في جو مصر الآن طير تحلق حينًا وتقع حينًا آخر، وتتردد بين دواوين الوزراء وإدارات بعض الصحف، وتلم بمجالس الناس في القاهرة والأقاليم.

وليست هذه الطير جميلة الشكل، ولا رائقة المنظر، وليست هذه الطير خفيفة الحركة، ولا رشيقة في التحليق والوقوع، ولكنها قبيحة سمجة، مخيفة، ثقيلة الظل، عراض الأجنحة، وليست عذبة الصوت ولا حلوة التغريد، ولا مسمعة للناس غناء البلابل، ولكنها بشعة الصوت، نابية اللحن، تصيح صياح البوم، وليست أسماؤها بالأسماء التي تدعو إلى التفاؤل وانتظار الخير، والابتسام للأمل، ولكنها أسماء تدعو إلى التشاؤم وتوقُّع الشر، والتنكر للقنوط، فبعضها يسمى الكذب، وبعضها يسمى إفشاء السر، وبعضها يُسمى سوء الظن.

وهذه الطير تضطرب في جو مصر كله فتفسده أشد الفساد، وهي تخفق بأجنحتها خفقًا عنيفًا يكاد يصم الأسماع، وهي تبعث من حين إلى حين صيحات منكرة تروع النفوس، وهي تنشر في الجو رائحة كريهة يتأذى لها الذوق، وهي توشك أن تنتهي بالمصريين — إذا لم تُطرد عن جوهم — إلى شرٍّ كثير!

صحيفة تذيع بين قرائها يوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء تحدث في التليفون إلى وزير مصر المفوض في لندرة، ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ، فإذا كان الغد تحدثت صحيفة أخرى بأن وزيرنا المفوض في لندرة أنبأ مكاتبها بأن قد كان بينه وبين رئيس الوزراء حديث في التليفون.

ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ الثاني أيامًا، وتتناول الصحف هذا النبأ بالتفسير والتعليق، ورئيس الوزراء صامت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، وفاتر لا يبدي قليلًا من نشاط، حتى إذا كان مساء أمس، زعم رئيس الوزراء للمقطم أن هذا الحديث التليفوني لم يكن، فأين يكون الحق إذن وأين يكون الباطل؟ وعند من نلتمس الصدق إذن؟ وعلى مَن نُلقي تبعة الكذب؟

زعمت المقطم أن ناحية مسئولة في مصر تحدثت إلى وزير مصر في لندرة بالتليفون، وزعمت البلاغ أن وزير مصر المفوض في لندرة أنبأ مكاتبها بأن هذا الحديث قد كان، وزعم رئيس الوزراء بعد أيام أن هذا الحديث لم يكن، فهناك طائر قبيح الشكل، بشع المنظر، فج الصوت، يتردد بين إدارة المقطم وإدارة البلاغ، والمفوضية المصرية في لندرة ومكتب رئيس الوزراء، واسم هذا الطائر قبيح لا يدل على صدق ولا نصح ولا حب للحق. وهو لا يدري أين يقع من هذه الأماكن التي يتردد بينها، وهو لا يهدأ ولا يستريح حتى يعرف له مستقرًّا يستقر فيه، ووكرًا يأوي إليه، وهو سيفسد الجو بصيحاته المنكرة وريحه المؤذية، حتى يصرف عن هذا الجو، ويرد إلى وكره بعيدًا عن الأسماع والأبصار والأنوف …!

وصحيفة أخرى زعمت أول أمس أن رئيس الوزراء تحدث إلى زملائه في مجلسهم يوم الخميس بأنباء سياسية انتهت إليه من هذا الحديث التليفوني الحائر، وبعض هذه الأنباء يمس المندوب السامي، وبعضها يمس اللجنة الإنجليزية المصرية، وكلها يدور حول بقاء الوزارة أو سقوطها، فما يتقدم النهار حتى يُكذِّب رئيس الوزراء ما نشرته الأهرام تكذيبًا قاطعًا، فإذا كان صباح الغد أكدت الأهرام ما قالت، وردت على رئيس الوزراء تكذيبه، وأعلن مندوب الأهرام في صراحة وجرأة أنه سمع هذه الأنباء من غير واحد من الوزراء!

ثم يتقدم النهار، ويأتي المساء، ويقبل الليل وينجلي، ويشرق النهار، وتظهر في أثناء ذلك الصحف التي تتصل برئيس الوزراء، والتي تعرب عن رئيس الوزراء، فإذا رئيس الوزراء صامت لا يتكلم، ساكن لا يتحرك، هادئ لا حظ له من نشاط، وإذا الصحف التي تتولاه، والتي تعرب عنه، وتذعن له، صامتة مثله لا تقول، ساكنة مثله لا تتحرك، هادئة مثله لا تنشط، ومع ذلك فما أقدر هذه الصحف على الكلام، وما أبرعها حين تخوض بالحق والباطل فيما تريد أن تخوض فيه من الأمور.

هناك إذن طائر آخر قبيح الشكل، بشع المنظر، لا يدل اسمه على الصدق والنصح وحب الحق، وهو يتردد بين الأهرام ومكتب رئيس الوزراء، وهو لا يدري أين يستقر، وسيظل مفسدًا للجو مؤذيًا للنفوس حتى يرد إلى وكر يستخفي فيه.

وهناك طائر آخر ليس أقل من هذا الطائر شرًّا ولا نكرًا، ولا يدل اسمه على أمانة في الحديث، ولا على حفظ للغيب، ولا على كتمان للسر، وهو يتردد بين مكاتب الوزراء لا يدري إلى أيها يأوي، ولا على أيها يقع. وسيظل مفسدًا للجو مؤذيًا للنفوس حتى يُصرَف شرُّه عن الناس.

ثم هناك طائر آخر مروع مخيف، ليس بشعًا كل البشاعة، ولا قبيحًا كل القبح، ولكنه مزاج من الأمرين، فيه استنكار الشر، واستبشاع الكذب، وإفشاء الأسرار، وفيه التماس الخير، واستقصاء الحق، والحرص على الأمانة، وحفظ الغيب. وهذا الطائر كان يقظًا كالنائم، نشيطًا كالهادئ، متحركًا كالساكن، فلما صاحت تلك الطير المنكرة صيحاتها المتصلة، اندفع من اليقظة والنشاط في شيء عظيم، فهو يطير في كل جو، ويقف عند كل مجلس، ويسمع لكل حديث، ويلتقط كل نبأ، ويأبى على الناس أن يطمئنوا ويستريحوا حتى يتبينوا وجه الحق فيما قيل وفيما يقال، يأبى على الناس أن يستريحوا حتى يعلموا أيهما قال الحق في أمر الحديث التليفوني؛ أهو رئيس الوزراء؟ فيجب إذن أن يُسأل وزير مصر في لندرة: كيف قال عن رئيس الوزراء غير الحق؟ وكيف تحدث بما لم يكن؟

أهو وزير مصر في لندره؟ فيجب إذن أن يُسأل رئيس الوزراء: كيف استباح لنفسه أن يُكذِّب وزيرًا يمثل كرامة مصر وجلالها في بلد أجنبي، هو إنجلترا، وعند قوم من الأجانب هم الإنجليز؟! أم هي الصحف قد قالت على الرجلين جميعًا ما لم يقولا، وأضافت إلى الرجلين جميعًا ما لم يفعلا؟! فيجب أن تُسأل هذه الصحف: كيف استباحت لنفسها أن تُعرِّض رئيس الوزراء ووزيرًا من وزراء الدولة المفوضين لما يتحدث الناس به عنهما، أحدهما أو كليهما، من تجاوز الصدق والإعراض عن الحق؟!

لا يريد هذا الطائر، الذي يسمى سوء الظن، أن يستريح، ولا أن يريح الناس، حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق في هذه القصة، ثم لا يريد هذا الطائر أن يستريح، ولا أن يريح الناس، حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق ساطعًا وضَّاءً جليًّا، فيما كان بين الأهرام ورئيس الوزراء، أو قُل فيما كان بين رئيس الوزراء وزملائه، فإن سكوت الوزارة على تحدي الأهرام، وسكوت صحف الوزارة على هذا التحدي، وإغراق هذه الوزارة وصحفها في صمتٍ عميقٍ بعد ما نشره مندوب الأهرام صباح أمس، دليل واضح على أن الرجل لم يخترع ولم يبتكر، وإنما حُدِّث فتحدَّث، وأُنبِئ بشيء فأذاعه بين قرائه. وأكبر الظن أن الذين تحدثوا إليه قد أرادوه على أن يذيع هذا الحديث؛ ليؤكدوا للناس أن ليس على الوزارة من بأس ولا خوف.

يظهر إذن أن الأهرام قد خرجت من هذه المعركة ظافرة صادقة، لا إثم عليها ولا تثريب، فيريد هذا الطائر أن يتبين وأن يتبين الناس معه أيهم قال غير الحق؛ أهم الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسألوا: كيف أضافوا إلى رئيسهم ما لم يقل، وحملوا عليه ما لم يصدر عنه؟! فإن زعموا أن رئيسهم قد تحدث إليهم بما نقلوا عنه، فيجب أن يُسألوا: كيف أباحوا سرَّه، وكشفوا ستره، ولم يحفظوا له غيبًا، ولم يفوا له بالكتمان؟

أهو رئيس الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسأل: متى قال غير الحق؟ أحين تحدث إلى زملائه بما نشرته الأهرام؟ وإذن فلَمْ يُخْلِص حين تحدث إليهم، ولم يظهرهم على جلية الأمر، وإنما غرَّهم بالأماني، وعللهم بالأوهام! أم حين كذَّب ما نشَرت الأهرام وهو يعلم أن الأهرام لم تَنشُر إلا حقًّا، ولم تقُلْ إلا صدقًا؟ وإذن فيجب أن يُسأل: كيف استباح لنفسه أن يواجه الأمة كلها جهرًا بغير الحق، وأن يتعمد هذا وهو يعلم حق العلم أن هذا التعمد شيء لا تبيحه السياسة ولا ترضاه الأخلاق؟

أرأيت إلى هذا الجو المنكر الذي نعيش فيه؟! أرأيت إلى هذه البيئة الخانقة التي نضطرب فيها؟ أرأيت إلى الصدق والكذب كيف يختلطان؟ أرأيت إلى الحق والباطل كيف يشتبهان؟ أرأيت إلى الأمانة والخيانة كيف تلتبسان؟ أرأيت إلى الريبة تصبح قاعدة من قواعد السياسة، وأصلًا من أصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟

أرأيت إلى هذا كله؟ أفكرت في هذا كله؟ أقدرت أثر هذا كله في حب الناس للوزارة، وثقتهم بها، واطمئنانهم إليها؟ أقدرت أثر هذا كله في أخلاق الناس حين يتصل بعضهم ببعض، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، وحين يأتمن بعضهم بعضًا على الأسرار؟ ألست توافقني على أن هذه الطير البشعة المنكرة التي تضطرب في جو مصر الآن فتملؤه فسادًا وشرًّا خليقة أن ترد عن هذا الجو؛ ليعود إليه شيء من الخير والصلاح؟

بلى، إنك لترى هذا الرأي كما أراه، وإنك لتحرص على أن يصفو الجو كما أحرص على ذلك؛ لتستقيم السياسة، وتصلح الأخلاق، ولكن من الذي يستطيع أن يذود هذه الطير المفسدة عن جو مصر؟ أحد رجلين: رئيس الوزارة حين يستقيل، أو النائب العام حين يأمر بالتحقيق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.