يكثر الكلام في هذه الأيام عن الاجتماع الذي يرجى عقده في أقرب وقت ممكن بين المستر تشرشل والمستر روزفلت والماريشال ستالين؛ لدرس المشكلات الكبرى التي يضطرب لها الضمير الأوروبي اضطرابًا شديدًا، ويوشك أن يضطرب لها الضمير العالمي إذا لم يجد هؤلاء الساسة لها الحلول الموفقة التي تلائم بين آمال الشعوب وأعمال الحكومات.

وقد أظهر المستر تشرشل حرصه الشديد على أن ينعقد هذا الاجتماع في أقرب وقت ممكن. أعلن ذلك غير مرة في مجلس العموم، وألحت الحكومة البريطانية من غير شك في الدعوة إليه بالوسائل الدبلوماسية. وظل رئيس الجمهورية الأمريكية متحفِّظًا لا يقول في هذا الموضوع شيئًا، ثم زال تحفظه فجأة في هذا الأسبوع، فتحدث إلى الصحفيين بأنه يرجو أن يتم هذا الاجتماع في وقت قريب. أمَّا الماريشال ستالين فلم يقل شيئًا؛ لأنه لم يتعود أن يقول شيئًا، ولم تقل الصحف الروسية شيئًا؛ لأنها ليست أقل تحفظًا في السياسة الخارجية من الحكومة الروسية، وإنما اكتفت في الأيام الأخيرة بنشر ما يصل إليها من بريطانيا العظمى وأمريكا دون شرح ولا تعليق.

ومعنى هذا كله واضح جدًّا، وهو أن الحلفاء يرون هذا الاجتماع ضرورة لا بدَّ منها. يرى بعضهم الإسراع السريع إلى عقده، ويرى بعضهم الآخر التمهل والأناة حتى تعلن الحقائق الواقعة نفسها إعلانًا كافيًا، وحتى تنكشف هذه الحقائق الواقعة عن إرادة الشعوب كشفًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا؛ فإن إرادة الشعوب هذه هي التي ينبغي أن تملي على الحلفاء ما تحتاج إليه المشكلات الكبرى من حلٍّ، وهي التي ينبغي — على أقل تقدير — أن ترسم لهم الطريق الذي يسلكونها إلى إيجاد هذه الحلول.

وهذه المشكلات الكبرى تظهر معقدة أشد التعقيد؛ لأنها تتألف من عناصر مختلفة اختلافًا عظيمًا، فقد كانت الشعوب منقسمة قبل الحرب في اتجاهاتها السياسية، يتجه بعض الأحزاب فيها إلى اليمين اتجاهًا شديدًا، ويتجه بعضها إلى الشمال اتجاهًا شديدًا، ويعتدل بعضها بين ذلك فيأخذ بأطراف من المحافظة، وأطراف من الإصلاح الاجتماعي فيه شيء من الاشتراكية، وشيء من الشيوعية.

فلما أتيح لألمانيا ما أتيح لها من الانتصار المؤقت في أوروبا؛ شجعت العناصر المحافظة المعتدلة فازدادت حماسة المتطرفين، وكانت الطبقات الشعبية الخالصة عظيمة الحظ جدًّا من مقاومة الألمان. وانتهز الحلفاء هذه الفرصة فأمدوا هذه المقاومة بالقوة والسلاح، وبذلوا لها الوعود والآمال، ثم منحوها المعونة العسكرية الفعلية، فتم تحرير كثير من هذه الشعوب، وأصبحت قوة المقاومة الشعبية ظافرة تنتظر نتائج الظفر، وتريد أن تجني ثمراته، وتؤثر العجلة في ذلك على الريث والأناة.

وهنا اصطدمت آمال الشعوب وأعمال الحكومات اصطدامًا شديدًا لم يلبث الحلفاء أن يقلقوا له أول الأمر، وأن يختلفوا فيه بعد ذلك.

وقصة اليونان توضح هذا الموقف أشد التوضيح، وتجلوه أحسن الجلاء، فما زالت هذه قصة معقدة على رغم ما بذلت بريطانيا العظمى من الجهود؛ فهي قد قاومت الحركة الشعبية العنيفة، وما زالت تقاومها بالعنف، وهي قد أرسلت رئيس وزرائها الشيخ ووزير خارجيتها الشاب لمحاولة الحل السلمي لهذه المشكلة، وهي قد حملت ملك اليونان على أن يقبل تعيين وصي على العرش لتنشأ حكومة مؤتلفة؛ لعلها تضع حدًّا للحرب الأهلية، ولكن كل هذه الجهود — على كثرتها واختلافها — لم تصل إلى حل المشكلة اليونانية بعد.

وليست المشكلة البولندية بأقل من مشكلة اليونان تعقيدًا؛ فهناك الاختلاف بين روسيا والحكومة البولندية في لندرة على الحدود، وقد أيَّدت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وجهة النظر الروسية، ولكن الحكومة البولندية حرَّة لم تغير من موقفها شيئًا، والعلاقات السياسية مقطوعة منذ زمن طويل بين روسيا وهذه الحكومة، وقد حررت الجيوش الروسية أجزاء كبيرة من أرض بولندا، وتوشك أن تحرر ما بقي منها؛ فلا بدَّ إذن من أن يصل الحلفاء إلى حل لهذه المشكلة، فإما أن تقبل الحكومة البولندية ما اتفقوا عليه، وإمَّا أن تقوم الحقائق الواقعة نفسها بإيجاد هذا الحل، وقد فعلت.

فقامت في بولندا لجنة التحرير الوطني في لويلين على نحو اللجنة الفرنسية التي كانت تعمل خارج فرنسا، وأيَّدت روسيا هذه اللجنة على نحو ما كانت بريطانيا العظمى وأمريكا تؤيدان اللجنة الفرنسية، ثم أعلنت هذه اللجنة نفسها حكومة مؤقتة لبولندا، كما أعلنت اللجنة الفرنسية نفسها حكومة مؤقتة لفرنسا. وهنا تظهر المشكلة الدولية، فهل يعترف الحلفاء بهذه الحكومة البولندية المؤقتة؟ وإذن فماذا يصنعون بالحكومة وهم معترفون بها منذ زمن طويل، ولها جيوشها البولندية التي تعمل في غير ميدان من ميادين الحرب، أم هل يأبون الاعتراف بهذه الحكومة المؤقتة، وإذن فماذا يصنعون بها وبالشعب البولندي الذي يؤيدها، وبالجيش البولندي الذي يحارب مع الروسيين في غير ميدان من ميادين الحرب، وماذا يصنعون بالمطالب الروسية التي تتصل بالحدود، والتي تقرها هذه الحكومة المؤقتة؟

ومن المحقق أن هناك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلات اليونان وبولندا، يظهر لنا بعضها، ويستخفي عنا بعضها الآخر، ولكنها قائمة على كل حال تنتظر أن توجد لها الحلول. فإما أن يحلها الحلفاء بما يكون بينهم من اتفاق أولًا، وبما يكون بينهم وبين الشعوب المختصة كما يقال من التراضي ثانيًا، وإمَّا أن تحل نفسها متأثرة بالحقائق الواقعة، أي بالاصطدام بين الميول المختلفة والنزعات المتباينة، وما ينشأ عن ذلك من الحرب الأهلية التي يرى العالم نموذجًا من نماذجها في بلاد اليونان.

هذه المشكلات توجد في إيطاليا، وتوجد في بلجيكا، وستوجد في هولندا، ولعلها وجدت بالفعل في بلاد المجر التي لم يتم تحريرها بعد، ولكنها أنشأت حكومة مؤقتة وأرسلت وفدها إلى موسكو يطلب شروط الهدنة إلى الماريشال ستالين. ولم تعترف بها الحليفتان العظميان: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تطلب إليهما بعد هذا الاعتراف، وإنما طلبته إلى الحقائق الواقعة، أي إلى الحكومة الروسية التي حررت أكثر بلاد المجر، وتوشك أن تحررها كلها في الأيام القليلة المقبلة. فما عسى أن يكون موقف الحليفتين العظميين من هذه الحكومة الجديدة؟ أو ما عسى أن يكون موقف المحافظين في المجر من هذه الحكومة الجديدة أيضًا؟

ومما يزيد هذه المشكلات خطورة وتعقيدًا أن بعض الشعوب المحررة، أو بعبارة دقيقة: إن فرنسا قد استطاعت أن تحل مشكلاتها الداخلية حلًّا رائعًا، وأن تُرضي الشعب الذي بذل ما بذل من الضحايا في سبيل الحرية والاستقلال إرضاءً شديدًا، إن لم يكن إرضاءً تامًّا؛ فالحكومة الفرنسية المؤقتة قد ردَّت لفرنسا مكانتها بين الدول العُظمى، ونجحت نجاحًا شاملًا في سياستها الخارجية، ثم هي تخطو نحو الديمقراطية الصحيحة في سياستها الداخلية خطوات حاسمة حازمة ثابتة لا تردد فيها ولا اضطراب.

فالصناعات تصبح أهلية، والعمال تصبح لهم كلمة في إدارة هذه الصناعات، وصغار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى أربعة أضعافها، وكبار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى مثليها، والمحاكم الابتدائية تكتفي في دوائرها بقاضٍ واحد ليمكن تقوية محاكم الجنايات، وليمكن الإسراع في محاكمة الذين خانوا الوطن، وتبرئة الذين لا تثبت عليهم هذه الخيانة، وإعادتهم كرامًا إلى الوطن ليعملوا فيه وينتجوا له.

ويجتمع مجلس الوزراء الفرنسي أمس فيقرر — فيما يقرر — جعل التعليم الثانوي كله في فرنسا بغير أجر، بحيث يستطيع الشبَّان الفرنسيون جميعًا أن يطلبوا هذا النحو من التعليم إذا سمحت لهم كفايتهم بطلبه. ومعنى هذا كله أن فرنسا ستعود إلى سُنَّتها الديمقراطية القديمة، ولا تكتفي بهذه العودة، بل تريد أن تستدرك ما فات، وتعوض ما أضاعته حكومة الماريشال بيتان، فتوسع خطواتها توسيعًا هائلًا. والشعوب المحررة الأخرى ترى هذا كله وتعجب به، وتريد أن تقتدي بفرنسا فيه الآن كما كانت تقتدي بفرنسا فيه من قبل، ولكنها تجد المصاعب التي تقيمها لها الحكومات المهاجرة، أو تقيمها لها العناصر المحافظة، أو تقيمها لها ظروف الحرب. فأي غرابة في أن تتحرق الشعوب المحررة شوقًا إلى أن ترى حريتها حقائق واقعة، كما أن الحرية الفرنسية حقيقة واقعة؟ أترى أن هذه المشكلات التي لم نُشِرْ إلَّا إلى أطراف منها خطيرة حقًّا تحتاج إلى أن يجتمع لها الزعماء الثلاثة لعلهم أن يجدوا لها حلًّا؟!

ثم أترى أني لم أكن مبالغًا حين قلت في أول هذا الحديث: إن الضمير الأوروبي يضطرب لهذه المشكلات، وإن الضمير العالمي سيضطرب لها إذا لم يجد الساسة لها حلًّا؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.