من نحو عشرين سنة ظهرت في أفق البيان العربي آية من آيات الشعر والمسرح، هي رواية «قيس ولبنى» لشاعرٍ لم يُعرَف له عمل في هذين الفنين قبل ذلك، وهو زميلنا اليوم بمجمع اللغة العربية الأستاذ عزيز أباظة.

وكان من حظي أن أقدِّم تلك الآية، كما كان من حظي أن أقدِّم صاحبها اليوم في هذا المجمع، فقلت يومئذ في مقدمتها:

مؤلف قيس ولبنى لو قضى عشرين سنة في السعي إلى المكانة الأدبية التي يعرفها له الأدب العربي الآن، لما كان ذلك بالكثير على تلك المكانة؛ لأنه — باتفاق الجلة من العارفين — شاعر من شعراء الطبقة الأولى في اللسان العربي، ومؤلف من مؤلفي القصص التمثيلي المعدودين في هذا الزمان. وتلك منزلة رفيعة لا يكثر عليها أن تُدرَك في عشرين سنة، أو فيما يُربَى على العشرين، ولكن الأستاذ عزيزًا لم يُعرَف بهذه المنزلة في عشرين سنة، ولا في عشر، ولا فيما دون ذلك من سنين. بل عُرِف بها في أسابيع قلائل بغير مكابرة من أحد ولا رغبة في المكابرة ممن يستطيعها ويهواها؛ لأنه عُنِي بالجوهر الأصيل ولم يُعنَ بالعرض المضاف، أو هو قد اهتم بالقدرة ولم يهتم بالتقدير. فلما واتته القدرة طائعة تكفلت له وحدها بالتقدير الذي لم يتطلبه ولم يُضيِّع فيه وقته.

ثم تمت للشاعر النابغ عشر آيات من قبيل «قيس ولبنى» … آخرها «قيصر» في عصر عواهل الرومان، ومن قبلها «قافلة النور» في عصر الدعوة الإسلامية. وأرى أنني أعود إلى تلك المقدمة، فلا أغيِّر منها كلمة، وأعود إلى تلك القدرة التي تبيَّنت لنا من الشاعر في آيته الأولى، فإذا هي هي لم تتغير في الجوهر، وإن كانت في ازدياد يتقدم ولا يتكرر؛ فكل ملامح القدرة المعهودة واضحة في «قيصر» وضوحها في «قيس ولبنى» … كما تتضح ملامح الرجل الكبير في صورة صباه.

هل يُراد بهذا أن شاعرنا بلغ الشأو أخيرًا، وكان دون الشأو بكثير في بواكيره الأولى؟ كلا؛ إنه قد ارتفع إلى الطبقة الأولى بين شعراء العربية يوم ظهرت له «قيس ولبنى»، بغير مكابرة من أحد ولا رغبة في المكابرة كما تقدم …

فهل يُراد — بهذا — إذن أنه لم يتطور، وأنه تقدم ولم يكن مبتدئًا قط في أوائل خطاه؟

ربما صُدِّق هذا في معجزات الأساطير، كما نجمت «أثينا» ربة الحكمة والفطنة من رأس رب الأرباب «زيوس»، وهي كاملة الأهبة عالية الرتبة، على رواية شعراء اليونان الأقدمين، ولكن لغة الأساطير لا تُصدَّق في عالم الواقع بغير تحوير أو تفسير، إلا أن تكون معجزة خارقة بغير نظير.

وعندنا المعجزة وتفسيرها، حين نذكر أن بواكير الشاعر قد ظهرت في عام واحد مع روايته المسرحية، فلم تظهر قصيدة بعد قصيدة، ولا غرضًا من أغراض القصائد المتعددة بعد غرض، ولكنها ظهرت بعد أن سلك الشاعر سبيله، واهتدى إلى سوائه وتثبت من خطاه، وانتظم في معراجه إلى أوجه، فلمحنا بداءته في ذلك الأوج الرفيع، ورأيناها حيث تتسامى إليها همم الكثيرين.

إن المسرحية الشعرية تجمع عشرات القصائد، وقد تجمع المئات منها في آمادها الطوال، ومنها: شعر الوصف، وشعر الغزل، وشعر الحكمة، وشعر الخطاب والحوار، وشعر الحماسة، وشعر الواحد، وشعر الجماعة. وكلها تُنظَم في شتى الأوزان وتصلح للتلاوة والمناجاة كما تصلح للإلقاء والإنشاد. فإذا أحكمها الشاعر جميعًا فقد مهَّد طريقه في كل وجهة، وعالج قدرته في كل مطلب، وفرغ من تجربة القصيدة بعد القصيدة في جملة مذاهبها، تناجى به بينه وبين وجدانه أو بينه وبين خاصته، أعوامًا بعد أعوام، وبرز من رأس الفنون أمام أعيننا بعد أن أقام فيه ما شاءت له حكمة الأرباب.

وربما كان للوظيفة حكمها في هذا الانطواء الفني مدى تلك السنين التي تقدم بها الشاعر في أطوار الاستعداد والمراجعة، فإن المدير أو الحاكم قلما يناسبه أن يطالع الناس بنجوى فؤاده كل يوم في الصحف السيارة، ولكنه لا حرج عليه أن يرفع الستار حينًا بعد حين ليتحدث إليهم بألسنة الممثلين وأبطال الفن والتاريخ.

لا عجب — إذن — أن يطالعنا الشاعر بملَكة نَمَت وأينعت، وأن نرى في «قيس» كل ما نراه في «قيصر» من تمكن الأستاذية وطمأنينة اليد الصناع والخبرة التي انتهت من المحاولة إلى الحول، ومن التجويد إلى الجودة، وألا تكون الزيادة بين الأمس واليوم تلك الزيادة التي نمثل لها بالعُود ينمو ويُورِق ويخرج شطأه ويبدأ ثمره، بل هي الزيادة التي نراها في الشجرة نمت وسمعت وتفرعت وجادت بالثمر، ولا تزال تجود به ليحلو عامًا بعد عام، ويطيب موسمًا بعد موسم، ويطاول حوله الأشجار بأحسن الثمار.

وخصلة أخرى في هذه الأستاذية تكفُل للشاعر هذا الاستواء بين حاضره وماضيه، فلا نرى منه ذلك التفاوت بين الطرفين في الديوان الواحد، وإنه لتفاوت لم يخلُ منه ديوان شاعر قط، على تقارب أو تباعد بين فاضل من كلامه ومفضول.

إن الحياة الروحية والحياة الفنية تتشابهان في خصال عدة، ومنها خصلة التجلي التي يتحدث بها المتصوفة من أصحاب الحال … إن تجلت بهم حالة منها بدا لهم أنهم يطلعون على الغيب ويكشفون ما وراء الحجب ويخرجون الأسرار من خبايا الصدور، وإن فارقتهم حالتهم تلك إذا بهم ينظرون فلا يبصرون على مدى اليدين.

هؤلاء أهل الجذب، لا يقول العارفون بمراتب الولاية إنهم أفضل أولياء الله، فربما كان من أوليائه من راض قلبه على الصفاء ودأب على فرائض العبادة وحسنات الخير، فاستوى له مسلك الصلاح على استقامة، ولم يفاجئه نوبات بعد نوبات، فهي مفاجئته لتملك زمامه على غير ما يشاء، وليس يملك زمامها حين شاء.

إن للفن لأولياء، الذين يلهمونه على الطريقين: طريق من يعتريه الإلهام، وطريق من يروضه فيسلس له الزمام.

ومن الجلي أن الملكة المطبوعة شرط في الشاعر المُلهَم كيفما كان سبيله إلى الإلهام أو سبيل الإلهام إليه … ولكن الملكة المطبوعة لا تستغني عن طول الرياضة وجميل الصبر وحسن التلقي عن بوادر الفكر والقريحة، إذا هي شاءت أن تأمن عثرات الإسفاف وأن تتجنب قبل ذلك طريق العثرات.

وإن شاعرنا «عزيزًا» لَمِن هؤلاء النخبة الذين رُزِقوا حظ البديهة وحظ الرياضة؛ فالملكة الملهمة عنده تساندها اليد الصناع، وذلك الذي يؤمنه أن يهبط فيعثر، فإن فارق علياءه لم يفارقها هُويًّا من حالق، بل كان له درجة السوي يتصل أعلاه بأدناه.

وإنك لتقرأ عمله المسرحي وتقرأ له رأيه في المسرح، فتعلم أنه يهتدي مع السليقة برأي الناقد وذوق المشاهد، ويحسن الموازنة بين رأي ورأي، والمقابلة بين ذوق وذوق، فيعطي الصناعة حقها، ويصدر عن السليقة قبلها، ويكون أول الناقدين لعمله، فلا يعصيه الناقد — إن أصابه — إلا حيث يتقيه.

ويحق لشاعرنا أن يغتبط بموقفه من النقاد الثقات، وإن أصابوه وأصابوا في مآخذهم عليه … لأنهم لم يحاصروه بالنقد الصائب من كل جانب، ولكنهم تركوا له ملاذًا يعتصم به وليس هو بالملاذ الضعيف … وبخاصة بعد أن أصبحت المسرحية الشعرية صوتًا مستقلًّا من أصوات العرائس في الغرب يسميه شاعرهم … «إليوت» بالصوت الثالث، ولما يفرغ ناقدهم الأيرلندي «دونوغ» Doneghue من مقارناته بين أصداء هذا الصوت في المسارح الإنجليزية والفرنسية، ولعل القوم يمدون في صوتهم هذا حتى يشمل الرواية في الموضوع الخيالي كما يشمل الرواية في الكلم المنظوم.

فالشعر المسرحي قد يتلقى النقد من نقاد الشعر ونقاد المسرح، وقد يُسمَع فيه الرأي من الممثل والمخرج وصاحب الفرقة ومدير الدار وناشر الكتاب، وقد يكون لظروف الإنتاج حكمها بميزان الكلفة والربح والمعادلة بين جدوى المسرح وجدوى اللوحة البيضاء … ولكن الشعر المسرحي لا يزال وسيظل كما كان في كل مجال: فنًّا صادقًا للطبيعة ككل فن يصدق للطبيعة. وإنما يصدق الفن للطبيعة بشرط واحد على الدوام؛ وهو شرط التسليم للفن بحقه قبل محاسبته على المطلوب منه والواجب عليه.

إن صدق الفن للطبيعة موقوف على هذا الشرط الأول: شرطه عليها في الرواية الشعرية كشرطه عليها في الرواية الأسطورية، وفي الرواية المترجمة، وفي الرواية التاريخية، وفي الرواية التي تُنطِق الإنسان بألسنة الطير، وبألسنة الأشباح والأرواح، وفي كل عمل فني نجريه مجرى الطبيعة ونحن نعلم علم اليقين إنه لمصنوع.

وسيقول المسرح قوله في الشعر المسرحي غدًا كما قاله بالأمس، ولكنه لا يحرمه مكانه من الفن المطبوع، ولا يبلغ اختلاف المصالح المسرحية منه إلا كما بلغ من شعر يوريبيدس وسفوكليز وأرستفان وشكسبير وراسين؛ قراؤه أكثر من شهوده، وشهوده يدورون حوله ليهيئوه للتمثيل زمنًا بعد زمن كلما تغيرت صور التمثيل على حسب المصالح والمواقع والتكاليف.

وليس من مزايا الشعر المسرحي عند نقاد الأدب أن يفض المشكلات في اللغات وخصائصها أو في علم الأجناس وطبائع الأمم، ولكننا نستقبل الزميل الجديد فلا يفوتنا أن نذكر له فضلًا سابقًا إلى إنصاف اللغة العربية وجلاء الحقيقة عن طبائع أهلها؛ فقد طالما قيل إن شعر المسرح لم يظهر في آدابنا قديمًا لضيق في حظيرة القريض العربي وقصور في خيال أبناء العربية. ولقد طال الرد على هذه الدعوى، وتكرر القول ببطلانها، وعاد المؤرخون بالسبب إلى طبيعة البادية في مجتمعها وشعائر دينها، ولكننا لم نزل ننتظر الدليل من الواقع المحسوس، ثم نتطلب الأمثلة المتعددة حيث لا يغني المثل الواحد في تقرير الحقائق عن خصائص اللغات وطبائع الأقوام. فالزميل الجديد يؤدي بمجامعيه العشر قسطًا فوق قسط الشاهد الواحد في هذه القضية الرابحة، فإن له لنهجًا من النظم البليغ يلتزم فيه شروط القريض ويتخرج فيه مما يُباح للشاعر الموجز والمطيل، ويودعه ما يريد على ألسنة الرجال والنساء، وأمزجة الخيِّرين والأشرار، وخلائق العلية والسواد ومواقف القوة والضعف والضحك والبكاء والرضا والحزن، فيتسع لما أودع، ويجاوز مدى التعبير إلى غاية من البيان المشبع والأثر البليغ. ويكاد أن يلتزم ما لا يلزم في القصيد، فيجري الحديث الواحد على وزن لا يتعدد، ويفرغ الموقف الواحد في قالب لا يتشعب، ويوشك أن يتحرج من قصر الممدود ومد المقصور، وهما في سعة من العذر المقبول لكل شاعر وفي كل مقام.

هذه لغة تُعمَل وليس قصاراها أنها لغة تُقال، ولعل المُشِيدين بفضل الشعر قديمًا لم يتجاوزوا في التقديم والتأخير حين زعموا أن الإنسان صنع اللغة بمنظومه قبل أن يصنعها بمنثوره؛ فقد صح كثيرًا أنه تفاهم بالأصوات التي تختلف باختلاف الإيقاع قبل أن يتفاهم بتراكيب الأفعال والأسماء، فإن نثر اليوم قبل أن ينظم فإنه ليستمع من النظم لغة الحياة؛ إذ يقنع من النثر بلغة المعرفة ولغة المنفعة، ولا بدَّ من لغة يتعاطف بها الناس، إلى جانب كل لغة يتفاهمون بها ويتعاملون … ومن صنع الشعر لغة العطف والشعور.

إن اللغوي العامل — عزيز أباظة — لفي الرحب والسعة من مجمع اللغة العربية، رشحته له أعماله الفصاح ولم يرشحه له صاحب الأعمال … كأنما شاء أن يصدقني اليوم كما صدقني قبل عشرين سنة؛ إذ كنت أقول ما أعيده الآن: «إنه اهتم بالقدرة ولم يهتم بالتقدير … فلم يعرف الراصدون هذا الكوكب إلا في برجه الأسنى، قد جاوز الأفق وأصعد في سمت السماء.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.