منذ التاريخ القديم لم تنعم مصر باستقلال حقيقي وقدرة على تقرير المصير إلا في رحاب ثورة يوليو، تحررت إرادتها من أي سلطة دخيلة شرعية أو غير شرعية، فتولى حكمها أبناؤها، وشقوا بسفينتها بحرًا عاصفًا متطلعين نحو مرفأ سلام ورخاء. ولن أذكرك بالتاريخ الذي صنعته في تلك الفترة، فأنت ولا شك تذكره، تذكر ما قام من بناء وما تَهدَّم، تذكر معارك الهزيمة والنصر، التنمية والتوقُّف، واستئناف التنمية، تذكر تجارب الحكم من المطلق إلى المطلق المطعَّم بالديمقراطية، إلى الديمقراطية المتمهِّلة، وتذكر الانغلاق ومحنته، والانفتاح وكوارثه، ثم طريق الوسط وعثراته، تذكر الآمال الكبيرة التي ثمِل بها الشعب، والإحباطات المريرة التي تجرَّعها، وتذكر طبعًا الغلاء والديون والتسوُّل، واختلال الطبقات، وانفجار الانحرافات، وأمراض الشباب، وحسرات الشيوخ.

تاريخ مليء بالآلام والعبر، حافل بذكريات حلوة، وأخرى أَمَرُّ من العلقم، وأنكى من السم الزُّعاف، وقد تحملناه وتصبَّرنا عليه ربما باعتباره امتحانًا لا مفر منه للاستقلال الوليد، بل إننا على أتم الاستعداد لأن نضعه على العين والرأس باعتباره تجربة قاسية في سبيل الاهتداء إلى طريق الرشد والنهضة، ونفض السلبيات عن رُوح الأمة المعذَّبة واستشراف غَدٍ واعد بالخير والبركات والشرف. وعلى الوجه الثالث لثورة يوليو، وجه الديمقراطية والتجديد والتطهير أن يثبت ذلك لا بالكلام ولا بالتصريحات ولا بالوعود، وإنما بالعمل الجاد الخلاق المستمر، في جو الحرية والمساواة والقانون والفضيلة.

لم يبقَ أمامنا فائض وقت ولا خيار، فإما النجاح — والأفق لا يخلو من بشائره — وإما التَّردِّي في المجهول، والله مع المجتهدين إذا أحسنوا أن يكونوا مع أنفسهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.