا يقضي على امتياز الطبقات المتحكمة في المجتمع العربي وعلى أنانيتها، وكل مبدأ مهما يبلغ سموه فإن قيمته في تطبيقه في الحياة لا بالتحدث عنه والتغني به.

وهذا ما فعله رجال الصليب الأحمر والهلال الأحمر، لم ينظموا القصائد التي يبدون فيها حزنهم على الذين يموتون أو يجرحون في ميادين القتال، أو يواسون بها أهل هؤلاء القتلى والجرحى وكفى، بل جعلوا شعرهم وشعورهم وعواطفهم دوافع للعمل الإيجابي، وقاموا بهذا العمل على خير وجه، تخفيفًا لما يصيب الإنسانية من بلاء وشر، ووقاية للمدنيين الذين لا يشتركون في الحروب من أن تصيبهم ويلاتها، وسعيًا لإزالة أسباب هذه المصائب والنكبات بإسكان المشردين، وإيواء اللاجئين، وعلاج المرضى والمصابين ومقاومة الأوبئة، وما إليها من كوارث الطبيعة في هياجها وثورانها.

وينفذ الصليب الأحمر والهلال الأحمر فكرة أساسية من مبادئ الأديان السماوية تنفيذًا عمليًّا؛ فرسالتهما الإنسانية، كرسالة الأديان السماوية، لا تعرف الحدود القومية، ولا تفرِّق بين الأجناس والألوان والعقائد. لا تقف مهمة الصليب الأحمر عند المؤمنين بالصليب، ولا تقف مهمة الهلال الأحمر عند المؤمنين برسالة محمد، ولا تعرف هاتان المؤسستان لنشاطهما حدودًا جغرافية، ولا ترتبط أيهما بنطاق إقليمي، بل يتجاوز نشاطهما الحدود والقيود إلى كل بقعة من بقاع الأرض، وكل جنس من أجناس بني الإنسان. امتد نشاطهما إلى شعوب لا تدين بالمسيحية ولا بالإسلام، وإلى أقوام من مختلف الألوان، من الصُّفر والسود والحمر والبيض. كان نشاط الصليب الأحمر في كوريا وفي الهند الصينية مثلًا على أن هاتين المؤسستين تسموان بالاعتبار الإنساني العام فوق كل اعتبار، كما أن الأديان السماوية لم تقصر رسالتها على جنس بذاته، أو قوم بذاتهم، بل أُلقِيَت للشعوب كافة هُدًى ونورًا، ودعت الإنسانية كلها إلى الحق وإلى صراط مستقيم.

أمَا وذلك شأن الصليب الأحمر وشأن الهلال الأحمر فيما يتصل بتنفيذ هذه المبادئ السامية التي جاءت بها الأديان السماوية، فحقٌّ على أهل هذه الأديان جميعًا أن يحوطوا نشاطهما بالعناية والرعاية، وأن يبذلوا لهما من أسباب التشجيع والمعاونة ما يزيد في قدرتهما على النهوض بالرسالة السامية التي اضطلعا بها، وأخذاها على عاتقهما، لا يبغيان من ورائها إلا خدمة الإنسانية لوجه الله، كما أن الرسل — عليهم السلام — لم يبتغوا حين اصطفاهم الله لهداية البشر إلا خير هذه الإنسانية التي تتعرض الحين بعد الحين، بفعل أبنائها أو بفعل الطبيعة العاتية، للكوارث تنوء بها وترزح تحت أحمالها.

ولا شك في أن أهل الأمم التي لا تدين بالمسيحية أو بالإسلام تقدِّر رسالة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، كما تقدرهما الشعوب المسيحية والشعوب الإسلامية على سواء؛ فالمبادئ التي جاءت بها الأديان السماوية، والتي ينفذها الهلال الأحمر والصليب الأحمر، تتفق كل الاتفاق وحكمة كنفيشيوس وتعاليم بوذا ومبادئ الفلاسفة والحكماء في كل الأمم والعصور، ولا يختلف عليها مسيحي ولا مسلم ولا بوذي ولا هندوسي. هي عواطف الرحمة والبر والإنسانية منفَّذة في الواقع على أوسع نطاق لخير بني الإنسان أينما وجدوا من بقاع الأرض. لهذا استجابت الأمم وتستجيب كلما دعاها داعي الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر لخير تبذله لإنقاذ الإنسانية من نكبات تنزل بها.

والناس في أرجاء الأرض جميعًا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومذاهبهم، يدعون الله أن يجزي القائمين بأمر الصليب الأحمر، وبأمر الهلال الأحمر خير الجزاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.