كانت مذكرة غامبتا — التي تكلمنا عنها أمس — إلى خديوي مصر وحكومته قنبلة تفجَّرت فأزعجت الآستانة، لا لأنها تحد من سلطة مجلس شورى النواب والسلطان عبد الحميد — كان قد أوقف الدستور العثماني وفتك بمدحت باشا — بل لأنها تُضعف من سلطة الخليفة وهيبته في العالم الإسلامي. وهذا كل ما كان يهتم له السلطان عبد الحميد الثاني، فاحتج على تلك المذكرة — كما قلنا في الكلمة السابقة — واحتج الخديوي توفيق، وكذلك الدول الأربع الكبيرة.

ولما رأى غامبتا تفاقم الحالة بمصر سأل اللورد غرنفل: هل هو يرى من الممكن ألا تقف إنجلترا وفرنسا على ما تطلبه الحالة التي لا تتحسن، بل هي تزداد تفاقمًا؟

فأجاب اللورد غرنفل أن جميع التدابير التي يمكن التذرُّع بها تبدو لعينيه تدابير سيئة، فرد سفير فرنسا على اللورد غرنفل قائلًا: إن أسوأ التدابير تدخُّل الدول الأخرى أو تدخُّل الباب العالي. وبما أن الأمر الخديوي، الصادر في سنتي ١٨٧٦ و١٨٧٩ بتقرير الرقابة، يعترف لفرنسا وإنجلترا بحقٍّ لم يعترض عليه أحد، فالواجب على هاتين الدولتين لقاء ذلك الحق تدارُك الحالة.

وكان غامبتا يرى أن عددًا قليلًا من البوليس الفرنساوي والبوليس الإنجليزي كافٍ الآن، أما بعد الآن فلا. ولعلم إنجلترا أن فرنسا لا توافق على أي تدخُّل تركي اقترحت هذا التدخل؛ لأنه ليس بالإمكان أن تتدخل إنجلترا وحدها، ولا فرنسا وحدها، ولا الاثنتان معًا. وظهر بعد ذلك أن إنجلترا كانت تدع الحوادث تفعل فعلها، ليدعو تفاقم الحالة إلى تدخُّلها وحدها دون شريك، ولكن اللورد كرومر يقول: إنه اطلع على جميع الأوراق السرية المتعلقة بالثورة المصرية، فلم يرَ لذلك من أثر.

سقطت وزارة غامبتا وخلفتها وزارة فرسينه قبل آخر يناير، فكانت الوزارة الحديثة على غير رأي الوزارة التي تقدمتها. وقد علل الثوار الوزير فرسينه من العمل الحازم بسعي ديلسبس لديه؛ لأنه كان صديق عرابي يؤيده، وعلله آخرون بأن فرنسا كانت خارجة من حرب ألمانيا، وهي ضعيفة ولم تستكمل إصلاح جيشها. ولا نطيل البحث في كل هذا الموضوع؛ لأنه يتناول سياسة جميع الدول في ذلك الحين، وكل ما يقال إن مذكرة غامبتا — التي نشرناها أمس — انقلبت إلى الضد مما أراد منها، سواء كان في مصر أم في عواصم أوروبا.

***

والآن نعود إلى خطة الوطنيين المصريين بعد تلك المذكرة، أو بالأحرى بعد انعقاد مجلس شورى النواب.

فقد عرفنا أن شريف باشا قدَّم لذلك المجلس مشروع قانون أساسي — أي الدستور — وقامت قيامة الرأي العام في مصر، فقرر النواب في ذلك المشروع حق المجلس في تقرير الميزانية. ولم يكن الاتفاق على هذا الموضوع بين الوطنيين وفرنسا وإنجلترا ممكنًا؛ لأن غامبتا أنكر على مجلس شورى النواب حق الموافقة على ميزانية ١٨٨٤ و٨٥، بحجة أن تاريخ مصر لا يدل على أي تقليد من التقاليد التي يدل عليها تاريخ البلاد الدستورية، ولا يسود النظام المالية المصرية إلا بفضل نظام الرقابة الذي وُضع لها، فإذا تنازلت فرنسا وإنجلترا عن السلطة المعطاة لهما إلى هيئة حديثة أفضى تنازلهما إلى ضياع العمل الذي قد تم.

ذلك كان رأي غامبتا، فلما سقطت وزارته أزيل الحاجز الذي كان قائمًا في وجه خطة الوطنيين.

***

ففي ١٥ يناير — أي بعد أسبوعين من اجتماع مجلس شورى النواب وتحويل مشروع القانون الأساسي إلى لجنة من لجانه — قدَّم سلطان باشا إلى شريف باشا المشروع الذي أعدته اللجنة البرلمانية، وهو يتضمن النص على أن للمجلس حق الموافقة على الميزانية، وعلى أن الوزراء يكونون مسئولين أمام المجلس؛ فصرَّح شريف باشا لسلطان باشا أنه لا يحق للخديوي أن يمنح مثل هذه السلطة، ولكن دفعهم الحزب العسكري للإصرار على مشروعهم لم يقبلوا فيما قالوه كلامًا. وفُتحت أروقة الأزهر للخُطب في هذا الموضوع، وكان الخطباء يؤكدون للجمهور أن الدول لا تستطيع إكراه مصر على قبول ما لا ترى قبوله؛ لأن بعضها ضد البعض.

أما رأي السير مالت قنصل إنجلترا، فصار بعد إصرار مجلس شورى النواب على قراراته أنه لا وسيلة للدول بعد الآن إلا الالتجاء إلى السلاح، أو تضافرها جميعًا للتظاهر ضد مصر، ولكنه كان يعد هذه الوسيلة ذاتها ضعيفة، فهرع إلى وساطة صديقه المستر بلنت؛ ليبلغ الوطنيين أن مسألة الميزانية مسألة دولية خارجة عن اختصاصهم، وعرض عليهم أن يكون رأيهم في الميزانية رأيًا شوريًّا يتحول مع الزمن إلى رأي قطعي، فلم يفلح بلنت بمهمته، وكان ذلك آخر عمل له؛ لأنه غادر مصر إلى إنجلترا في ٢٧ يناير، ودبَّر حملة كتابية في جريدة التيمس أيَّد فيها الوطنيين الذين يجاهدون ويكافحون ليستخلصوا من براثن الاستبداد الحكم الدستوري الحر.

جدد شريف باشا سعيه لدى قنصلي فرنسا وإنجلترا، ولكنهما أبلغا سلطان باشا في ٢٠ يناير أن حكومتيهما ترفضان أن يكون حق الموافقة على الميزانية من حقوق مجلس النواب، وبيَّنا لرئيس المجلس أفضلية المشروع الأول الذي وصفه له المستر مالت بأنه يشبه الدستور الفرنساوي الذي وُضع في سنة ١٧٩٢. فرد عليهما سلطان باشا: إن مشروع شريف باشا يشبه الطبل الكثير الضجيج، ولكنه فارغ الجوف، واقترح من عنده أن يُوافِق بين الرأيين بأن يكون حق إقرار الميزانية للجنة يكون نصفها من الوزراء، والنصف الثاني من النواب، فوعد القنصلان بعرض هذا الاقتراح على حكومتي باريز ولندن.

وفي انتظار رد هاتين العاصمتين أخذوا في القاهرة يتباحثون في الوجوه الأخرى من وجوه الخلاف، والجميع واثقون بأن استعفاء شريف باشا بات قريبًا ليحل محله محمود سامي البارودي، ويكون الوزراء الآخرون عرابي وزملاءه من الضباط. فلما جاء رد فرنسا وإنجلترا أنهما لا يستطيعان وضع قانون التصفية والاتفاقات الدولية الأخرى موضع المناقشة، اشتدت حملة الوطنيين، وقدم قنصلا الدولتين مذكرة للحكومة قالا فيها إن الأمر العالي الصادر في نوفمبر ١٨٧٦ يقرر أن يكون وضع الميزانية بالاتفاق بين وزير المالية والمراقبين الأوروبيين، وفي الأمر العالي الصادر في ١٥ نوفمبر ١٨٧٩ لا يجوز تعديل اختصاص المراقبين إلا بموافقة إنجلترا وفرنسا. فلم يُضعف ذلك من حدَّة الوطنيين، بل أصرت لجنة المجلس على أن يكون تقرير الميزانية من اختصاص المجلس، وبات تأجيل البت في هذا الموضوع إلى الدورة البرلمانية الآتية.

***

بعد ذلك توالى عقد الاجتماعات، وإلقاء الخطب، وإيلام الولائم، وظهر أن شريف باشا قد فقد ثقة الأمة. وفي ليلة ٣٠ إلى ٣١ يناير قرر النواب عزل الوزارة، فذهب وفد منهم إلى منزل سلطان باشا ليبلغه ذلك، ووصل إلى عرابي أن الوفد لان وتساهل عندما سمع حجة سلطان باشا، فجاء هو وبعض رفاقه وهدد وتشدد حتى قالوا إنه هدد سلطان باشا بسيفه، ولكن سلطان باشا أرسل في اليوم التالي تكذيبًا إلى قلم المطبوعات، إلا أنه حدث حادث مثل هذا؛ وهو أن بورللي بك ذهب إلى منزل عرابي ومعه أحمد رفعت بك ليترجم له أقواله، فلما سمع عرابي قول بورللي أن تعديل المشروع يفضي إلى أزمة شديدة يجب التفادي منها، وضع عرابي يده على قبضة سيفه وقال لبورللي بك: إذا تجاسر أحد على التدخل بشئوننا هلكنا جميعًا دون قبول هذا التدخُّل، بعد أن نترك هذه البلاد خرابًا. وكان هذا القول في منزل محمود سامي البارودي يوم ألَّف وزارته.

هذا الحادث منقول عن شهادة أحمد رفعت بك في محاكمة عرابي.

بعد ذلك وضع شريف باشا مشروعًا جديدًا بحذف الميزانية من اختصاص المجلس، ولكنه أبقى الباب مفتوحًا للمناقشة إذا وجد المجلس وجهًا للخروج من هذا المأزق؛ ليستأنف هو مفاوضاته مع الدول؛ فرفض المجلس النظر في الاقتراح، وألَّف وفدًا من ١٢ نائبًا ليُبلغ شريف باشا سوء وقْع اقتراحه لدى المجلس، ولينذره بقبول مشروع اللجنة البرلمانية كما هو، فإذا أبى شريف باشا الموافقة يذهب الوفد إلى الخديوي، ويطلب منه أن يُوقِّع القانون.

رفض شريف باشا طلبهم، فذهب الوفد إلى الخديوي في سراي الإسماعيلية، وطلب منه عزل الوزارة وإصدار القانون، فسأل الخديوي الوفد: بأي حق يطلبون منه هذا الطلب؟ فأجاب الوفد أن ذلك إرادة المجلس، فوعدهم الخديوي بأنه سينظر في الأمر.

وبعد خروج الوفد استدعى الخديوي شريف باشا وقنصلي فرنسا وإنجلترا، فبيَّن لهما الخديوي والوزارة أنهم لا يملكون أية قوة لمقاومة المجلس الذي يؤيده الجيش، وأنهم يخشون تمردًا عسكريًّا جديدًا؛ فارتأى القنصلان تغيير الوزارة، وأن يُترك للنواب اختيار الوزراء، فاستدعى توفيق باشا في الحال وفد المجلس وأبلغه هذا القرار، فارتبك الوفد وقال: إن تعيين الوزراء (النظار) واختيارهم من حقوق الخديوي دون سواه، فأصرَّ توفيق باشا على أن يكون الاختيار للمجلس، ولما عاد الوفد إلى زملائه مرتبكًا حائرًا خفَّف عنه الضباط، وقرروا اختيار محمود سامي البارودي لتأليف الوزارة.

ووصف قنصل فرنسا هذه الحالة بقوله: إن هذا العمل هو أشد رد على مذكرة غامبتا التي قلنا فيها إننا نؤيد الخديوي وحكومته لصيانة الحالة الحاضرة.

وهكذا تألفت وزارة البارودي بعد وزارة شريف.

فلننظر إذن إلى ما كان من أمر هذه الوزارة، وقد وصفوا البارودي أنه كان عين الثورة وروحها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.