قُلْ إِنَّه تَحَدٍّ للشعور القومي، وقُلْ إِنَّه تَحَدٍّ للكَرَامَةِ القومية، وقُلْ إنه تَحَدٍّ لمجلس النواب، وقُلْ إن شئتَ إِنَّه تَحَدٍّ للتقاليد، من وزارة التقاليد بمحضر وزير التقاليد، فلن تخطئ في بعض ذلك، ولن تخطئ في كل ذلك، ولن تَتَجَاوز الحقَّ والصَّواب؛ فوزير المواصلات أمس قد تحدَّى كل ذلك، ووقف منه موقف المُتَحَكِّم الذي يُرِيدُ ويعلم أن لا رادَّ لما يريد، فأمَّا الشعور القومي والكرامة القومية فقد صبرا على هذا التحدي كما صبرا على أمثاله منذ أعوام، وأما مجلس النواب فقد لقي هذا التحدي صامتًا وأَسِفَ له عضو من أعضائه، فلقي النواب أسف زميلهم صامتين، وكفى الله المؤمنين القتال.

وأَمَّا التَّقَالِيدُ فقد ضحكت لهذا التحدي؛ لأَنَّها تَعْرِفُه ويعرفها منذ زمن بعيد؛ فالاتفاق مُحقَّق، مسجل بين التقاليد وبين الوزارة القائمة والوزارة السابقة على أن تكون التقاليد هينة لينة، مرنة رضية الخلق موفورة الحلم، لا تغضب إلا حين يُطلَب إليها الغضب ولا تَثُور إلا حين يُرادُ مِنْهَا أَنْ تَثُور، وكذلك صبر وزير المواصلات شهرًا وبعض شهر على ذلك السؤال الذي وجهه إليه نائب من النواب عن خطبة ألقاها بالفرنسية في حفل رَسْمِي لمؤتمر رَسْمِي، فَلَمَّا انقضى شهر وبعض شهر، وقد نسي النواب السؤال والجواب ذكرهما الوزير؛ فألقى جوابه أمس.

وأَكبرُ الظَّن أنَّ الوزير إِنَّما ذكر هذا السؤال وذكر أَنَّه يَنْتَظِرُ جوابًا منذ شهر وبعض شهر لأمرين؛ أحدهما: أن الحديث كثير في هذه الأيام عن مجمع لغوي يجتمع، ويقبل أعضاؤه من أطراف الأرض في الشرق والغرب ليحيوا اللغة العربية ويصلحوها، ويجعلوها لغة عظيمة خليقة بالدولة العظيمة التي تُسَمَّى الدولة المصرية، والثاني: أنَّ حَفْلًا رسميًّا يُقَام اليوم لافتتاح مؤتمر رسمي، وتُلْقَى فيه خطب رسمية؛ فالمجمع اللُّغوي يذكر الوزير بأنَّ لمصر لغة رسمية هي اللغة العربية، ويذكر المصريين بهذه اللغة، وأنَّ من المعقول ومن الطبيعي ومن الخير، وقد يكون من الواجب، أنْ تُعْنَى الدَّولة بلغتها الرسمية في المحافل والمؤتمرات.

ومؤتمر البريد يذكر الوزير بأنَّ كثرة المؤتمرين من الأجانب، وبأن لغتنا العربية لغة غنية، خشنة الحروف، ضخمة الألفاظ، شديدة الوقع، تجرح الأسماع الرقيقة، وتُؤذِي قلوب المُترفين، وأن الذوق يقضي أن نُحْسِن استقبال الضيوف فلا نجرح سماعهم ولا نؤذي قلوبهم، ولا نلقي بين أيديهم ما لا يفهمون.

إذن؛ فقد وقف الوزير بين هذين الأمرين موقفًا لم يَخْلُ من حيرة في أول الأمر، ولا بُدَّ من بعض الحيرة لكل وزير في هذه الأيام؛ لأنَّ الحيرة — كما قُلْنَا أمس — قوام الحياة الوزارية وخاصة الوزارة القائمة.

وقف وزير المواصلات موقف الحيرة بين المصريين والأجانب المؤتمرين وبين اللغة الرَّسمية واللغة الدولية، وبين الواجب والذوق، وبين التقليد والتجديد، وبين إرضاء النواب وإغضاب المؤتمرين، ولكن حيرة الوزير لم تَطُل، وتردده لم يتصل؛ فالكلفة مرفوعة مع السرور بينه وبين مواطنيه، والكلفة مرفوعة بين وزراء الدولة ولغة الدولة. وإذن؛ فليتحمل المصريون، ولتحتمل لغة الدولة، وليقدم وزير المواصلات في حزم وعزم، وفي هم بعيد، ومضاء نافذ، ولْيُرْضِ الذوق على حِسَاب الواجب، ولْيُرْضِ التجديد على حساب التقليد، ولْيُرْضِ الأجانب على حساب المصريين، وليُعلن ذلك كله إلى مجلس النواب حتى لا يفكر ذلك النائب الذي سأله بعد مؤتمر الطيران في أن يسأله بعد مؤتمر البريد.

وسمع النائب وأَسِفَ، وسمع النواب وسكتوا. وَمَاذا كنت تريد أن يصنع النائب غير أن يأسف؟! وماذا كنت تُريد أن يصنع النواب غير السكوت؟!

لقد أراد الوزير، ومن الذي يستطيع أن يرد إرادة الوزير؟! لقد خَطَبَ الوزير باللغة الفرنسية في مؤتمر الطيران، وهو يخطب الآن باللغة الفرنسية في مُؤتمر البريد أعلن ذلك إلى النواب مُطمئنًّا وأنذر النواب بهذا مُصَمِّمًا، فاطمأن النواب كما اطمأن، وقبل النواب ما صمم عليه ونحن ملزمون أن نطمئن وأن نقبل، كما اطمأن الوزير والنواب وكما قبلوا.

وسيجتمع المجمع اللغوي وسيحاول إحياء اللغة وإصلاحها، وستنفق الدَّولة في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام، وسيقُول النَّاسُ في الشرق والغرب، إنَّ في مصر مجمعًا لغويًّا، وسيتحدث الناس في الشرق والغرب بأنَّ مِصْرَ زَعِيمَة البلاد الشرقية، وموئل اللغة العربية، ومَصْدَرُ الحياة والقوة والنَّشاط والمُحَافَظَة والتجديد في بلاد الشرق العربي كله، سيكون هذا كله ولا بأس بهذا كله؛ فاللغةُ العربيةُ لغة الشعب يتحدث بها المصريون إذا لقي بعضهم بعضًا وخلا بعضهم إلى بعض والوزارة كريمة سخية مُتفضلة؛ لأنَّها تصلح للشعب لغة الشعب، وحسب الشعب منها هذا والشعب مُسْرِفٌ بطرٌ أَشِر إن طلب إلى الوزارة أكثر من هذا!

وحسب الشعب المُسرف، البطر، الأشر أنْ يتفضل الوزراء فيتحدثوا بلغته في مجلسهم وفي مجلس النواب ومجلس الشيوخ. فأمَّا أنْ يَطْلُب الشعب إليهم أنْ يتحدثوا بهذه اللغة في المحافل والمؤتمرات؛ فهذا طغيان، والطغيان قبيح حين يصدر عن الشعوب، ولكنه حلو حين يصدر عن الأفراد، والوزارات إنما أُنْشِئَتْ لتؤدب الشعوب، وتمنعها من الطغيان، وتعصمها من الإسراف، وتردها إلى ما ينبغي لها من التواضع والقصد والاعتدال فيما تعمل وما تقول.

ولهذا كله؛ أعلن وزير المواصلات أمس في مجلس النُّواب أَنَّه خَطَبَ باللغة الفرنسية في مؤتمر الطيران لأنها اللغة الدولية، ولأنها اللغة التي يفهمها الأجانب المؤتمرون، وأنه سيخطب في مؤتمر البريد باللغة الفرنسية لأنَّها اللغة الدولية، ولأنها اللغة التي يفهمها الأجانب المؤتمرون، ولأنَّ أَعْمَال هذا المؤتمر كلها ستكون باللغة الفرنسية، وكان للوزير دليل قوي لا يستطيع شيء أن يثبت أمامه، ولا أن يقوم في وجهه دليل مُقْنِعٌ بِطَبْعِهِ، مُحْرِجٌ للخصم، قاطع لحجته، وهو أنَّ ولي العهد في إنجلترا قد ألقى في مؤتمر من المؤتمرات خطبة افتتاح باللغة الفرنسية، وإذا كان ولي العهد للدولة الإنجليزية كلها، وللإمبراطورية البريطانية كلها يخطب في بعض المؤتمرات باللغة الفرنسية ويُهمِل اللغة الإنجليزية إهمالًا، فما الذي يَمْنَعُ وزيرًا من وزراء الدولة المصرية من أن يذهب مذهبه، ويسلك طريقه؛ فيخطب بالفرنسية، ويهمل اللغة العربية إهمالًا؟! وهل يطمع المِصْرِيُّون في أن يكون وزراؤهم أحرص على لغتهم من ولي عهد الإنجليز على لغة الإنجليز؟! وهل يطلب المصريون من وزرائهم أكثر مما يطلب الإنجليز من ولي عهدهم؟! وإذا وجد الوزراء المصريون قُدوة كهذه القدوة، وأسوة كهذه الأُسوة، فهل ينبغي لهم أن يُخَالِفُوها أو يحيدوا عن طريقها؟!

وفي مجلس النواب شيء من الجحود والتقصير في الاعتراف بالجميل؛ فقد وعد الوزيرُ بِأَن تُطبَع تذاكر الدعوة باللغتين العربية والفرنسية، وأعلن أن تذاكر الدعوة إلى مؤتمر البريد قد طُبِعَتْ بهاتين اللغتين، فلم يصفق له النواب، ولم يشكروا له هذا العمل الخطير وهم وقوف، ومع ذلك، فقد رفع الوزير لغتهم العربية إلى حيث تُطبَع بها تذاكر الدعوة إلى مؤتمر البريد، وإلى حيث تجاور اللغة الفرنسية على بطاقة واحدة! ولكن المصريين قوم يَظْلِمون.

وأغرب من هذا كله أن رجال الدين، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر، سيغضبون فيما بينهم وبين أنفسهم من إهمال اللغة العربية بهذه الجرأة، ومن تحدي هذه اللغة مع هذه الشجاعة؛ لأَنَّها لغة الإسلام الحنيف والقرآن الكريم، ولكن أُحِبُّ لرجال الدين، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن لا يغضبوا؛ فغَضَبُهم لن ينفع ولن يُفِيدَ من ناحية، ولهم عزاء من ناحية أُخرى، وهو أنَّ كَثْرَة المُؤتمرين من غير المسلمين؛ فالوزير يُنزِّه لغة الإسلام والقرآن عن أنْ يَتَحَدَّث بها إلى الأجانب من أصحاب المِلَلِ الأُخرى، وسيغضب أصحاب التقاليد والمحافظون على نصوص الدستور؛ لأنَّ اللغة العربية هي اللغة الرَّسمية للدولة بنص الدستور، ولكنْ أَنْصَحُ لهؤلاء ألا يغضبوا؛ فاللغة الفرنسية لغة رسمية للدولة أيضًا. أليست تصدر بها الجريدة الرَّسمية كما تصدر باللغة العربية؟! وقد زَعَمُوا أَنَّ الدستور الجديد نفسه قد وُضِع أول الأمر باللغة الفرنسية، ثم نُقِل إلى اللغة العربية نقلًا!

وحدثني بعض الوزراء السابقين أنَّ الدولة وجدت في نقل الدستور إلى اللغة العربية مَشَقَّة وعناء، وإذن فليست هناك كلفة بين لغة النيل ولغة السين، وليس هناك بأسٌ بأنْ تكون لغة السين هي اللغة الرَّسمية للمؤتمرات بإذن مجلس النواب!

أمَّا وزير التقاليد، فمن المُحَقَّق أنَّه غضب للتقاليد، ولكن من المحقق أيضًا أن غضبه كان كغضب التقاليد يَسِيرًا سَهْلًا، لا يكفي لإحداث الخلاف الخطير بينه وبين زميله وزير المواصلات.

وأمَّا الرجل الطيب، فمن يدري، أفكَّرَ في هذا الموضوع أم لم يخطر له على بال؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.