رئيس وزرائنا رجل طيب، هذا شيء لا يرقى إليه الشك، ولا يتأتى فيه الجدال، ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك رجل مترف منعم دقيق الحس، رقيق المزاج، يؤذيه الكلام الغليظ ولا تنفذ إلى سمعه هذه اللغة التي تعوَّد المعارضون السياسيون أن يتحدثوا بها إلى سلفه الدكتاتور العظيم صدقي باشا؛ لأن في هذه اللغة خشونة وجفوة، وحِدَّة لا تلائم سمع المترفين، ولا أذواقهم الحلوة المهذبة. وأكثر الظن أن هذا الخطأ النفسي — إن صح هذا التعبير — هو الذي حال بين المعارضة وبين أن تبلغ من رئيس الوزراء شيئًا أو تقنعه بشيء، أو تصرفه عن شيء، أو تحمله على شيء؛ فهي تتحدث إليه بلغة لا يفهمها، ولا يذوقها، وإذن فهي لا تجد إلى نفسه سبيلًا، تتحدث إليه بلغة الشعب، وأبناء الشوارع، هؤلاء الذين يمشون في الأسواق ويجلسون في الأندية، ويتحاورون بلغة العامة أو بلغة الخاصة، ولكن بلغة ديمقراطية على كل حال.

والخير كل الخير للمعترضين إن أرادوا أن تصل أصواتهم إلى رئيس الوزراء وأن تقع أحاديثهم من نفسه موقعًا حسنًا، أن يغيروا لهجتهم ويصطنعوا لغة حلوة عذبة رقيقة، رشيقة موفقة، تشبه ما يضطرب فيه الرئيس المترف العظيم، من ألوان الترف والنعيم.

ونحن نعلم أن هذا ليس شيئًا يسيرًا ولا قريب المنال؛ فقد خُلِقنا جميعًا شعبيين ديمقراطيين، نتحدث بلغة الشعب ونصطنع لهجته الديمقراطية، وليس يُتاح لنا في سهولة ويسر أن ننقلب مترفين أرستقراطيين، نستعير في أحاديثنا لغة النسيم والأزهار، ولكن لنحاول مع ذلك، فقد يُتاح لنا التوفيق، وقد يُقرِّب الله ما بين رئيس الوزراء وبيننا من الآماد، فيسمع لنا ويفهم عنا، ويُعنى بالتفكير المترف فيما نقول.

وقد يُخيَّل إلينا أن من أقرب الوسائل إلى رئيس الوزراء، أن تُؤلَّف له من بعض أعمال الوزارة طاقة من الزهر الجميل ننسقها تنسيقًا، وننمقها تنميقًا، ونقدمها إليه باسمين، ابتسامة الإعجاب به والإكبار له وابتغاء الوسيلة إليه؛ فقد يُلْقِي على هذه الطاقة نظرةً من نظراته المترفة فتروقه، ولعلها تروعه، ولعله يعيد النظر إليها، ولعله يطيل التفكير فيها، ولعله يستيقن بعد ذلك أن هذه الطاقة الجميلة البشعة، الرائعة المروعة، إنما أُلِّفَتْ من زهرات الشر، لا من زهرات الخير، ونُسِّقَتْ من هذا الجمال المنكر الذي تشمئز له النفوس وتهلع له القلوب، لا من ذلك الجمال الحلو، الذي تستريح إليه النفوس، وتمتلئ له الأفئدة بِشْرًا وغبطة وسرورًا.

وقديمًا استطاع بعض الشعراء الفرنسيين الذين قرأهم رئيس الوزراء من غير شك، أن يجعل للشر أزهارًا، وأن يؤلف منها طاقة رائعة مخيفة خالدة على الدهر، ستنظر إليها الأجيال الإنسانية كلها، فلا ترى فيها إلا نكرًا وإثمًا، وربما كان الزهر العيسوي الذي يُعنى به وزير التقاليد في وزارة المعارف أحق ألوان الزهر الوزاري بالعناية، وأجدرها أن نقصد إليه حين نريد تنسيق هذه الطاقة البديعة لنهديها إلى رئيس الوزراء.

فنحن نستطيع اليوم أن نقتطف من هذه الحديقة الغناء، حديقة وزارة المعارف، زهرات ثلاثًا، لا نرى أجمل منها، ولا أروع، ولا أقدر منها على أن تُعجِب رئيس الوزراء؛ فأما أولى هذه الزهرات: فزهرة مدرسة الهندسة التي يتأرج عبيرها الحلو في الأجواء المصرية كلها، والتي أَبَتْ أن يرقى عالم مصري إلى منصب الأستاذ؛ لأن هذا المنصب يجب أن يُقدَّم هدية إلى الإنجليز والتي أبت أن يبقى هذا العالم المصري في مدرسة الهندسة، رفقًا به وإشفاقًا عليه من أن يتأذى بمنظر هذا الأستاذ الإنجليزي الذي اغتصب منصبه اغتصابًا واحتله قسرًا واقتدارًا، فنفته بإذن الله وبقوة التقاليد إلى أسيوط.

والزهرة الثانية من زهرات هذه الحديقة الغناء: هذا الكتاب الذي صدر من وزارة التقاليد إلى مصلحة السكك الحديدية يطلب إليها إلغاء قطار الآثار؛ لأن إظهار المصريين على آثار آبائهم يؤذي موظفي مصلحة الآثار، ويكلفهم مشقة لا يقدرون عليها، ثم لأن هذه الجماهير الشعبية تؤذي السائحين والسائحات من الأجانب الذين يجب أن يصفو لهم جو الصعيد، فلا تكدره أنفاس المصريين، ولا أشكال المصريين، ولا أي مظهر من مظاهر المصريين.

والزهرة الثالثة: هي هذه العناية القصوى التي تبذلها وزارة التقاليد لإرضاء البريطانيين، وتعيين البريطانيين وتقديمهم لا على المصريين وحدهم بل على الأجانب أيضًا. ولعلك قرأت ما نشرناه أمس من حاجة الوزارة إلى أستاذ في مدرسة الصناعات البحرية في السويس ومن حرص الوزارة على أن يكون هذا الأستاذ بريطانيًّا ليس غير.

فإذا قطفنا هذه الزهرات من حديقة وزير التقاليد، فعند وزير ماليتنا زهر كثير يحار الطرف فيه، وتعجز النفس عن الاختيار بينه، تستطيع أن تأخذ من زهر الاستبدالات في مصلحة الأملاك ما شئت، وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العام ومفاوضاته وقضيته ما أحببت، وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العقاري ما أردت، وتستطيع أن تأخذ فوق هذا كله وذاك من صمت الوزير وكلامه، ومن كرِّه وفرِّه، ومن إقدامه وإحجامه، زهرًا لا يُحاكَى وليس إلى تقليده من سبيل.

فإذا جمعت الزهر الصبري إلى الزهر العيسوي، ففي الزهر القيسي ما يتمم الطاقة، ويجعلها فتنة للأبصار والنفوس وأنت واجد في حديقة القيسي باشا ما شاء الله أن تجد مما يَرُوعك ويُروِّعك بتسكين الواو في الفعل الأول، وتشديدها في الفعل الثاني، وأنت واجد من هذا الزهر في حديقة القيسي باشا ألوانًا مختلفة منها الأحمر القاني، والشاحب الممتقع، ومنها الأسود القاتم، ومنها الأبيض الناصع، ومنها غير هذا كله من الألوان.

تستطيع أن تقتطف بعض هذا الزهر الذي يُنْبِته الجند والشرطة، ويتعهدونه بدماء المصريين حين يحطمون الرءوس ويهشمون العظام، ويشققون الجلود تشقيقًا، وتستطيع أن تقتطف من هذا الزهر الذي يُنْبِته رجال الإدارة في الأقاليم، ويشقونه بدموع المصريين حين يسلكونهم في الأغلال، ويضعونهم في القيود، ويأخذونهم بالمشي الطويل المضني، ساعات وساعات، ويلقونهم في غيابات السجن، لا يذوقون طعامًا ولا شرابًا، ثم يردونهم بعد ذلك إلى الحرية والحياة.

فإذا أخذت من زهرات القيسي باشا ما يزيد الطاقة جمالًا إلى جمال، وروعة إلى روعة، فلا تَنْسَ أن تمر بحديقة وزير الحقانية، فتقتطف زهرة أو زهرتين، من زهرات المحاكم المختلطة، فقد نظن أن جمال الطاقة لا يتم إلا إذا أضفت إليها بعض هذا الزهر المونق البديع، ورئيس الوزراء — كما قلت لك — رجل مترف يُحْسِن أن تُقدَّم إليه طاقات الزهر، ولكن يجب أن تكون هذه الطاقات رشيقة ليست مسرفة في الضخامة، كهذه الطاقات التي يحبها أمثالك وأمثالي، من أبناء الفلاحين.

ولذلك أنصح لك ألا تقصد إلى حدائق الوزارات الأخرى، ولا إلى حديقة البرلمان، بل يكفي ما قطفت من هذه الحدائق التي مررت بها، ولكن قِفْ على رياسة الوزارة فخُذْ منها شريطًا ظريفًا جميل اللون — كما يقولون — واحزم به هذه الطاقة قبل أن ترفعها إلى الرئيس العظيم، وأنت واجد من الشرائط فنونًا وضروبًا وأشكالًا وألوانًا، فتستطيع مثلًا أن تختار لهذه الطاقة شريطًا متردد اللون لا يُحزَم بنحو من أنحاء اللون دون نحو آخر.

خُذْ مثلًا هذا الشريط الذي رُسِمَتْ عليه الأزمة الأولى بين رئيس وزرائنا الرجل الطيب وبين المندوب السامي الجديد، وهي التي يسمونها أزمة الزيارة، والتي قال الناس فيها فأطالوا القول، وبحث الناس عن سرها فأكثروا البحث، والتمس الناس نتائجها فأسرفوا في الالتماس.

خُذْ هذا الشريط الجميل فأَدِرْهُ حول هذه الطاقة الجميلة، ثم اتخذ لنفسك زيًّا جميلًا، وشكلًا جميلًا، وأَفِضْ على وجهك ابتسامة حلوة، واطبع على شخصك حركة رشيقة، واستأذِنْ على رئيس الوزراء، فإذا ظفرتَ بالإذن، فادخل ظريفًا رشيقًا، وحيِّ تحية ملؤها الإكبار والإعجاب، وقدِّم الطاقة إلى الرجل العظيم وانصرف لا تَقُلْ كلمة، ولا تَنْطِقْ بحرف؛ فإن صوتك قد يؤذي الرئيس، وإن في هذه الطاقة الجميلة ما يُغْنِي عن الكلام، فقد ينظر إليها صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا فيرتاع لها ضميره الحي ويُؤثِر أن يدع الحكم على أن تُقدَّم له إذا كان الغد طاقة أخرى مثل هذه الطاقة أو أشد منها روعة وترويعًا، وما أكثر ما في حدائق الوزارة القائمة من أمثال هذه الزهرات الحسان!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.