إن العبرة في تاريخ الجامعات أن ينوِّه المؤرخُ بالحركات التي نشأت الجامعات استجابةً لها، فكانت الجامعات من جهة ثمرةً من ثمرات اتجاهٍ جديد من اتجاهات العقل، وكانت من جهة أخرى عاملًا — أو قُل العاملَ الأساسيَّ — لدعم ذلك الاتجاه. فمن الجامعات ما نشأ ثمرةً لخدمةِ التوفيق بين النصرانية والأرسطاطاليسية، أو تأمين الإصلاح الديني البروتستنتي أو الكاثوليكي، أو نتيجةَ الاهتمام بدراسة الشرائع الرومانية، أو القانون الكنسي، أو الطب نقلًا عن العرب، أو الدراسات الإنسانية التي أثمرتها النهضة الأوروبية أو العلوم الطبيعية، كما في النهضة الحديثة وهكذا.

وقد عرفنا في تاريخنا الإسلامي نشأة الجامعات لدعم مذهب ديني، كالأزهر الفاطمي وكمدارس الأيوبيين، أو لتطبيق مناهج علمية جديدة كما هو الحال في المدارس التي أنشأها نظام الملك ببغداد وغيرها. وليس معنى ما ذهبنا إليه أن الجامعات تبقى على ما نشأتْ عليه، فشَتَّانَ بين جامعة باريس في القرن الثالث عشر وجامعة باريس في القرن العشرين، وإن هذا التطوُّر لهو في ذاته مما يضيف إلى شئون تاريخ الجامعات ما يجعله حقيقةً أروع فصول التاريخ الإنساني.

وإذا قسنا الأمور بهذا المقياس، أيحقُّ لنا أن نؤرِّخ نشأة الجامعة المصرية؟ والجواب نعم قاطعة؛ فإنشاؤها كان ثورةً على نظام فُرِض على المصريين فرضًا، على نظام قضى عليهم بأن لا حَقَّ لهم في طلب علم إلا مغتربين عن بلادهم، وحكم بأن أبوابًا من المعرفة يجب أن تظلَّ مُوصَدَة في هذه البلاد، ورسم بأن هناك مستوًى مقدرًا من العلوم يجب ألا يتجاوزوه. فهم ليسوا كسائر الناس، وليست بلادهم كسائر البلاد، بل هم دون ما كان عليه آباؤهم الأقربون. وهذا النظام المفروض جزء في الواقع من العبودية المفروضة عليهم فرضًا. وكان إنشاء الجامعة المصرية أولَ ضربة وُجِّهت لتقويضه وأولَ حَجَر في بناء الاستقلال.

ويكتب المصريون في تاريخ الحركة الاستقلالية ويبدءونها بالثورة في سنة ١٩١٩م، وهم في هذا يغفلون عن مبدئها الحقيقي: إنشاء الجامعة، وينوِّهون بما قدَّمَه الزعماء المصريون للحركة الاستقلالية، وينسون أن بدء جهادهم للاستقلال كان إنشاءَ الجامعة المصرية.

وإن توجيه الحركة الاستقلالية نحو إنشاء الجامعة، وضرب النظام الأجنبي في صميمه بإنشاء الجامعة، ينطبع كلَّ الانطباع بشخصية الأمير أحمد فؤاد، بسجاياه ومواهبه، بنشأته وبميوله، فقد حَمَلَ رايةَ الاستقلال عن أبيه، ونشأَ عالِمًا عامِلًا، وأدرك عن قرب كيف كانت الجامعات في إيطاليا، وفي ممالك أوروبا الوسطى، الخاضعةِ لآل هابسبرج، أو الثائرة على طغيان نابليون، أو طغيان الألمان، مهد الحركات الاستقلالية، وكيف اتخذ التحرر ألوانه من التحرر العقلي والاقتصادي؛ فتزعَّم الحركة المصرية في طور التحرر العقلي، وكان منشئَ الجامعة المصرية.

فتاريخ إنشاء الجامعة المصرية فصلٌ أساسي في تاريخ مصر الحديثة، ومن خير المناهج في وضعه نشر وثائقه الأساسية مرتبة تبعًا لموضوعاتها وموصولًا بينها بما يُعِينُ على درسها وتتبُّعها؛ وقد قام بهذا الأستاذ أحمد عبد الفتاح بدير فكان ذلك منه عملًا قوميًّا مشكورًا.

والأستاذ أحمد عبد الفتاح بدير جامعي بالولاء، نشأ في حِجر الجامعة، فتعلَّق بها وبرجالها، وحفظ أوراقها وسجلَّاتها، بل وعرف من أمورها أكثرَ مما تحتويه الأوراق والسجلات، وكان لها الحافظَ الأمين.

وإنا لندعو أبناءنا في الجامعة أن يتدبَّروا جهادَ ذلك الجيل من المصريين في سبيل التحرر منشورًا في هذا السجلِّ الحافل، وأن يذكروا لهم بالشكر ما قدموا، وأن يعتبروا أنفسهم خلفاءهم في الجهاد الذي لن ينقطع لرفعة الوطن ونصرة الحق وكرامة الإنسان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.