حياتنا المصرية رائعة كأروع ما تكون حياة الشعوب، تجري أمورها كلها على خير ما يمكن أن تجري الأمور!

وقد قال الحكيم القديم: ليس في الإمكان أبدع مما كان. فكل شيء في مصر بديع يجب أن نبتسم له ونبتهج به ونتبادل التهنئة؛ لأن حياتنا لم تصل إلى أكثر مما وصلت إليه من السوء، ولم تَنْتَهِ إلى شر ما انتهت إليه من النكر.

وليس في الحياة خيرٌ إلَّا ومن الجائز أن لم يوجد خير أكثر منه وأبعد منه أثرًا، وليس في الحياة شرٌّ إلَّا ومن الجائز أن يكون هناك شرٌ آخر أبغضُ منه وأعظم منه نكرًا. فأيسر ما يجب على الرجل الفطن أن يستقبل الحياة راضيًا بها مطمئنًّا إليها، وأن يحمد الله على أنه لم يصبه بِشَرٍّ مما هو فيه ولم يمتحنه بأسوأ مما يقاسيه.

والواقع أن مصر شهدت أسبوعًا حافلًا بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، يجب أن تهنأ به حقًّا، وأن تُهنَّأ به تهنئة خالصة صادقة لا تحفُّظ فيها ولا احتياط؛ فقد أدت الهيئات المصرية كلها واجباتها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات، وخير ما يهنأ به الإنسان تأديته للواجب ونهوضه بالحق واحتماله للتبعات.

وأنا من أجل هذا أكتب هذا المقال راضي النفس باسم الثغر، أريد أن أرضي الناس جميعًا ولا أسوء منهم واحدًا، وأن أهنئ الناس جميعًا ولا أعزي منهم أحدًا. فكل شيء في مصر يدعو إلى الرضا، وكل شيء في مصر يدعو إلى تبادل التهنئة.

أدت هيئة المفاوضات واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات؛ فقد اختصمت وأمعنت في الاختصام، وقد تجادلت وأغرقت في الجدال. وأي قيمة لهيئة المفاوضات إذا لم تختصم فتمعن في الخصومة ولم تشتجر فتغلو في الشجار؟!

لو أن رئيس الوزراء أملى على زملائه إرادته وظفر منهم بالرضا والإذعان لهنئناه وحده بهذا الفوز، ولرثينا لزملائه من هذا الخضوع، ولكن رئيس الوزراء أراد فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فمن الحق أن نهنئ المطيعين بطاعتهم وأن نهنئ العصاة بمعصيتهم. أولئك خدموا أشخاصهم وأحزابهم كما استطاعوا، وهؤلاء خدموا أشخاصهم وأمتهم كما استطاعوا، وأولئك وهؤلاء يستحقون التهنئة لأنهم أرسلوا أنفسهم على سجيتها.

وأي شيء أحق بالتهنئة من أن يمضي الإنسان إلى غايته في غير التواء ولا عوج؟!

وأحقُّ الناس بالتهنئة هذا المثلث الخطير الذي يأتلف من رئيس الوزراء ومن رئيس الحزبين الخطيرين اللذين يستأثران بالكثرة في مجلس النواب. هذا المثلث الخطير تضامن فأحسن التضامن، وتعاون فأتقن التعاون، وقرر أن يمضي في الشوط إلى غايته، وأن يحتمل التبعة مهما تكن ثقيلة محرجة. أراد أن يرفق بالإنجليز حتى لا تُقطَع المفاوضات؛ لأنه يرى في قطع المفاوضات خطيئةً كبيرةً وإثمًا عظيمًا.

وقد ثبت لغضب الغاضبين وسخط الساخطين وهياج الهائجين، ثم دبر الأمر فأحكم تدبيره وقدره فأحسن تقديره. فأمَّا رئيس المثلث فاستقال، وأمَّا صاحباه فثبتا في موقفهما لم يَحِيدا عنه إلى يمين ولا إلى شمال، وليس المهم أن تتحد الكلمة ويأتلف الرأي وتجتمع الصفوف، وتقف مصر متحدة أمام الإنجليز كما تقف بريطانيا العظمى متحدة أمام المصريين.

ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أن يتصل حبل المفاوضات ولا ينقطع، وأن تبقى الوزارة في مناصب الحكم ولا تزول عنها. وقد ظفر المثلث بالأمرين جميعًا، فحبل المفاوضات موصول إلى أن يقطعه الإنجليز، والوزارة مستقرة في مناصبها على رغم ما يكتنفها من الأحداث حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

فمن حق هذا المثلث أن نقدِّم له التهنئة الخالصة؛ لأنه أراد فبلغ ما أراد!

وهناك مثلث آخر ليس أقل استحقاقًا للتهنئة من المثلث الأول، وهو هذا الذي يتألف من أصحاب المقام الرفيع والدولة والسعادة: شريف صبري، وحسين سري، وعلي الشمسي. فهذا المثلث قد خاصم المثلث الأول فأمعن في الخصومة، وقاومه فأمعن في المقاومة، واضطره آخر الأمر إلى أن يكشف عن نيته ويلقي آخر ما في يده من الأوراق؛ فيستقيل رئيسه ويستمسك طرفاه الآخران، ويلغي التقاء الهيئتين المتفاوضتين.

ويسافر الوفد البريطاني، وتُوقَف المفاوضات حتى يقطعها الإنجليز، ويُدفَع عن مصر شرٌّ عظيم كانت توشك أن تتورط فيه.

فهذا المثلث الثاني قد أخطأ حين مضى مع المثلث الأول إلى تلك المذكرة البغيضة التي قُدِّمَتْ إلى الإنجليز، ولكنه محا هذه الخطيئة وغسل عن نفسه وضرَّها بموقفه الأخير، واسترد حريته كاملة، وحاول أن يوحد الكلمة ويؤلف القلوب … وليس عليه بأس من أنه لم ينجح؛ فقد حاول الخير ما استطاع فلم يجد إليه سبيلًا؛ فلنهنئ هذا المثلث بخروجه من خطيئة المفاوضات، ولنهنئه بما تفضَّل به عليه رئيس الوزراء من المدح والثناء حين اتهمه بمتابعة الشهوة ومسايرة الأهواء.

وكان من الممكن أن يكون هذا المثلث مربعًا لو أن صاحب الدولة عبد الفتاح باشا يحيى حضر الجلسة الأخيرة لهيئة المفاوضات، ولكنه لم يحضرها لمرضه. وماش الأخير من لاش، وقد حرص الرجل على أن يؤيد أصدقاءه ويشاركهم فيما قدم إليه رئيس الوزراء من تحية، فأصبح هذا المثلث مربعًا منذ اليوم.

وكل شيء جائز، فمن الممكن أن يصبح هذا المثلث مربعًا اليوم ومخمسًا غدًا، فمن يدري؟! لعل رفعة ماهر باشا أن ينضم إليه فيصبح شكلًا مخمس الأضلاع، وقد لا ينضم رفعته إلى هذا المربع فيبقى أمة وحده فيما يلتزم من حياد غامض أو غموض محايد، كما أن مكرم باشا قد ظل أمة وحده فيما التزم من هجوم صريح لا تعريض فيه ولا تلميح.

فهيئة المفاوضات كلها كما نرى خليقة بالتهنئة، وإن اختلفت طبيعة التهنئة وأسبابها. على أن هناك هيئة أخرى جديرة بالتهنئة، وهي هيئة الوزارة التي جاهدت كما لم يجاهد أحد، وانتصرت كما لم ينتصر أحد، وتفوقت كما لم يتفوق أحد. قيل لها مساء السبت إن استقالتها قد رُفِعَتْ إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فقالت: آمين. وقيل لها مساء الثلاثاء إن استقالتها قد رُدَّت إلى رئيس الوزراء، فقالت: آمين! وقال أحد أعضائها في ظُرف: لا أعلم إلَّا أني أصبحت ذات يوم فقيل لي إني لست وزيرًا، وأمسيت ذات يوم فقيل لي إني عُدت وزيرًا!

وكما أن الناس يُهنَّأون بالجراءة والإقدام، فهم يُهنَّأون كذلك بالتواضع والاستسلام.

فلنهنِّئ رئيس الوزراء بإقدامه، ولنهنئ زملاءه باستسلامهم. على أنهم لم يستسلموا جميعًا، فقد شذَّ منهم وزيران في آخر لحظة؛ أحدهما أستاذنا الجليل نائب رئيس الوزراء، رضي الاستقالة وفرح بها في أكبر الظن، وقال لنفسه: بلاءٌ ردَّه الله عنَّا، ومحنة وقانا الله شرَّها. فلما رأى الوزارة عادت إليه قال: حوالينا ولا علينا. وأرسل استقالته إلى رئيس الوزراء، وقطع عليه طريق المراجعة بهذا الحديث الذي أذاعه في الصحف وأسلمه إلى شركات البرق، وسجل فيه سخطه على سياسة الوزارة وتضامنه مع المنشقين من هيئة المفاوضات.

فقد ينبغي أن نسمي هؤلاء السادة — ولا أقول هؤلاء الباشوات كما قال رئيس الوزراء — بهذا الاسم الذي كاد المصريون أن ينسوه وهو اسم المنشقين. فقد انشق صدقي باشا على سعيد يومًا ما؛ فانشق عليه نفرٌ من أصحابه الآن، وشتَّان بين انشقاق وانشقاق.

شذَّ إذن أستاذنا الجليل عن زملائه، وانشق على رئيسه، فعزم بعد تردد وأقدم بعد إحجام، واستحق على هذا كله تهنئة خالصة.

ولست أدري، لعل العدوى أن تكون قد انتقلت منه إلى زميله الأستاذ سابا حبشي باشا وزير التجارة؛ فقد انشق مع المنشقين واستقال مع المستقيلين، ويُقال إنه لم يَرْضَ عن هذه الوزارة التي تُؤخَذ منه وتعود إليه دون أن يكون له في ذلك رأي، وكذلك هنَّأ المحجمون بإحجامهم والمقدمون بإقدامهم والمترددون بترددهم، لا لشيء إلَّا لأنهم يرسلون أنفسهم على سجيتها، ويجرون طبيعتهم كما تستطيع أن تجري.

وقد يُخيَّل إليَّ أن هناك قومًا آخرين يستحقون التهنئة لأنهم هم أيضًا أرسلوا نفوسهم على سجيتها، وأجروا طبائعهم إلى غايتها، وهم هؤلاء السادة الذين يؤلفون الوفد المصري، ويدورون حول مصطفى النحاس كما السوار حول المعصم. فقد قيل لهم في أبريل الماضي: تعالوا نشترك في المفاوضات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نشترك في المعوج من الأمر. ثم قيل لهم في هذه الأيام الأخيرة: تعالوا نصلح ما فسد ونستدرك ما فات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نحب الطرق المعوجة ولا السبل الملتوية، وإنما نريد أن نستأنف الأمر كأن لم يكن شيء من قبل.

ثم قالوا لمصر: لا محالفة مع الإنجليز إلَّا أن تصدر هذه المحالفة عن حرية صحيحة واعتراف صريح بالحق، ولا حرية إلَّا أن يتحقق الجلاء، ولا اعتراف بالحق إلَّا أن تتم وحدة وادي النيل.

وقالوا لمصر: لا تغامري ولا تقامري ولا تجعلي من نفسك خادمًا للإنجليز.

وقالوا لمصر: إن أمر القناة كأمر الدردنيل، لا ينبغي أن يكون الدفاع عنه مشتركًا، ولا مقسمًا، ولا وسيلة إلى التدخل في الشئون الوطنية الخاصة، وما ينبغي أن تكون مصر أقل شعورًا بالعزة من تركيا، وما ينبغي أن تخاف مصر من الإنجليز أكثر مما يخاف الترك من الروس، وما ينبغي أن نصدق الإنجليز حين يقولون لنا إن الدفاع عن القناة يجب أن يكون مشتركًا بيننا وبينكم؛ لأنهم يقولون للترك إن الدفاع عن الدردنيل يجب أن يكون مقصورًا عليكم من دون الروس؛ فهم يخدعوننا من غير شك أو يخدعون الترك من غير شك.

هم يخدعون على كل حال، وما ينبغي أن نؤمِّن للمخادعين.

قال رئيس الوفد وزملاؤه: هذا كلام مرسلين أنفسهم على سجيتها، مُجْرِين طبائعهم إلى غايتها، منكرين للطرق المعوجة والسبل الملتوية والعبث بحقوق الشعب وكرامته. ويُخيَّل إليَّ أن هذا الشيء يستحق أن تُقدَّم من أجله التهنئة إلى هؤلاء السادة.

أمَّا التهنئة كل التهنئة، التهنئة الخالصة من كل زيغ، البريئة من كل لبس، النقية كأنها وجه الشمس في يوم صحو واعتدال، فهي التي نقدمها إلى مصر؛ لأن حقائق الأشياء وحقائق الناس قد عُرِضت عليها الآن واضحةً جليةً وناصعةً صافيةً، لا تحتمل شكًّا ولا ريبًا. فمصر ترى الطريق إلى الكرامة والحرية والاستقلال، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى الطريق إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى طريق التردد والخوف والإشفاق، هذه الطريق التي تنتهي آخر الأمر إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق.

ومصر تستطيع الآن، بعد أن تبيَّنت لها الحقائق ناصعة صافية، أن تختار وأن تعلم وتؤمن بأن الله يبين الخبيث من الطيب، وبأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبأن الشعب الكريم هو الذي يتجنب مواطن الشبهات، ويمقت الذين يدعونه إلى مواطن الشبهات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.