يختلف الخط الفاصل بين العام والخاص باختلاف الناس. وكذلك يختلف باختلاف المجتمعات. وكما كتب يفجيني موروزوف في مقالة ممتازة في العدد الجديد من مجلة «تكنولوجي ريفيو»، فإن القدرة المتزايدة للشركات والحكومات والأفراد على استخدام أجهزة الكمبيوتر لجمع وتحليل البيانات حول السلوك الشخصي ظلَّت تفرز لسنوات عديدة إلى الآن ضغطًا اجتماعيًّا من أجل تحريك هذا الخط أكثر نحو العام، وتقليص حجم عالم الخاص. إذا كان يمكن أن يُعزَى بعض الصالح العام إلى التوسُّع في جمع البيانات الشخصية — لِنَقُلْ: على صورة زيادة في الكفاءة أو السلامة — أو حتى يكون متوقعًا منه هذا؛ فإنه يصبح من الصعب إقامة الحجة ضد هذا التوسُّع. يحدث تهميش لدعاة الخصوصية؛ إذ إنهم يحاولون الدفاع عن مصلحة مجرَّدة ضد مصلحة عملية وقابلة للقياس.

وبينما يستمر هذا الاتجاه، تبدأ مُخرَجَات برامج تحليل البيانات في تشكيل السياسة العامة. فما يُطلَق عليه «التنظيم الخوارزمي» يحل محل النقاش العام، وتبدأ أتمتة القرارات السياسية، وحتى القرارات الشخصية، ويبدأ حرمان الفرد من حقوقه المدنية. ويقتبس موروزوف من محاضرة قيِّمة ألقاها سبيروس سيميتيس في عام ١٩٨٥: «أينما تنهار الخصوصية، فإن فرصة التقييم الشخصي للعملية السياسية … وفرصة وضع أسلوب معيَّن للحياة والاحتفاظ به تتلاشيان.» فمن المفارقة أن السعي لتحقيق الشفافية ينتهي به الحال إلى جعل الآلية التي يعمل بها المجتمع أكثر غموضًا بالنسبة لمواطنيه. يعلق موروزوف قائلًا:

يرى سيميتيس أننا نتعرض للخسارة مرة بعد أخرى. وبدلًا من الحصول على المزيد من السياقات لاتِّخاذ القرارات، نحصل على سياقات أقل، وبدلًا من رؤية المنطق الذي يقود أنظمتنا البيروقراطية وجعل هذا المنطق أكثر دقَّةً وأقل تعقيدًا، سوف يعترينا مزيد من الارتباك؛ نظرًا لأن عملية صنع القرار أصبحت مؤتمتة ولا أحد يعرف الكيفية التي عملت بها الخوارزميات بالضبط. ربما نلحظ صورة أكثر قتامة لما يجعل مؤسساتنا الاجتماعية تعمل؛ فعلى الرغم من أن الأنظمة التفاعلية تَعِدُ بمزيد من إضفاء الطابع الشخصي والتمكين، فإنها لن تمنح سوى وهمٍ بالمزيد من المشاركة. ونتيجة لذلك «فإن الأنظمة التفاعلية … تقترح نشاطًا فرديًّا حيث لا يحدث في الحقيقة أكثر من تفاعلات نمطية.»

قدَّم سيميتيس تقييمًا كاشفًا على نحو خاص من هذا النوع من النظم السياسية التي ستنشأ في النهاية من هذا الاتجاه:

تُجمع العادات والأنشطة والتفضيلات وتُسجَّل وتُسترجع لتسهيل التكيُّف على نحو أفضل، «وليس» لتحسين قدرة الفرد على التصرُّف واتخاذ قرار. وأيًّا كان الحافز الأصلي لاستخدام أجهزة الكمبيوتر، تبدو المعالجة على نحو متزايد الوسيلةَ المثاليةَ لأقلمة الفرد على سلوك مقنَّن ومحدَّد سلفًا يهدف إلى بلوغ أعلى درجة ممكنة من التوافق مع نموذج المريض أو المستهلِك أو المموِّل أو الموظَّف أو المواطن.

ويمضي موروزوف لاستكشاف الآثار الخبيثة لما أسماه «الأسلاك الشائكة غير المرئية للبيانات الكبيرة»، ويقول على نحو مُقنِع: إن تلك الآثار يمكن التخفيف منها فقط من خلال الحوار السياسي المستنير، وليس من خلال حلول تكنولوجية.

لديَّ اعتراض واحد فقط على حجة موروزوف؛ فهو يرى أن «الخصوصية ليست غاية في حد ذاتها»، بل «وسيلة لبلوغ مرحلة مثالية معينة من السياسة الديمقراطية». ويبدو هذا بالنسبة لي مبالغة؛ فبزعم موروزوف أن الخصوصية لا يمكن أن تُبرَّر سوى من خلال فوائدها العامة، فإنه يستخدم نفس التبرير الذي ينتقده. أنا أتفق تمامًا أن الخصوصية هي وسيلة لبلوغ غاية اجتماعية — إلى مرحلة مثالية من السياسة الديمقراطية — ولكني أعتقد أنها أيضًا غاية في حَدِّ ذاتها، أو حتى أكون أكثر دقةً، هي وسيلة لبلوغ غايات شخصية وعامة مهمة. فالإحساس بالخصوصية أمر ضروري لاستكشاف وتشكيل الذات، تمامًا كما هو ضروري للمشاركة المدنية والنقاش السياسي.

The Private and the Public by Nicholas Carr. Rough Type. November 2, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.