الطعام والصيام أخَوَان، وإن لم يكونا توءمين!

ومنذ وُجِدَتْ للطعام تقاليده وشعائره في المجتمعات الأولى، وُجِدت كذلك شعائر للصيام بأنواعه على تعددها واختلافها، وهي: الامتناع عن الطعام كله ساعات معلومات، واجتناب أصناف منه أيامًا متواليات، والاقتصار على غذاء دون غذاء مدى الحياة، وغير ذلك من عادات الصوم التي تمتزج فيها أكثر العادات.

فليس الصيام كما يحسبه جمهرة الماديين تكليفًا من تكاليف الأديان الكتابية لا غرض له غير إجراء الفريضة بغير معنى، أو هو ذو معنى ولكنه لا يعدو أن يكون ضربًا من ضروب التسخير للعبادة والخوف من الإله المرهوب.

ولكنه رغبة إنسانية تمثلت من أقدم العصور في مظاهرها التي لا تُحْصَى.

فمن أقدم العصور — قبل التاريخ — عرفتِ القبائلُ الأولى اجتنابَ لحوم الحيوان من بعض الفصائل، وقِيلَ في تعليل ذلك إنها تتَّقي أَكْلَها لاعتقادها بوحدة النَّسَب بينها.

ومن قبل التاريخ تقررت المحظورات أشكالًا وألوانًا، وعُرِفت «القابوات» في القبائل التي على الفطرة قبل أن تُعْرَف في بلاد الحضارة.

وقامت حضارات كثيرة على اجتناب اللحوم وتحريم كل طعام غير الذي تُنْبِتُه الأرض والذي يُؤْكَل بغير إزهاق الحياة.

وعُرِف الصيام حدادًا على الموتى الأعزاء، كما عُرِف قربانًا للأرواح والأرباب.

وفي عصورنا هذه التي سُمِّيَتْ حينًا بعصور المادة وأنكر فيها المنكرون كل شيء غيرها ننظر في كل مكان فلا نرى مكانًا منها يخلو من طائفة تصوم نوعًا من الصوم.

وبعض هذه الطوائف يحتمل من الصوم أضعاف ما يحتمله الصائم في سبيل العبادة وقضاء الفريضة.

وقد يهون النسك إلى جانب الصيام الذي تصبر عليه الحسناء اللعوب حرمانًا من مشتهيات الزاد وأطايب المأكول والمشروب، وقد تحتمل الحسناء أن تكف عما يروي الظمأ في أشد أيام الصيف خوفًا من السمنة، وقد تجتنب المطعم الدسم كما تجتنب لذائذ الحلوى حذرًا على قوامها من التشويه، وفي سبيل عبادة الجَمَال تحتمل الحسناء قيودًا تضيق بها الصدور والخصور، أقسى على الأجسام النامية من قيود الأقدام وسلاسل المعذبين.

وطلاب القوة أصبر على فرائض الرياضة من طالبات الجَمَال.

فكم من الأطعمة يَعْزِف عنها البطل الرياضي وهو يشتهيها! وكم من الأشربة يتعطش إليها ويصده عنها «الحرام الرياضي»! ولم يكن ليصده عنها حرام الدين وما يتوعده به من سعير جهنم.

وكم تسومه فرائض الرياضة أن يرفع يده عن المائدة وهي أشهى ما تكون إليه!

وكم يعاني من قلة المقدار، وهي أقسى على النفس من المنع والتحريم؛ لأن الزهد عن الطعام المشتهَى ومذاقه في الفم وصفحته بين اليدين، أصعب كلفة من هجره وهو بعيد محجوب عن العينين.

والصائمون في سبيل الصحة لا يقلون عن صُوام القوة وصُوام الجَمَال، ولا تعفيهم مطالب الصحة من الصبر على حرمان أشد على الأذواق والمعدات من حرمان «البطولة» وحرمان الجَمَال.

ومِنْ صُوام الصحة مَنْ يقضي الأيام على عصير العنب، أو عصير البرتقال، أو عصير ثمرة من الثمرات كيفما كان.

ومنهم مَن يحذر الحلو الزائغ كما يحذر السم القاتل، أو يحذر الملح الذي ينغص فقدانه كل طعام.

ولا نذكر أننا لقينا أحدًا من الكبار أو الصغار لم يتقبل في حياته نوعًا من أنواع هذه الصيامات راضيًا أو غير راضٍ، وكفى بالصيام الأول في مطلع الحياة بعد خطوات من مهد الطفولة، وهو صيام الفطام.

ولي من التجارب في هذه الرياضة المفروضة على بني آدم ما أرويه وأحمده، وأزكيه. وتجربتي الأخيرة منها — مدى سنوات — يوم أصوم فيه عن كل زاد غير السوائل التي أتناولها ساخنة في الشتاء وباردة في الصيف، وأحمدها بقية الأسبوع فلا تجشمني تعبًا ولا تعوقني عن عمل من أعمال العقول أو أعمال الأجسام.

ومن غير المعقول أن يمتزج الصيام كل الامتزاج بحياة الإنسان ثم تخلو منه العقائد والديانات، فريضة لها معناها الصالح ومعناها المفهوم، دون اتهام للدين بالتحكم في الضمائر والتسلط على الأبدان.

بل نحسب التحكم في الضمائر آخر شبهة من شبهات النقد تتجه إلى فرائض الصوم في الأديان ولا سيما صيام رمضان؛ فإنه الصيام الذي يُعَلِّم الصائمَ كيف يتغلب على تحكُّم العادة، وكيف يشحذ في طبيعته أقدر الخلائق على إنكار التحكم وهي خليقة الإرادة.

ومزية الصيام في شهر رمضان أَصْلَحُ المزايا لتمكين الطبائع الإنسانية من مغالبة العادات في ألزم المطالب وأصعبها مراسًا على إرادة المريد؛ وهي عادات الطعام والشراب والنوم، وهي بعد ذلك تلك العادات التي تتكرر كل يوم وتعود العزيمة كل يوم إلى علاجها من جديد.

ويتفق هذا العلاج في الشهور القمرية صيفًا كما يتفق شتاءً، وفي الأيام التي يَطُول فيها النهار أو يَطُول الليل، وفي الأوان الذي تثقل فيه محنة الظمأ أو تثقل فيه محنة الجوع. فهو المثل الصالح لترويض الإرادة على مقاومة العادة مع اختلاف المواسم والأيام واختلاف ضروب المقاومة في كل حال.

وما من خصلة في ترويض النفوس هي ألزم للأفراد والجماعات من خصلة الصبر على اختلاف المألوف المتكرر على مدى الأيام، ولا سيما ذلك التكرار الذي يرتبط بقوام البدن وأطوار العادات.

وما من جماعة إنسانية تمر بأطوار السلم والحرب، وأيام اليسر والعسر، وعوارض الاتصال أو الانقطاع بينها وبين الأصدقاء والأعداء، دون أن تسومها طوارئ الزمن أن تلجأ إلى الإرادة قبل أن تلجأ إلى المئونة والذخيرة، أو إلى المال والسلاح.

ولو لم يوجد الصيام في الدِّين لأوجده الناس مختارين كمضطرين، أو مضطرين كمختارين، بل هم أوجدوه — كما تقدَّم — قبل أن يُشَرِّعُه كتاب، وإن لم يبلغوا به في طفولة الشعوب ما بلغوه بعد أجيال وأحقاب.

ولقد تمَّتْ لرمضان رسالته من تعويد النفوس ما يثقل عليها من تغيير العادات وهو محبوب منتظر مشكور، وكاد الناس أن يحسبوه صديقًا زائرًا يستبشرون بمَقدمه ويستوحشون لوداعه، وتُشرق الوجوه على هتاف الهاتفين: هلَّ هلالك يا رمضان. ويوشك الدمع أن يَسِيل من العيون على هتاف الهاتفين بعد حين: لا أوحش الله منك يا رمضان!

وحبَّذا الزمن «أبو الغِيَر» يعود ليُعلِّمنا أن نحب الغِيَر التي يأتي بها، وهي أول ما نشكوه من عادات الشهور والسنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.