خير ما يوصف به البرنامج الوطني — الذي أعلنه صاحب الدولة رئيس الوزراء ورئيس الهيئة السعدية — أنه هو السياسة الوسطى بين طرفين متناقضين تعالج بهما المشكلات العالمية في العصر الحاضر، ويخصنا — نحن المصريين — من تلك المشكلات غير قليل.

فهذا البرنامج هو الخطة الوسطى بين الشيوعية من طرف وبين الجمود على النظم العتيقة من طرف آخر، وكلا الطرفين وبال لا تؤمن عقباه على أمة من الأمم ولا على الإنسانية بأسرها على تباعد الديار واختلاف العناصر والأقوام.

الشيوعية مذهب «بهيمي» خبيث يفهم بعض الجهلاء خطأ أنه يُعنى بإصلاح أحوال العمال والفقراء على العموم.

ولكنه في أصله وقواعده يهتم بترويج العقائد المادية قبل اهتمامه بمسائل الإصلاح.

ولهذا يحارب الشيوعيون كل إصلاح يأتي من غير طريق الدعوى المادية؛ لأن تغليب النزعات المادية هو الباعث المهم وهو الغرض الأصيل.

وصاحب هذا المذهب — كارل ماركس — هو رجل يهودي تحول إلى المسيحية ظاهرًا ليهدم العالم المسيحي من داخله، ويهدم معه كل حضارة تدين بعقيدة غير عقائد الماديين.

وهو يعلم أن انتشار النزعات المادية بين الأمم يسلمها جميعًا إلى أيدي أبناء قومه اليهود؛ لأنهم يقبضون على زمام الشئون المادية في بقاع العالم، ويملكون الأمر كله إذا بطل سلطان الأديان والأوطان.

ولن ترى أحدًا يصغي إلى الدعوة الماركسية وهو يخلو من الخسة واللؤم، أو من الجهل وضيق النظر؛ لأن هذه الدعوة تتجه من النفس الإنسانية إلى شر ما فيها، وهو شعور الحقد والحسد والولع بالتخريب والتحطيم، ومن سلم من هذه الآفات النفسية لم يسلم من آفة الغباء والجهل بحقيقة ما يُدعى إليه.

ولولا هذا الغباء لما خفي عليهم سر هذه الدعوة التي ينتحلها أصحاب الملايين من اليهود المرابين، وهم أبعد خلق الله عن الرحمة بالفقراء والغيرة على حقوق الأجراء.

لكن الدعوة الماركسية — كيفما كانت براعة القائمين بها — لن يسمع لها صوت ولن يستجاب لها نداء إذا حسنت الأحوال في الأمة وانتظمت فيها معيشة الطبقات المختلفة على سنة البر والإنصاف، وبرئت من أدواء الشح والجشع والاستئثار.

فأكبر نصير للشيوعية هو أكبر خصم لها في الظاهر، وهو نظام رأس المال الذي لا يتطور مع تطور الأحوال، ثم لا يزال في عمى عن النظر المحدق به فلا ينزل عن مطمع من مطامعه حتى تعصف به العواصف، فيذهب هو ومطامعه جميعًا مع الرياح.

والعبرة بما حدث في الصين، فليس للشيوعية نصير أقوى من نظام رأس المال الذي يصاب بهذا العمى ويأبى أن يفتح عينيه.

وهما طرفان، ولكنهما على هذا النحو يتلاقيان، فلم تنجح الشيوعية في الصين بقوة أنصارها كما نجحت بقوة خصومها، وهكذا يقال عن نجاحها في كل مكان.

أما الخطة المثلى بين الطرفين المتلاقيين فهي هذه السياسة الوسطى التي أعلنها صاحب الدولة رئيس الوزراء ورئيس الهيئة السعدية، وتتلخص كلها في الإصلاح الضرائبي وقيام العلاقة بين طوائف الأمة وطبقاتها على سنة التعاون والإنصاف.

والمسألة قبل كل شيء مسألة نفسية اجتماعية لا يكفي في علاجها أن نتناولها من جميع وجوهها بحساب الأرقام وقوانين الاقتصاد.

والإصلاح الضرائبي مفيد جد الفائدة في علاج هذه المشكلات من ناحيتها النفسية وناحيتها الاجتماعية؛ لأنه يبطل الدعاية الكبرى التي يستخدمها الشيوعيون لاستثارة الدهماء وإيقاع النفرة والشقاق بين الطبقات، وهي ادعاؤهم أن الطبقة الحاكمة تشرع لنفسها وتضع القوانين لخدمة مصالحها فلا تقبل ضريبة تكلفها خسارة بعض الأرباح.

وهي كذلك تفيد في علاج المشكلة النفسية والاجتماعية؛ لأنها تخفف من سخط المحرومين.

وتفيد في علاجها؛ لأنها توفر للدولة موارد الإنفاق على مشروعات الإصلاح وتحسين المعيشة وترقية التعليم ومكافحة البطالة وتدبير الأعمال.

وهي مع هذا جميعه تكفل التقارب بين الطبقات وتزيل الفوارق الشاسعة بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء، وتصون للعاملين حريتهم الفردية التي تقضي عليها الشيوعية كل قضاء.

لا منفذ من المشكلة النفسية الاجتماعية من غير هذا الباب.

وإذا اقترن الإصلاح الضرائبي بتعميم نظام التعاون في التجارة والزراعة فلا خطر من دعاية المذاهب الهدامة، ولا خطر من عواقب رأس المال الذي لا تستأثر بخيراته كلها طبقة من الطبقات. ولا يكفي أن تعلم الحكومة هذا وتنفرد بعلمه.

بل هي حقيقة يجب أن يعلمها في مصر كل غني وفقير، ويجب أن يقترن العلم بها بالعمل عليها؛ لأنه عمل أمة تتساند فيه، وتتعاون عليه، وحسب الحكومة من فضل أنها تنادي به، وتقوم بقسطها منه، وهو قسط غير قليل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.