نعم؛ استقال الرجلُ الطيِّبُ من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قَبِل هذه الرياسة، واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزراء، ولولا أنه رجل طيب لما قَبِل رياسة الوزارة؛ فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يُخلَقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خُلِقوا ليستمتعوا بالثروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية، ويظهروا في المحافل الاجتماعيَّة، التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.

لمثل هذا خُلِق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة، فيطيعونهم كما تطيع الكرةُ الصبيان. يقولون لهم تقدَّموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول. لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا؛ لأن إرادتهم لا تستطيع أنْ تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له؛ لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.

والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر، ويستجيبون لدعاة الفساد.

ولعل مصدر هذا أنَّ الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم، ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله — عز وجل — قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره، الذين لا يرعون حقًّا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص، ولا يبتغون إلَّا المنافع العاجلة التي لا تُشرِّف من يطلبها، ولا من يتوسط في تحقيقها.

مهما يكن من شيء، فقد دُفِع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع، وقد جُذِب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رُفِع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خُفِض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض!

والظريف أنه كان رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ وسحرته المظاهر؛ فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء، وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان، ولكنه تكلف أنْ يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء، وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون، وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى، وإنما الإبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى، ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى.

ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يُسخِّر الإبراشي باشا لما يريد، وذلك كله؛ لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أنَّ يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون، ويظنون أنهم يأمرون وينتهون، ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون، ويعتقدون أنهم يعملون.

استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج، وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أنْ يصول فيه، ويجول من الرجال الخبثاء، ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستيئس من العودة إلى الميدان؛ لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أنْ يدفعه رجل خبيث، إنْ سنحت الفرصة أو وأتت الظروف، فيصبح رئيسًا للوزارة، ويسيطر على شئون حزب الشعب إنْ استطاع حزب الشعب أنْ يحتفظ بالبقاء.

وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا، وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أنَّ الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه، وإنما الإبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري، فانهزم أمام الشعب المصري.

وأمثال الرجل الطيب يُوجَدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها، كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أُرِيدَ لهم أنْ يظهروا فظهروا، ثم أُرِيدَ لهم أنْ يستخفوا فاستخفوا، وهم الآن على الرف ينتظرون أنْ يُراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى.

هم مساكين لا ينبغي أنْ تُثار عليهم الحرب؛ لأنهم لا يَقْدِرون على أنْ يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أنْ تُثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم، فيكلفونهم ما لا يستطيعون، ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الإبراشي باشا ومن يشبه الإبراشي باشا، فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبهه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين، فإذا أراد المصريون أنْ يأمنوا شر الرجال الطيبين، فليس لهم إلى ذلك سبيل إلَّا أنْ يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلَّا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإنْ كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء.

فالمصريون إنْ شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدُّوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أنْ يظهر فيهم مثل الإبراشي باشا لِيُفسد على الوزارات الجادة جدها، ولِيُسخِّر الوزراء الطيبين لما يريد.

ومن يدري؟! لعل المصريين إنْ شرعوا هذه القوانين، واتخذوا هذه القواعد والأصول أنْ يشفوا زكي الإبراشي باشا وأمثاله من الخبث، وأنْ يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تُضحك وتُبكي في وقت واحد.

ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا — كما يقولون — فليس لعللهم السياسيَّة دواء إلَّا أنْ تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يُقْدِم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب، وأُقْسِم لو عُوقِب صدقي وأصحابه، والإبراشي وأذنابه على ما اقترفوا من إثم، وما احتملوا من وزر، وما ضيَّعوا من حق، وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أنْ تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون، إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأمَّا الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حمَّلوه ما حمَّلوه من العذاب، فإنه يُلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة، وارتفاع الشر، وانتهاء الفساد.

كلا؛ ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسيَّة الصحيحة للشعوب.

إنَّ الذين يريدون أنْ يملئوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقه به واطمئنانًا إليه، خليقون أنْ يُعاقِبوا المفسد على فساده، وأنْ يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والإبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة؛ لِيُسأَلوا عمَّا عملوا ولِيحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري، ويعرف به المظلوم أنَّ الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سدى، وأنَّ راحة هؤلاء المفسدين ليست آثَرَ من راحة الشعب، وأنَّ المفسد لا يُكافَأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يُغْنِي والرثاء الذي لا يفيد.

لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومِنْ قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الإبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختُطِفَتْ منهم ومن أمتهم اختطافًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.